العنوان الشرق الأوسط من فك كارتر إلى الفك المفترس الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
مشاهدات 72
نشر في العدد 506
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 09-ديسمبر-1980
مؤشرات التحول في السياسة الأمريكية تضع بصماتها على الشرق الأوسط في حل مرتقب جديد.
•ريغان لن ينسى أن يضرب الفلسطينيين في لبنان ضربة جديدة قاضية.
لونوفيل أو بسيرفاتير الصحيفة الفرنسية اعتبرت أن الحديث عن رونالد ريغان وسياسته في السنوات الأربع القادمة إنما هو حديث عن منعطف تاريخي؛ لذا فإنها تعتقد أن الوقت مازال مبكرًا لوصف معطيات العهد الجديد في جميع الميادين، ذلك أن فوز المرشح الجمهوري يعتبر تغييرًا لمسار الأمور في أميركا. «لونوفيل أو بسيرفانير» 16/ 11/ 1980.
وإذا كان ما ذهبت إليه هذه الصحيفة يحمل بعض الصحة فيما يتعلق بوصف شامل لمعطيات العهد الأمريكي لأمريكا في عهد الجمهوريين فيما يتعلق ببعض قضايا العالم، وعلى الأخص قضايا العالم الثالث، ومن عالمنا العربي الذي سيكون شريحة اختبار جديدة للجمهوريين الأمريكان بعد سقوط حزب كارتر الذي يطلق عليه في أمريكا «حزب الحمار».
• فالعالم العربي الذي سلم الشعب في أمريكا الحديث عنه في عهد كارتر، لا يمكن أن يكون كذلك في عهد ريغان.. ولن يكون الخط الذي سيسير عليه الجمهوريون في التعامل مع بلاد العرب بالضرورة هو الخط الذي سار عليه كارتر نفسه. وذلك للاعتبارات التالية:
فشل السياسة الأميركية في زمن الديمقراطيين فيما يتعلق بإنهاء مشكلة الشرق الأوسط مع ملاحظة العمل على إبعاد الشركاء الدوليين عن طاولة المفاوضات، وهذا الإبعاد يعني العمل من أجل الانفراد بالنفوذ في المنطقة في مرحلة ما بعد الصلح.
تأثر المنطقة سلبًا بالحرب الناشبة في الخليج، وتشابك القضايا التي تمس أمن الشعب الأمريكي من قِبل «قضية الرهائن» في إيران.. حرب العراق وإيران.. انخفاض الصادرات النفطية من منطقة الخليج.. وهي من القضايا التي أحرزها تخلي حكومة كارتر عن الشاه كشرطي في منطقة الخليج التي تؤثر في مسألة الشرق الأوسط تأثيرًا حيويًّا للغاية.
الفوارق في المنظور الأمريكي إلى الزعامات العربية بين الديمقراطيين والجمهوريين الديمقراطيين الذين يتميزون بالارتجال في تكوين المواقف.. والجمهوريين الذين ينظر إليهم الغرب نظرة تحمل شيئًا من التحليل والاستبطان الأمر الذي لم يكن كارتر يتمتع به.. وبمعنى آخر فإنه من الواضح أن سياسة الأمريكيين في زمن ريغان سوف تتحول من التعامل مع السادات على أنه رجل العرب إلى التفاهم مع رجل آخر.
وهنا تأتي مسألة النظام السوري الذي وضع أوراقه كلَّها بين يدي الكرملين السوفييت، الأمر الذي لابد وأن يدخل تعديلات جذرية في كيفية التعامل الأمريكي مع مسألة الشرق الأوسط.
بعد هذا، كيف يمكن للمرء أن يحاول رسم الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط؟
وللإجابة على هذا السؤال لا بأس في أن نطلع على ما كتبته لونوفيل أو بسيرناتير بما يتعلق بالسياسة الأمريكية الفائتة في العالم العربي.. تقول الصحيفة:
«في العالم العربي كان الناس يشتكون من عدم استقرار مواقف کارتر.. ومن تأثير إسرائيل عليه، ولكن مع ذلك كله، فإن الزعامات العربية كانت موقنة بأنه لو أعيد انتخاب كارتر لقام بفرض اتفاقية معينة على بيجن والفلسطينيين، ومن اليقين كان موجودًا بدوره لدى العديد من يهود أمريكا، ولذلك فإنهم ضمُّوا أصواتهم إلى ريغان تاركين كارتر رغم انضمام الجنرال وايزمن إليه أثناء حملته الانتخابية».
وإذا كان ريغان سيعمل على تجاوز المطبات التي وقع فيها سلفة الديمقراطي بما يتعلق في الشرق الأوسط، فإنه لابد وأن يأخذ باعتباره الأمور المفترضة التالية:
العمل على منع حالة تشبه الاستقرار بين الزعامات العربية وحكومة بيغن.. الاستقرار على رؤى متقاربة وخطوط يمكن الوقوف معها للتفاوض من أجل إيجاد استقرار ما تقف مسألة الشرق الأوسط عند حدوده.
مكافأة اليهود الذين منحوا أصواتهم الانتخابية للمرشح الجمهوري بالابتعاد عن وضع منظمة التحرير بين الافتراضات المطروحة لحكم الضفة الغربية ولو كان هذا الحكم ذاتيًّا، ولعل النقد الذي وجهه اليهود إلى كارتر لقاء بعض تصريحاته بما يتعلق في هذا الموضوع إنما هو نقد كافٍ لوضع الرؤية اليهودية في حسبان ريغان والجمهوريين إزاء كل تصرف يتعلق بإنشاء كيان فلسطيني مستقل.
