; الشركات متعددة الجنسية.. غول يلتهم الاقتصاد العالمي | مجلة المجتمع

العنوان الشركات متعددة الجنسية.. غول يلتهم الاقتصاد العالمي

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 71

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 48

الأربعاء 08-مايو-2002

٦٠٠ شركة تهيمن على اقتصاد العالم وتستنزف أفضل العقول المهاجرة

أصبح من المسلم به على نطاق واسع بين علماء الاقتصاد والباحثين في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والمنهجية أن بزوغ الشركات متعددة الجنسية ونموها أو كما تسمى أحيانًا الشركات الدولية أو الشركات العابرة الجنسية هو واحد من أكثر التطورات إثارة في السنوات الأخيرة على الساحة العالمية، هذا التطور يعتبره بعض الباحثين ظاهرة كبرى أو الظاهرة الأكبر في الاقتصاد الدولي في يومنا الحاضر، وتتجاوز هذه الأهمية حدود المجال الاقتصادي إلى التأثير العميق في المجالات السياسية والاجتماعية وبصفة خاصة في دور الحكومات لدى ممارستها لمسؤولياتها، وفي سير العلاقات بين الدول.

• أكثر من ۳۰۰ مليار دولاًر إجمالي استثماراتها وتعتمد على السيطرة المركزية والتكتم الشديد.

عمليات هذه الشركات تنتشر الآن على اتساع العالم كله؛ حيث تبني المصانع، وتبيع منتجاتها في عديد من الدول المختلفة، وحيث تحول مبالغ هائلة من النقود بين العملات المختلفة وفقًا لاحتياجاتها، وتوظف أناسًا من جنسيات متباينة. وعلى سبيل المثال، فإن أيًا من هذه الشركات جنرال موتورز للسيارات، و«شيل» أو «إسو» للنفط وأي بي إم للحاسابات الإلكترونية وفيلبس للمعدات والأجهزة الكهربائية لا يمكن أن تنسب إلى بلد معين، فإن منتجاتها لا تصنع في بلد واحد، وإنما في بلدان عدة مختلفة في وقت واحد، وتباع من خلال نظم متكاملة للتوزيع تتخطى الحدود الوطنية. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الشركات على درجة بالغة من الضخامة حتى إن المبيعات السنوية لواحدة منها يمكن أن تعادل أو تفوق إجمالي الإنتاج الوطني لواحدة من الدول الأوروبية، كما أن معدل نموها أسرع بكثير منها.

أرقام خطيرة

لقد أكد أشمل التقارير التي نشرت عن عمليات الشركات متعددة الجنسيات، وهو تقرير أعدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن القيمة الدفترية لاستثمارات هذه الشركات في العالم خلال الستينيات أن هذه القيمة بلغت نحو ٩٠ مليار دولاًر، ثلثاها في البلدان الصناعية المتقدمة، والباقي في البلدان الأقل نموًا.

ومن المؤكد أن هذه الأرقام أصبحت قديمة؛ إذ يقدر أن إجمالي استثمارات الشركات متعددة الجنسية قد نما بمعدل سنوي قدره ۱۲ % وعلى هذا فلابد أن يكون هذا الإجمالي قد بلغ أكثر من ١٥٠ مليار دولاًر في أوائل السبعينيات، و٢٠٠ مليار دولاًر في أوائل الثمانينيات و ٢٥٠ مليار دولاًر في أوائل التسعينيات، ومن المتوقع أن يصل إلى ۳۰۰ مليار أو أكثر من أوائل الألفية الثالثة، هكذا تشكل الشركات متعددة الجنسيةاليوم قوة اقتصادية عظمى، فإنتاجها يزيد بمعدل يبلغ نحو ضعف معدل نمو الاقتصاد الداخلي للدول الصناعية المتقدمة، ومن المتوقع أن يكون لنحو ٥٠٠ أو ٦٠٠ شركة من هذه الشركات قبل نهاية هذا القرن ملكية ما لا يقل عن ثلثي مجموع الأصول الثابتة في العالم بأسره، وأن تقوم بإنتاج أكثر من نصف الإنتاج العالمي،

 وقد قدر باحثو جامعة هارفارد، أن القيمة المضافة التي حققتها الشركات متعددة الجنسية خلال عام واحد بلغت نحو ٥٠٠ مليار دولاًر أي خمس إجمالي الإنتاج الوطني لكل دول العالم. وبناء على هذا توصل أحد الباحثين إلى أن كل دولاًر واحد من القيمة الاستثمارية الدفترية ينتج دولارين من المبيعات سنويًّا على هذا الأساس نفسه تكون الشركات الدولية قد أنتجت من السلع ما تربو قيمته على ۳۰۰ مليار دولاًر خارج بلدانها الأصلية، وهذا الرقم يفوق القيمة الكلية للتجارة العالمية خلال هذا العام. إن هذه الحقائق والمعطيات وجهت الأنظار إلى خطورة دور الشركات متعددة الجنسية وتأثيرها في العالم كله.

تكتم شديد

وزاد من هذا الاهتمام ما تبين لعديد من الباحثين من أن هذه الشركات تفرض قيودًا شديدة على المعلومات عن استثماراتها وعملياتها ومبيعاتها وأرباحها وتحويلاتها النقدية، وما تبين أيضًا من أن معظم مديري هذه الشركات العملاقة يفضلون عدم إثارة المناقشات حول هذه المعلومات؛ سواء في مؤتمرات أو ندوات أو حلقات دراسية. إذ يشعر هؤلاء أن من الخطورة بمكان مناقشة آثار النمو السريع للشركات الدولية على الملأ على أساس أن مثل هذه المناقشة من شأنها أن تثير انزعاج الحكومات والرأي العام في البلدان التي تمارس فيها نشاطاتها، الأمر الذي قد يثير بالتالي أفعالًا سياسية ضارة بمصالح تلك الشركات.

يقول سمير كرم في كتابه الشركات متعددة الجنسية: إن الحجم الاقتصادي الضخم للشركات متعددة الجنسية والإنتاجيات الهائلة التي تحققها، يوفران الموارد المالية والخبرات اللازمة للبحوث العلمية والتقنية. بيد أن المشكلة تكمن في كون هذه الشركات تؤدي دورًا خطيرًا في تشجيع ظاهرة نزيف الأدمغة؛ أي هجرة العقول العلمية والفكرية والتقنية وأصحاب الخبرات المختلفة من دول العالم الثالث إلى الدول التي توجد فيها مقار رئيسة لهذه الشركات، وبخاصة الولايات المتحدة. وللأسف فإن سيطرة بعض الشركات الدولية في المجال التقني تبلغ حدًّا يجعل لها هيمنة سياسية واجتماعية في بعض الأحيان. لذا، يؤكد أكثر من مصدر اقتصادي أن هناك ثمنًا سياسيًّا لقاء الفوائد العلمية والاجتماعية التي تقدمها الشركات الدولية في مجال التقدم التقني.

سيطرة.. واستغلال

إن الشركات متعددة الجنسية تمارس سيطرة مركزية كاملة من البلد الأصلي على فروعها المنتشرة في أنحاء العالم وجميع الفروع تعمل تحت نظام دقيق وفي إطار استراتيجية عالمية وسيطرة عالمية مشتركة، ذلك لأن المركز الرئيس للشركة متعددة الجنسية هو بمثابة الدماغ والجهاز العصبي المركزي، لهذه الاستراتيجيات.

وتذهب دوائر اقتصادية عالمية عدة في العالم الآن إلى أن معدل ازدياد قوة الشركات متعددة الجنسية وسلطانها ونفوذها سوف يتسارع بصورة دراماتيكية، وأن العالم يتحول نتيجة لذلك بسرعة نحو عصر المؤسسات الأكبر من عملاقة. وعلى سبيل المثال فإن أحد أنصار هذا الرأي «هوارد بيرلموتر» يعتقد أن العالم قد أصبح تحت هيمنة عدد من الشركات الدولية البالغة الضخامة والتي يتراوح عددها بين (٥٠٠ و٦٠٠) شركة هي المسؤولة عن القسم الأكبر من الإنتاج الصناعي العالمي.

كذلك سوف يزيد تكامل اندماج الاقتصادات الوطنية عن طريق نشاطات الشركات الدولية وذلك بفعل انتشار عملية الشراء المركزية بواسطة مكتب رئيس أو مكتب بالوكالة عند عديد من فروع هذه الشركات. وللأسف، فإن الشركات الدولية تفرض شروطًا باهظة ومجحفة على دول العالم الثالث النامية، مقابل تقديم رؤوس الأموال الأجنبية إلى هذه الدول، وبصفة عامة فإن هذه الشركات لا تقوم بالاستثمار في الدول النامية إلا بشروط تحقق لها أرباحًا أعلى بكثير من تلك التي تحصل عليها من الاستثمار في الدول الصناعية المتقدمة. كذلك فإنها فيما تقيمه من مشروعات في البلدان النامية تفرض- عادة- مشروعات ليست ذات أولوية عالية في التنمية، مثل النشاطات السياحية والمصرفية والتجارية وحين تهتم هذه الشركات بالصناعة فإنها تنتج سلعًا لا تستجيب لاحتياجات الناس وسلعًا ليست في متناولدخولهم، وإنما تستهلكها الأقلية الغنية.

ختامًا من المؤكد أن الشركات الدولية ليست ظاهرة جديدة، ولكن الموقف الراهن يتطلب رسم صورة موضوعية تبين دور هذه الشركات وتأثيراتها الخطيرة وإعداد الوسائل الكفيلة لمواجهة نشاطاتها وقد أن الأوان لذلك.

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض

الرابط المختصر :