; الشرط الأول لوقف الاستهتار الأمريكي بالمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الشرط الأول لوقف الاستهتار الأمريكي بالمسلمين

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

مشاهدات 59

نشر في العدد 1315

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 01-سبتمبر-1998

الإرهاب. مثله مثل سائر أوبئة العصر الأخرى الراهنة. ظاهرة ولدت في ظل الزعامة الغربية الأمريكية وتوجيهها، ونشأت وترعرعت في محاضنها وعبر ممارساتها، وانتشرت بمفعول سياساتها العدوانية في مختلف أنحاء العالم24-25.

قد تملك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربة عسكرية هنا، وأخرى هناك، ولكنها لا تصنع ذلك إطلاقاً اعتماداً على قوتها الذاتية فقط، بل اطمئناناً لضعف من توجه إليهم الضربات، نتيجة الافتراق على مختلف السبل.

الخبراء الدوليون.. والمنظمات الدولية... وشهود شاركوا كأفراد في بناء مصنع الأدوية شمال الخرطوم، يؤكدون جميعاً بطلان الاتهامات الأمريكية بصدده ويؤكدون بالتالي سقوط تلك الذريعة الواهية التي يزعمها الرئيس الأمريكي كلينتون وأعوانه لتبرير هروبه إلى الأمام من فضائحه الجنسية، بضرب بلد إسلامي.. وكأن شرعة الغاب، حق طبيعي للولايات المتحدة توارثته من عهود إبادة الهنود الحمر، ولا تريد التخلي عنه. لقد كان لكل رئيس أمريكي سابق حربه التي يزعم فيها الدفاع عن الحقوق والحريات والديمقراطية وما إلى ذلك من مزاعم، ويسعى لكسب مزيد من الشعبية في أوقات عصيبة يمر بها.. ذلك ما كان من كنيدي تجاه كوبا، وريجان تجاه ليبيا وجرانادا، وغيرهما في حروب أخرى حتى سجلت المشاركة الأمريكية في عمليات عسكرية خارج الحدود الأمريكية، أكثر من مائة وخمسين عملية في القرن الميلادي الأمريكي العشرين، وضربت بذلك رقماً قياسياً تجاه سلوك مماثل في القرن التاسع عشر الميلادي سجل في حينه أكثر من مائة تحرك عسكري أمريكي

خارجي أيضاً. آنذاك.. كانت الدولة المستقلة حديثاً تعمل من أجل الحلول كدولة مهيمنة على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية في الأميركتين، وفي القرن الميلادي العشرين عملت على الحلول مكانها في بقية أنحاء العالم، فلم تصبح بذلك الدولة المنفردة بالزعامة عالمياً، بل المنفردة - بعد انقراض الاستعمار التقليدي القديم. بسياستها الاستعمارية بأثواب حديثة وإمكانات عسكرية جديدة وبصور مبتكرة، اقتصادية ومالية وسياسية وحتى اجتماعية وفكرية وفنية.

ولا ينبغي القبول بأي حال من الأحوال أن تتحول المنطقة الإسلامية بين المحيطات الثلاث إلى أمريكا أخرى على غرار الأميركتين الوسطى والجنوبية، وإنما يساهم في ذلك، ويعزز الاستهتار الأمريكي بالمسلمين حكاماً وشعوباً. عدد من ألوان السلوك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري لا بد من تسميتها بأسمائها، ولا بد من العمل على تغييرها بكل وسيلة ممكنة.

ليس بمستغرب من أمريكا: لا ينبغي أن نستغرب أن توجه واشنطن ضربتها العسكرية إلى السودان مثلاً، دون أن تخشى ردة فعل قوية على المستوى العربي، بعد أن شاركت بعض الدول العربية في حصار السودان على امتداد تسع سنوات مضت، ولم ينفتح بعضها عليه إلا جزئيا، بينما أصبح السودان في أمس الحاجة إلى العون من الأشقاء العرب في محنة الحرب الانفصالية في الجنوب واستعداء الدول الإفريقية المجاورة عليه عن طريق المغريات الأمريكية، كما أنه بالمقابل في وضع يمكنه من أن يكون رفدًا لبقية البلدان العربية في ميادين عديدة، فدفاعه عن مياه النيل دفاع عن حياة العرب لا سيما في مصر، وتطوير الزراعة فيه. شرط رئيس من شروط ضمان الأمن الغذائي للعرب في القرن الميلادي المقبل، كما تشهد سائر الدراسات المعتمدة في جامعة الدول العربية نفسها.

ولا ينبغي أن نستغرب توجيه الضربة العسكرية الأمريكية إلى أفغانستان دون أن تخشى واشنطن من ردة فعل قوية على مستوى الدول الإسلامية فهذه الدول مختلفة فيما بينها فيما يخص أفغانستان بالذات لا سيما باكستان وإيران المجاورتان لها، وبدلاً من تلاقي الدول الإسلامية على مواقف ومبادرات مشتركة لإعادة الاستقرار إلى البلد الذي جاهد ضد الروس، وتمكن من طردهم والإسهام في إسقاط الشيوعية ودفع خطرها عن المسلمين وبلادهم باتت معظم السياسات المتبعة تنتظر المبادرات الغربية لتنضوي تحت لوائها، أو لتنتظر ما تسفر عنه. ولا ينبغي عموماً استغراب أن تنفرد واشنطن ببلد إسلامي بعد آخر، وأن تضغط على الجميع بمختلف السبل فتحاصر مصر مثلاً من خلال حصار ليبيا والسودان، وتعزز وجودها في الخليج عبر حصار العراق، بل تمضي إلى درجة استخدام القوة العسكرية ضد بعض البلدان الإسلامية، كما تشاء ومتى تشاء.. لا يستغرب ذلك ما دامت كلمة البلدان الإسلامية متفرقة، حتى في القضايا الدولية الكبرى التي تفرض اتخاذ موقف مشترك، كما كان في مفاوضات حظر انتشار الأسلحة النووية ليحتكرها الأمريكيون ومن يرضى الأمريكيون عنهم، وفي مفاوضات التجارة الدولية، لتبقى السيطرة الاقتصادية والمالية للغرب على الأسواق العالمية، بما فيها أسواق البلدان الإسلامية.. بل حتى في مؤتمرات دولية أخرى انعقدت لفرض قيم غربية مبتذلة، فلم تكن كلمة الأطراف الإسلامية فيها مجتمعة على نهج واحد يرفض أن يزداد في بلاد المسلمين ما صنعه الانحراف الخلقي والفكري والثقافي والفني من انحطاط على مختلف الأصعدة، وما بلغت عواقبه في الغرب أخطر المستويات. ثم لا ينبغي استغراب تصعيد مستوى الاستهتار الأمريكي بالمسلمين، ما دامت مناهج التعليم والتربية والإعلام والتوجيه والسلوك اليومي تلبس الرداء الأمريكي إلى حد بعيد.. فأصبحت أسماء المتاجر أمريكية، بل بعض أشكال الخطاب اليومي بين المسلمين بألفاظ أمريكية، وأصبح يحتفل بقيام جامعات أمريكية وكأنه نصر كبير في بعض بلدان المسلمين وأصبح الإنتاج المحلي للأفلام والبرامج على أنواعها تقليداً أعمى وممسوخاً، للإنتاج الأمريكي، وأصبحت تعليلات هذا الفريق أو ذاك من صانعي مستقبلنا الفكري والثقافي، تعتمد على أقوال هذا أو ذاك من المشاهير المشاركين في صناعة الحضيض الذي وصلت إليه الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية على المستويين الخلقي والاجتماعي. أو كأننا لا نسمع ولا نقرأ ولا نشهد ما يعنيه انتشار الموبقات في ديار الغرب وتقنينها، والجريمة بين الأطفال والناشئة والبالغين وازدياد فحشها، وازدياد عمق الفوارق الطبقية في أثرى بلدان العالم، وما تخزنه من أسباب الغضب المكبوت وانفجاره المحتمل أجلاً أو عاجلاً قد تملك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربة عسكرية هنا، وأخرى هناك، ولكنها لا تصنع ذلك إطلاقاً اعتماداً على قوتها الذاتية فقط بل اطمئناناً لضعف من توجه إليهم الضربات نتيجة الافتراق على مختلف السبل المتشعبة بعيداً عن الصراط المستقيم، والحق الواحد الذي ائتمنتهم عليه رسالتهم الربانية ليكونوا أهلاً لحمل رايات الخير والهداية للأمم جمعاء، وليكونوا بذلك - بالذات - خير أمة أخرجت للناس - لا عالة على الأمم، وليقودوا سواهم إلى الحق والعدالة والحرية والمساواة ولا يقادون إلى الفاحشة والانحلال وألوان المظالم والخنوع ولا تستعاد القوة التي تفتقر إليها اليوم، بكلمة حماسية أو مزاعم وهمية، ولا تستعاد أيضاً بتكديس أكوام من الأسلحة المستوردة، فلا بد قبل ذلك من أن نجتمع على أرضية الحق المشترك.

