العنوان الشرق الأوسط في برنامج الحزبين: الديمقراطي «كلينتون- غور» والجمهوري «دول –كمب»
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الاثنين 02-سبتمبر-1996
مشاهدات 98
نشر في العدد 1215
نشر في الصفحة 14
الاثنين 02-سبتمبر-1996
بعد مشوار طويل من التجاذب بين القوى السياسية المتنافسة على النفوذ داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، تم صياغة وإعلان البرنامج الانتخابي لكلا المرشحين من الحزبين الديمقراطي «كلينتون» والجمهوري «دول»؛ حيث اختتم مؤتمر الحزب الديمقراطي أعماله يوم الخميس التاسع والعشرين من أغسطس الماضي وبدأت الآلة الإعلامية لكلا الحزبين بالترويج لبرنامج كل حزب، فقد طغت على برامج كلا الحزبين للانتخابات الرئاسية القادمة القضايا الداخلية من الاهتمام ببرامج الرعاية الاجتماعية وتدعيم القيم العائلية، وخلق فرص عمل جديدة للشعب الأمريكي ومحاربة الجريمة وحماية البيئة وعلاج عجز الميزانية والتركيز على قضية التعليم لعل كل ذلك لا يهمنا نحن العرب والمسلمين، فهذه قضايا داخلية تثير اهتمام الناخب الأمريكي، لكن يبدو أن برامج كلا الحزبين تجاه قضايا العالم العربي والإسلامي لن تختلف كثيراً عن السياسات السابقة للإدارة الأمريكية، ومن من أهم هذه القضايا قضية الشرق الأوسط في برامج ، كلا الحزبين فالمطلع على الفقرات الخاصة بالشرق الأوسط في برنامج الحزب الجمهوري والديمقراطي سيستنتج النتائج الأساسية التالية:
١- أن الموقف تجاه إسرائيل شبه متفق عليه كحليف استراتيجي.
٢- أن الموقف تجاه الدول العربية في الشرق الأوسط يعتمد هذه الدول بالأمن الاستراتيجي على قبول، وعليه تم تصنيفها بالخطاب إما دول صديقة متعاونة، أو إرهابية «شريرة»
٣- الاتفاق على جعل القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.
ومع استخلاصنا لهذه النتائج إلا أن هناك اختلافًا بين الحزبين، واتفاقًا من جهة أخرى في البرنامج الخاص بسياسة الإدارة القادمة للبيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط.
إسرائيل
المتفق عليه:
اتفق الحزبان على التالي، حيث قرر الجمهوريون في برنامجهم تعزيز التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة باعتبار أن إسرائيل الحليف الأوثق والأقدر، وهي أهم من أي وقت مضى.
أمن إسرائيل شان مركزي بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة.
ضرورة العمل على اندماج أكبر لإسرائيل في التخطيط الدفاعي المشترك مع الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط والديمقراطيون اتفقوا معهم على:
التزام الحزب بعلاقة أمريكا المؤيدة والخاصة بإسرائيل، والقائمة على القيم المشتركة، والالتزام المتبادل للديمقراطية.
التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل والذي يخدم الأمتين. مساعدة إسرائيل للحفاظ على التفوق النوعي.
أما المختلف فيه فهو الديمقراطيون يرون دعم حكومة الليكود التي تحكم إسرائيل في اتخاذ قراراتها الخاصة فيما يتعلق بالحدود الآمنة.
كما وجهوا انتقادات حادة لتدخل إدارة الرئيس كلينتون في العملية الديمقراطية في إسرائيل، حيث دعمت الإدارة الحالية رئيس حزب العمل الإسرائيلي شيمون بيريز ضد نتنياهو الرئيس الحالي من حزب الليكود.