الابتعاد عن طريق الحل الفردي الذي كان واحدًا من أبرز المشكلات المؤدية إلى حالة عدم الاستقرار بين الأنظمة العربية من ناحية، والصراع الدولي على المنطقة من ناحية أخرى، وهذا لابد وأن يؤدي إلى محاولة الجمهوريين وريغان التعامل مع الأنظمة العربية الأكثر استقرارًا وتفاهمًا فيما بينها وحول هذا الافتراض تقول لونوفيل أو بسيرفايتر الفرنسية: «هناك اختبارات تواجه الرئيس الأمريكي المنتخب، فمثلًا لا يوجد اليوم أي شيء سوى عملية سيناريو جديدة في الشرق الأوسط تقلب ميزان الأمور إلى الأردن».
وعلى هذا الأساس ستكون سياسة ريغان أكثر تناسقًا مع القوى الغربية المتمثلة بباريس وبون ولندن، هذه العواصم التي تَعتَبِر نفسها شريكة في وراثة الشرق الأوسط، ولعل سياسة الحل الجماعي ستكون أقرب إلى وجهة النظر الأوروبية التي أدار لها كارتر ظهره بمواقفه المرتجلة المتهورة، ومن أجل العودة إلى خطوط الشركة بين أوربا وأمريكا قرر كل من الرئيس الفرنسي فاليري جیسکار دیستان وشميث الزعيم الألماني الغربي الاجتماع؛ لبحث طرق لإقناع ريغان من أجل التعامل معهما شركاء بشكل تام كما ذكرت مجلة نيوزويك الأمريكية الأسبوعية في عددها الصادر يوم 17/ 11/ 1980.
وإذا كانت هذه بعض الخطوط السياسية الرئيسية التي يتوقع كثير من المراقبين أن يسير على أثرها رونالد ريغان بما يتعلق بالشرق الأوسط فإننا يجب ألا ننسى أن ريغان لن يخرج بذلك عن الرغبة اليهودية التي منحته الثقة، سواء بما يتعلق بالصلح اليهودي مع بعض الزعامات العربية، أو ما يتعلق بحل مشكلة الشعب الفلسطيني
تقول نيوزويك الأمريكية:
«في إحدى المناطق في هذا العالم يتوقع أن يكون اهتمام ريغان أكثر من باقي المناطق، إنها منطقة الشرق الأوسط، فخلال الدعاية الانتخابية كان رونالد ريغان يؤيد إسرائيل، وبعد انتهاء الانتخابات وفوز المرشح الجمهوري أعلن متحدث باسم منظمة التحرير الفلسطينية «أن فوز رونالد ريغان يُعتبر انتصارًا لإسرائيل وتوسُّعها على حساب الفلسطينيين».
أما ريغان نفسه، فقد أعلن في أول مؤتمر صحافي له بعد فوزه في الانتخابات تأييده لإسرائيل وعداوته للفلسطينيين، وقد هاجم في المؤتمر المذكور منظمة التحرير الفلسطينية على أنها منظمة إرهابية.
من هنا يعلم المرء أن الخط الذي سيسير عليه ريغان بالنسبة للفلسطينيين يشمل ما يلي:
إبعاد منظمة التحرير عن أي حل يشترك فيه الزعماء العرب من أجل الصلح أو من أجل حل ما يسمَّى بمشكلة الشعب الفلسطيني، وهذا قد يعني العمل على إعادة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى الحالة التي كان عليها قبل قيام حرب عام ١٩٦٧.
القضاء على الميليشيات الفلسطينية المسلحة المتمركزة في لبنان. والتي قد تشكِّل عاملًا معيقًا أمام تنفيذ هذه السياسة بما قد تثيره من مشكلات والأمر الأقرب إلى الذهن هو فتح ملف الفلسطينيين في البلدان العربية من قِبَل المنظمة في محاولة لاستنفار القُوى من أجل مواجهة الإستراتيجية الجديدة التي ترمي إلى إبعاد المنظمة عن طاولة المفاوضات، وهذا يفسر لنا إعلان المنظمة عن فتح باب التسجيل لضم المزيد من الفلسطينيين في الكتائب المسلحة.
وهنا لابد للمراقب المسلم أن ينظر نظرة تقييم ما هو واقع.. وما هو محتمل ومرتقب على ساحة فلسطين والشرق الأوسط، ليخرج بالنتيجة إلى أن الأمريكان سواء أكانوا من حزب الحمار أم من حزب الفيل، لن ينظروا إلى مصلحة العرب بتجرد عن الأهواء الصهيونية والرغبة اليهودية.. وإن اللعبة التي قد يلعبها «ريغان» في المنطقة لن تكون أنظف من التي لعبها كارتر على مسرح سنوات أربع مضت ويبقى الحل المطلوب هو الحل الذي يصدر عن العرب أنفسهم مع افتراض أن يتمتعوا في يوم ما باستقلالية في اتخاذ القرار، ولن يحدث ذلك إلا إذا توحدت وجهات النظر العربية توحدًا عقديًّا معتمدًا على قيم الأمة وحضارتها وتراثها وإيمانها.. وهذا التصرف لن يكون إلا إذا وُجد الأساس الإسلامي في العمل من أجل وحدة الصف.. ووحدة المنهج..
وعلى غير هذه الطريق سيبقى العرب فريسة للدول الطامعة والقوى الدولية المستغلة.. ولأمريكا الشرسة.. سواء حكمها الجمهوريون أم الديمقراطيون!! والبقاء بلا الإسلام سينقل العرب من فك كارتر إلى الفك المفترس الجديد!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل