العنوان الشرق والغرب.. وهم الحوار وحقيقة الصراع
الكاتب صباح البغدادي
تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1631
نشر في الصفحة 39
السبت 18-ديسمبر-2004
الغرب ينظر إلى الشرق نظرة السيد لعبده الذي يخشى تمرده فيزيد من إحكام سيطرته عليه وإضعافه حتي يضمن ولاءه عنوة.
مصيبتنا أننا نأخذ معرفتنا بحضارات العالم من دراسات الغربيين وموسوعاتهم.. والأخضر أننا حتي في معرفتنا لحضارتنا بدأنا نأخذها منهم أيضًا!
أصبح موضوع الصراع أو الحوار الحضاري دائم الحضور في الكتابات الراهنة في هذه الفترة بالذات، ولا أريد أن أقول بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبح الكل يؤرخ بهذا الحدث الذي أصبح حدثًا تاريخيًا في هذه الألفية الثالثة، وهذا ما أرادته الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود ذلك إلى أن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب قد احتدت فأصبحت كل التحليلات تتجه نحو صعوبة الحديث عن الحوار بين الحضارتين الغربية والشرقية. لكن هل تحقق يوما هذا الحوار أم أنه كان مجرد أمل يدعو ويصبو إليه طرف واحد فقط الذي هو طبعا الطرف الضعيف؟ وهل بقيت رؤية كلا الطرفين إلى الموضوع واحدة أم اهتزت بعد موجات ما يسمى بالإرهاب؟
سنحاول فيما يلي القيام بنوع من التفكيك للعبارة التالية الغرب والشرق صراع أم حوار حضاري؟ فهذه العبارة تحمل قلق الحاضر والخوف من المستقبل بالنسبة للطرف– الغرب – بطبيعة الحال، كما تسترجع ذاكرة الماضي عبر تاريخ طويل من الاحتكاك عبر حوادث معينة كالحروب الصليبية والغزو الاستعماري مثلًا، مع استشراف مستقبل يبقى فيه السؤال محيرًا هل سيكون مطابقًا للماضي أو الحاضر أم سيتحقق فيه التعايش والتفاهم؟ والهدف من عملية التفكيك هذه هو إظهار ما هو مغلوط .. وفهم هذه العبارة في واقعها وصريحها. فحين نقابل بين لفظتي« الصراع» و«الحوار» يكون الاختيار محدودًا بين الطرفين وهذا ما تؤكده لفظة أم.. فمن الصعب أن نضع الموقف أمام خيار قطعي لهذه الثنائية لأن الأمر لا يتعلق بإرادة شخص أو أشخاص معينين يحددون كيف يكون اللقاء بين الثقافات والحضارات وكيف يسري بين الشعوب والأمم سلمًا أو عنفًا، بل يتعلق بهذه الثقافات نفسها وخصوصًا بحامليها بما فيهم أصحاب السلطة والنخبة والعامة وبما يحسون به في وجدانهم بخصوص طرفي ثنائية الصراع / الحوار - وفيما يلي نورد بعض الملاحظات حول مسألة الحوار حتى تتعمق الرؤية أكثر وحتى ترى مدى تحقق شروطه في طرفي الحوار.
غياب النظرية
لیست هناك نظرية قائمة بذاتها حول الحوار بل فقط دعاوى عامة ينادى بها هنا وهناك تفتقد إلى قواعد علمية ومنهجية. بعد مشروعي الاستشراق والاستعمار نجد أن الغرب كون معرفة عميقة بالعالم الإسلامي وبجوانب الحياة في المجتمعات العربية الإسلامية زيادة على معرفته بلغاته ونحن حتى في معرفتنا بحضارات العالم ترجع في ذلك إلى دراسات الغربيين وموسوعاتهم في هذا المجال، بل الأخطر من ذلك أننا حتى في معرفتنا لحضارتنا بدأنا نأخذها من الغربيين. لذا قد يبدو الحوار بين الطرفين غير متكافئ. فكيف يمكن الدخول في حوار بين الحضارات ونحن لا نعتمد على أنفسنا في تكوين العلم والمعرفة بل لا تساهم في إنمائها على مستوى العالم؟!
من شروط الحوار أن نجد مبدا احترام الطرف الآخر وعدم إقصائه أو تجاهله وتشويهه وإلا كان العنف هو التعبير الطبيعي الوحيد للإقصاء والحوار يتضمن في أساسه بالضرورة اعترافًا بحق الاختلاف ومن هنا لا قيام الحوار حقيقي ينفي فيه طرفا الحوار أو أحدهما الآخر.