عملية السلام في الشرق الأوسط
اتفق الحزبان في برنامجيهما على ان سورية وليبيا وإيران والعراق دول شريرة تهدد السلام في المنطقة والعالم والعلاقات الأمريكية الطبيعية مع سورية ستتوقف على مدى دعمها للإرهاب، وأثنى كلا البرنامجين على الرئيسين المصري والأردني، لإقامتهما السلام مع إسرائيل وليسا كحليفين كما ايدا تعزيز العلاقات مع الدول الإسلامية والعربية التي تؤيد السلامة وتكون بعيدة عن العدوان لكن اختلفا في بعض الأمور:
فالجمهوريون يؤكدون على دعم حق إسرائيل في اتخاذ قراراتها الخاصة فيما يتعلق بالحدود الآمنة.
كذلك لم يذكر البرنامج أي شيء ذا أهمية فيما يتعلق بالاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني، أما الديمقراطيون «كلينتون – غور» فقد أثنى برنامج الحزب على جهود إدارة: كلينتون لدعمها الاتفاقية الإسرائيلية-الفلسطينية منوهًا للإنجاز في قمة شرم الشيخ «الأمن للمنطقة» وقمة الاستثمارات للمنطقة، وتعهد البرنامج بدعم جهود إدارة كلينتون غور في العملية السلمية لتحقيق سلام شامل ودائم بين إسرائيل ولبنان وسورية.
القدس
اتفق الحزبان على أن تصبح القدس عاصمة موحدة لإسرائيل على أن الجمهوريين أكدوا على ضمان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في مايو ۱۹۹۹م، أما الديمقراطيون فاعتبروا أن قضية القدس حساسة لكنهم أكدوا على أنها ستظل موحدة ومفتوحة لمعتنقي جميع الأديان.
إجراءات تكتيكية لتنفيذ وعود البرنامج الانتخابي
لهذا فإن كلا الحزبين سارعا لاتخاذ مواقف تكتيكية للتأكيد على صدق توجهاتهما أثناء إعداد البرنامج الانتخابي، وبعده فالجمهوريون وضعوا لضغوط النفوذ السياسي اليهودي في الحزب، وأيدوا أن تكون القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وتحرك الجمهوريون لدعم مقترح من ميلهم «داماتو» لوضع قانون المقاطعة ضد الشركات التي تتعامل في قطاعي النفط والغاز في إيران وليبيا والتصويت عليه، والضغط على الإدارة الأمريكية للموافقة عليه إرضاء لإسرائيل ونتنياهو، ولم ينس الجمهوريون أن يصفقوا كثيرًا ويقفوا له عند إلقائه خطابه في زيارته الأخيرة للكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية، حيث تمنى الجمهوريون حينها أن يكون مرشحهم للرئاسة الأمريكية هو نتنياهو.
عدا أن الجمهوريين قد رشحوا جيم-كمب نائبًا لدول وهو الذي يعتبر أكبر المدافعين عن إسرائيل طيلة (۱۸) عامًا في الكونجرس أما الديمقراطيون فقد كانت للإدارة الأمريكية نفسها تقوم بإجراءات لتدعيم موقفها الانتخابي حيث أكدت على أن القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل ووقع الرئيس كلينتون على قانون دامانو بالرغم من تعارضه مع المصالح الأمريكية في أوروبا، وكثير من بلدان العالم متأثرًا بضغوط الحملة الانتخابية
لماذا الاختلاف في بعض الفقرات تجاه الشرق الأوسط
تكمن أسباب الاختلاف في الفقرات في أنه اختلاف نفوذ القوى السياسية داخل كل حزب فالحزب الديمقراطي، وإن كان يحوي عددا كبيرًا من القوي النافذة لليهود وحلفائهم إلا أنه يجيد الخطاب تجاه سائر الأعراق في المجتمع الأمريكي، وقد استطاع العرب الأمريكيون مع حلفائهم الأفارقة الأمريكيين منذ عام ۱۹۸۸م علي محاولة تخفيف الموقف المنحاز الدائم لإسرائيل في أوساط الحزب إلا إنه استطاع اليهود الأمريكيون المتشددون مع سياسة حزب الليكود مؤخرًا من أن يسجلوا نجاحًا في قضية القدس، وإن نجح العرب الأمريكيون في دفع الرئيس كلينتون للتصريح بأن قضية القدس قضية حساسة، ويجب بحثها في مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين لكن الحزب الديمقراطي أكد على أن قضية القدس في برنامج الحزب ثابتة وما صرح به كلينتون هو رايه الخاص.
من جانب آخر فإن ما حدث للجمهوريين عام ١٩٩٦م تجاه إسرائيل مختلف نسبيًا عن سياستهم تجاه الشرق الأوسط، فقد كان الجمهوريون أكثر تشددًا في بعض القضايا الخاصة بالشرق الأوسط فيما يتعلق بمصالح إسرائيل؛ حيث طالب (دول) شخصيًا عام ۱۹۹۱م بتخفيض ما قيمته ١٠% من المعونة السنوية لإسرائيل وكان يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، وقد اقترح إبان حرب الخليج إغراء العراق بالانسحاب من الكويت مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، ولكن نتيجة دعم رأس المال اليهودي الأمريكي لدول في مقابل الدعوة لنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقد قام دول بطرح هذا المشروع في الكونجرس باعتباره رئيس الأغلبية الجمهورية في الكونجرس، وحمل الإدارة الأمريكية للموافقة عليه ولو بصورة مشروطة، ومما أكد الموقف هو اختيار بوب دول (جاك - كمب) كنائب له زاد من تشدد البرنامج الانتخابي تجاه تأييد إسرائيل، فهذا الأخير صديق مؤيد ومتحمس لإسرائيل التلقى «كمب» وفدًا من اليهود الجمهوريين عندما عقد المؤتمر الجمهوري لقي ترحيبًا وتأييدا واسعًا منهم إضافة إلى أن غالبية مؤيدي الحزب الجمهوري هم من الطبقة النافذة الوسطى من الأمريكيين وهي لا تحوي في نسيجها العرب والمسلمين عمومًا، مما لا يشكل الانحياز لهم في قضية الشرق الأوسط أي تأثير في برنامج الحزب تجاه هذه القضية، ولذلك، فإن التحالف الذي جرى بين اليهود الداعمين للتشدد خصوصًا لسياسة حزب الليكود والأصوليين المسيحيين في الحزب الجمهوري أدى إلى خروج البرنامج الخاص بالشرق الأوسط متحيزًا بشكل صارخ مع إسرائيل.
لماذا تخلف العرب والمسلمون عن أداء دورهم في برنامج الشرق الأوسط في كلا الحزبين؟
من الملاحظ نمو القوى السياسية العربية والإسلامية في الحزب الديمقراطي والجمهوري خلال الحملة الانتخابية لعام ١٩٩٦م، إلا أن هذا النمو ليس بالقدر الكافي لإيجاد قوة ضغط قادرة على تعديل وصياغة البرنامج الانتخابي، فالبرنامج الانتخابي لكلا الحزبين في العادة لا يمثل سياسة أي إدارة حكومية قادمة بقدر ما يمثل الثقل الحقيقي للقوى السياسية المتنافسة على مواقع النفوذ والإدارة في كلا الحزبين. فالبرنامج يصاغ في الحقيقة لإرضاء جماعات الضغط على المصالح، وذلك لاجتذاب قطاعات مهمة من الناخبين الأمريكيين، ومن ثم فإن أي رئيس قادم سيستفيد من البرنامج الانتخابي لسياسته القادمة، وإن كان هذا لا يعني أن لكل مقام مقالًا.
وعندما يعلن البرنامج الانتخابي لأي حزب منهما، فإنه يعني أن سلسلة من العمليات السياسية والتحركات والضغوطات قد أدت دورها في صياغة البرنامج الانتخابي الذي يعتمد كثيرًا على ولاء المرشحين الذين يمثلون قاعدة كل حزب المرشح الرئاسة، ويوضع على البرنامج الفقرات التي تحظى بأغلبية أصوات لجنة الصياغة، وفي الحقيقة أن عدد العرب والمسلمين الذين يمثلون في لجنة الصياغة غير فعال لإحداث تغيير مباشر في هذه الفقرات، ويعزى ضعف مواقع القوى العربية والإسلامية لعدة أسباب:
أولًا: تأخر تمثيل العرب والمسلمين الأمريكان في كلا الحزبين بسبب عدم قدرة هؤلاء الممثلين لاجتذاب الناخب العربي والمسلم الأمريكي لدعم مرشحه في كل حزب، ولم تبرز قوة هؤلاء الممثلين السياسيين سوى عام ۱۹۸۸م حينما استطاع ائتلاف العرب والأفارقة واليهود التقدميين في الحزب الديمقراطي طرح قضية الحقوق الفلسطينية، ولكن لم تنجح تلك المحاولة ونفس الشيء حدث في عام ۱۹۹۲ م لكنه في عام ١٩٩٦ حقق هؤلاء في في برنامج الحزب الديمقراطي نسبيًا شيئًا بسيطًا، وهو التأكيد على التزام البرنامج بمساندة الدول العربية والإسلامية وتعزيز العلاقات معها من أجل السلام مع دفع الرئيس كلينتون للتصريح الخاص بالقدس والذي سبق وأن أشرنا إليه وفي المؤتمر الأخير للحزبين شارك ما يقارب ۱۰۰ شخصية عربية كمندوبين أو زعماء لمناطقهم، ففي الحزب الجمهوري اعترف بالعرب الأمريكيين كمجموعة انتخابية منذ حملة ريجان عام ١٩٨٤م.
ثانيًا: إن الجهود التي بذلت من قبل العرب والمسلمين لتعبئة الجهود المشتركة للناخبين وتجميعهم في إطار اتجاه واحد كانت جهودًا ضعيفة فهناك ما لا يقل عن ثلاثة ملايين مسلم أمريكي لم يتم تعبئتهم بالشكل الكافي في السنوات الماضية ويراهن المسلمون والعرب عبر جمعياتهم المختلفة على تعبئتهم للمرحلة الانتخابية القادمة.
ثالثا: موقف وسياسة اللوبي اليهودي فيما يتعلق بالشرق الأوسط تكاد تكون واضحة بشكل محدد لمرشحي الحزب الجمهوري والديمقراطي وبالتالي فالرسالة واضحة والجهود تبذل من قبل من قبل اللوبي اليهودي لدعمها، إلا أن العرب والمسلمين تجاه قضية الشرق الأوسط وغيرها من القضايا مختلفون بشكل يحير صناع القرار في الأحزاب، ويعكس هذا الاختلاف اختلاف وجهات النظر بين اللوبي العربي، والإسلامي في أمريكا، مما يوصل رسالة غير واضحة للمرشحين في الحزبين.
رابعًا: إن انشغال المسلمين والعرب ومحاولتهم تحسين أوضاعهم المالية والمعيشية والقانونية شغلهم عن الانتباه لأهمية قوى الضغط والتكتلات في تأثيرها على السياسات الخارجية، ولكن العرب في الحملة الحالية استطاعوا أن يجمعوا مليون و۲۰۰ ألف دولار دعمًا للمرشح الديمقراطي
خامسًا: آلية التنسيق بين القوى العربية والإسلامية بمختلف تجمعاتها لم تعمل بعد بشكل فعال، وربما أصبحت أكثر تحسنًا في المؤتمرين الأخيرين للحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلا أنه لم يصل إلى الدرجة التي يستطيع هذا اللوبي أن يضغط على المندوبين في الولايات التعديل فقرات البرامج الانتخابية.
إن التفكير بوضع المسلمين والعرب في أمريكا كقوى ضغط يجب أن يتناوله الساسة العرب والمسلمون بشكل جدي، إذ إن تجربة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أثبتت أنها أقوى من حكومة إسرائيل نفسها في الضغط على الولايات المتحدة، فهل يستطيع العرب والمسلمون أن يخلقوا قوة جديدة تحدث تحولات في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط البعض يرى أنه يجب أن يحل الساسة العرب والمسلمون خلافاتهم أولًا وربما ينجحون بعد ذلك في مساعيهم لدعم اللوبي العربي والإسلامي في الولايات المتحدة.