حين نتكلم عن حوار الأديان يجب أن تكون قاعدة الإنطلاق فيه هي القبول بالآخر كيفما كان اعتقاده ومهما كان مخالفًا لاعتقادنا. ومن هنا لا يجب أن يكون أداة للدعوة والتبشير ولا يعني هذا أيضًا أن يكون أرضية للتنازلات سواء من طرف واحد أو من الطرفين. وهذه النقطة يجب أن تترسخ في أذهان الطرفين وأن يؤمنا بها في أعماقهم ولا يدعوها فقط.
فإذا كان من أهداف الحوار.. البحث عن حلول لأزمة أو المشكلة معينة تخص أحد الطرفين، مثل محاولة حل مشكلات العالم العربي والإسلامي والتي يعد بعض منها من مخلفات التوسع الغربي، فيجب على شعوب هذه البلدان أن تتعلم الاعتماد على نفسها وتأخذ زمام أمورها بيدها وبالتالي أن تبحث بنفسها عن الحلول المناسبة لمشكلاتها.
إن الغرب الذي لا يتحقق وجوده إلا بإغراق هذه الشعوب في دائرة من المشكلات والنزاعات عندما يفكر في نفسه يفكر فيها كذات مسيطرة وينظر إلى الشرق كموضوع للسيطرة أو كمصدر للخوف، وهذا ما نجده في صميم الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر (ديكارت سارتر..) حيث نجد مثلًا سارتر يقول: «أنا في حاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه» (۱). فمن المستحيل على الغرب أن يرغب في مساعدة هذه الدول على الخلاص أو لإتاحة الفرصة لها أن تشارك في تكوين حضارة كونية إنسانية حيث كلما كانت الثقافة غير ذات مشاركة أو مساهمة حقيقية في تكوين هذا النبع العام والمشترك للقيم الروحية وللمعارف والتقنيات الإنسانية، تفاقم الشعور لدى الجماعات التي تنتمي إلى هذه الثقافة بالغربة عن التاريخ العالمي وبالهامشية فيه، وزاد بالتالي قلقها على مصيرها وعلى بقائها كجماعات متميزة ومستقلة (٢)
تصورات عدائية
إن تصورات الغرب العدائية تجاه الإسلام والمسلمين لها جذور في الماضي منذ مئات السنين والأصوات التي دعت إلى حوار بين الحضارتين، وهي من النخبة التي لا تملك سلطة القرار كانت منذ القرون الوسطى حالات استثنائية وأصواتًا مبحوحة لا تجد من يعيرها أي إنتباه وسط موجة العنف العارمة والرغبة في السيطرة على الآخر وإقصائه.
فكيف يمكن وسط هذه اللغة المدعمة للطغيان والحقد المتبادل أن نقيم حوارًا مشتركًا بين طرفين غير متكافئين؟ كيف يمكن التغلب على المعارك التي تبلورت في العقدين الأخيرين من هذا القرن بالذات والمتمثلة في المواقف الأيديولوجية المتصارعة، مواقف الحركة الإسلامية من الإمبريالية ومن الغرب النصراني موقف الثورة الإيرانية من الولايات المتحدة الأمريكية. ثم مواقف أوروبا وأمريكا اليوم من الحركات الإسلامية.. (۳) كيف يمكن فهم الحديث عن الحوار بين الإسلام والغرب بعد كل هذا وفي إطاره؟ كيف يمكن مسح هذا الماضي من التاريخ أو من الذاكرة؟ كيف يمكن عكس الصورة وقلب الأمور إلى أضدادها من صراع إلى حوار من بغض وخصام إلى حب ووئام من حرب إلى سلام من تهميش وإقصاء إلى إعتراف؟.
أسئلة يقف العقل محتارًا أمامها، لا يستطيع الإجابة عنها لأن الأمر لا يتعلق بإرادة واحدة بل بإرادة عالمين اثنين تختلف نظرتهما إلى الكون والحياة كما تتعاكس مهمة كل منهما، عالمين تختلف نظرة كل واحد منهما إلى الآخر: فالغرب بالنسبة للعرب والمسلمين توسع واستعمار وهيمنة وهو العدو الأكبر وأحيانًا تزدوج الرؤية فيكون أيضًا المثل الأعلى في نفس الوقت. والغرب يرى في الشرق نظرة السيد العبده الذي يخشى تمرده فيزيد من إحكام سيطرته وإضعافه وسلبه من كل مقومات القوة حتى يضمن ولاءه عنوة. فكيف يمكننا أن نوازن وتعادل الطرفين حتى يتم الحوار المنشود؟!
الأمر يتعلق قبل كل شيء.. يغالب يمارس الغلبة، وبمغلوب ينتفض ضدها. وإذا كان هذا الانتفاض يمارس أحيانًا بطرق ووسائل لا عقلانية وغير معقولة فيجب أن لا ننسى أن الغلبة غلبة الغرب الاستعمارية هي دومًا غير عقلانية وتمت وتتم بوسائل غير أخلاقية وغير مشروعة (٤).
لكننا نرى اليوم أن هذه العلاقة قد أهتزت فبعد أن كان العرب والمسلمون يطالبون الغرب من موقع الضعيف بل يتوسلون إليه أن يقبل بالحوار كبديل عن الصراع، وأن ينزل من عليائه ليتعرف على الآخر، ليفهمه وليعترف به، وهو بهذا يسلم له بالسيادة نجده اليوم قد أعاد الثقة في نفسه.. معتقدا أنه يمكن أن يحاربه وأن يكون في مستوى الندية معه أو على الأقل يستطيع أن يخيفه أقول هذا الكلام لأنه الإحساس العام للإنسان العربي والمسلم بعد هذه الموجة من الإرهاب الذي قد لا يعتبره البعض إرهابًا بل بطولة، ولكن لا يجد الجرأة في نفسه .. للتصريح به في حين قد قابل هذا الإحساس تزايد الشعور بالخوف لدى الإنسان الغربي.
عندما نطمح إلى تحسين العلاقة أو توازنها بين الغالب والمغلوب يكون الأمر غالبًا مرتبطًا بالطرف الغالب، هذا طبعًا إذا بقي المغلوب مغلوبًا. فالأمر مرتبط هنا إذن بأمريكا والغرب عمومًا.. فإذا استمر في إحكام سيطرته وتحكمه في العالم يستمر الكره والحقد عليه وبالتالي يستمر ما يسمى بالإرهاب مهما كانت المحاولات العديدة للقضاء عليه، وربما يخمد حينًا ليرجع للظهور مرة أخرى. وبهذا فعلى الأغلب سيستمر الصراع وسيزداد حدة وتنوعًا في الصيغ والأشكال. أما إذا حاول الغرب، وأمريكا بالخصوص أن يعترف بالآخر، بخصوصيته وبحقه في الوجود وبالتحكم في مصيره وبالتالي تحقيق مشاريعه دون عراقيل توضع له، جنبًا إلى جنب مع الغرب، فهنا فقط يمكن أن يتحول الصراع إلى حوار ويتحقق مبدأ التعايش مع الآخر في جو من السلام والتفاهم والاعتراف بالآخر رغم خصوصية كل منهما .
إحتمالات الحوار
لكن ما نسبة تحقق الإحتمال الثاني؟ وما مدى رغبة الغرب الطرف القوي في تحقيقه؟ فقراءة بسيطة للماضي والحاضر معًا تقر بأن خط العلاقة بين الشرق والغرب كان خط صراع تتفاوت حدته وتتنوع أشكاله، ولم يغير اتجاهه بل يزداد حدة وعنفًا.
لكن هل الصراع هو الرهان الوحيد أمام الشرق الطرف الضعيف لتحقيق الندية والتكافؤ رغم عدم توازن القوى بين الطرفين؟ فحسب برهان غليون إذا أعلنا الصراع ضد الغرب وضد التراث بإعتباره مادة ميتة معتقلة في المستودعات يمكننا أن نقول عندئذ إننا على طريق تجاوز الأزمة وعبور المرحلة الصعبة من تاريخ تجديد مدنيتنا العربية الإسلامية، إذ يقول: يستلزم النفوذ إلى العالمية واستيعاب الحضارة وإعادة تكوينها من منطلق الذات الصراع الدائم ضد الغرب كإرادة إحتكار لهذه الحضارة وكسيطرة عالمية تسد كل الآفاق، بما فيها أفاق الإبداع التاريخي الممكن، وتحتل كل الفضاء الكوني الراهن (٥).
فعلى دعاة الحوار أن يجيبوا على هذه الأسئلة المطروحة وأن يجدوا مخرجًا للتحديات الموجودة عبر نظرية للحوار تحمل برنامجًا عمليًا عبر قواعد منهجية تراعي خصوصية الطرفين ومكانتهما في هذا العالم. وأعترف أن الأمر ليس بالسهل التعقيدات العلاقة بين الطرفين والتي تحمل معها مخلفات الماضي وطموحات المستقبل.
الهوامش
Jean-Paul Sartre, L'Etre et le (1)
Néant ", p: 549-1
(۲) برهان غليون العرب والغرب مجلة رسالة الجهاد، ع: ٨٠. س: ٨ سبتمبر ۱۹۸۹، ص: ١٥٤٢
(۳) كمال عبد اللطيف الإسلام والغرب: صعوبات الحوار». مجلة فكر ونقد الرباط، ع: ٥. س: ١ يناير ۱۹۹۸ ، ص: ۱۷
(٤) محمد عابد الجابري الغرب والإسلام: نمط آخر من الوعي بـ الآخر»، مجلة فكر ونقد الرباط، ص: ١٥.٤
(٥) برهان غليون «العرب والغرب»، مجلة «رسالة الجهاد». ع: ۸۰، س: ۸، سبتمبر ١٩٨٩، ص: ١٦١.