التلاقي على الأوليات:

وإن أول طريق القوة التي لا غنى عنها لدفاع ذي حق عن حقه التلاقي على الأوليات الكبرى من الثوابت والمنطلقات السليمة، وتلك لا تصنع ولا تستورد ولا تبتكر، إنما تصنعها الأمة بفعل وجدانها التاريخي والحضاري الذي أوجده إسلامها فيها وميزها به عن بقية الأمم، ثم هو طريق التربية القويمة لصناعة الإنسان، إيماناً وعلماً وكفاءة وخبرة واعتزازاً بالذات وثقة بالنفس وقدرة على الإنتاج، بدلاً من التسابق بين الفضائيات وسواها من الوسائل الإعلامية على ما يقوض أسباب التربية، وبدلاً من تبديل المناهج المدرسية في المدارس وفي الجامعات كالأزهر ومسخها أو مسخ مفعولها .. ثم هو طريق إعادة الثقة بالنفس إلى الشعوب، بدلاً من تمجيد كل ما هو غربي وأمريكي، وهو بعد ذلك طريق التخطيط والتنفيذ دون أن نغفل عن حقيقة أنه لا فائدة من تخطيط دون تلك التربية التي تبني الإنسان القادر على التنفيذ، وإلا فإن في أدراج جامعة الدول العربية وفروعها ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئاتها الكثير الوافر مما لم يجد طريقه إلى التنفيذ من مخططات ودراسات وبحوث واتفاقات وعهود، وفي بلادنا من القادرين على الإنتاج، ما يكفي بلادنا الإسلامية لتحقيق أهدافها في التقدم والرقي وتوفير أسباب القوة بمختلف أشكالها .

أما الانسياق وراء ما تريده الولايات المتحدة بتحويل الحديث عن سياساتها العدوانية على كل صعيد إلى حديث عن مشكلة الإرهاب» في البلدان الإسلامية، فذاك ما لا يوقف عدواناً خارجياً، ولا ينهي وجود خطر داخلي، ولا يقضي على ظاهرة منحرفة، فضلاً عن أنه يقلب الحقائق رأساً على عقب، فالإرهاب ولد أمريكياً على أكثر من صعيد ومنذ القدم، وعلى سبيل المثال باستقبال مختطفي الطائرات الكوبيين قبل أن تعرف ذلك المنطقة الإسلامية بزمن طويل، كما أن الإرهاب ولد يهودياً صهيونياً غربياً منذ بداية جريمة اغتصاب فلسطين بدعم أمريكي وغربي وولد أوروبياً بما نشأ من منظمات إرهابية في معظم البلدان الأوروبية، وبعضها - كما هو الحال في إطار مشكلة أيرلندا الشمالية - بات في موقع الشريك في مفاوضات السلام بدعم أمريكي ومع ذلك فهو ليس هدفاً للقذائف والصواريخ ولا هدفاً رسمياً في مهام مستقبلية لحلف الأطلسي.

إن الإرهاب بذلك كله - مثله مثل سائر أوبئة العصر الأخرى الراهنة - ظاهرة ولدت في ظل الزعامة الغربية الأمريكية وتوجيهها، ونشأت وترعرعت في محاضنها وعبر ممارساتها. وانتشرت بمفعول سياساتها العدوانية في مختلف أنحاء العالم. يجب أن تخرج من ذلك الوهم القاتل من أنه لا وجود لنا أو لبلادنا على خارطة العالم المستقبلية، إلا في ظل القبول بالزعامة الانفرادية الأمريكية، فآنذاك لن يكون لنا أي مكان.. أو ربما بقي لنا مكان الرقيق في خدمة الأسياد، وفي ذلك خيانة حضارية للبشرية، وخيانة عقدية للأمانة التي حملناها بإسلامنا، وبما رسخه من تصورات إنسانية ترفض الاستبداد الدولي بمختلف أشكاله وميادينه. ترفض أن نمارسه نحن المسلمين وترفض أن تخضع لمن يمارسه ويجب أن نخرج من ذلك السلوك القاتل الذي يتقبل كل مستورد مادي وفكري، ما دام في صناعة أمريكية أو غربية، ويتقبل توظيف ثرواتنا في خدمة الأمريكيين والغربيين، ويتقبل تفضيل الخبرة الأجنبية، والاستثمارات الأجنبية والبضائع الاستهلاكية الأجنبية، وكذلك مختلف الانحرافات الأجنبية، ويتقبل في ممارسة ذلك تحويل علاقات الصداقة والمصالح المتبادلة، إلى اتجاه واحد.. يأخذ ما لدينا. ولا يعطينا - إذا أعطانا - سوى الفتات المليئة بالألغام.

ويجب أيضاً أن تخرج من فلك تلك السياسات الخطيرة التي تزعم إمكانية التفاهم والتعاون مع كل عدو قريب وبعيد، وتشترط لفتح أبواب التعاون مع الأشقاء العرب والمسلمين، أن يزول كل خلاف قبل أن يبدأ التعاون ولن تزول الخلافات والنزاعات وأسباب الفرقة والوهن والتخلف إلا عبر التعاون على ما يمكن التعاون فيه، بل ولا خلاف حوله من حيث الأصل، ولا شك في فائدته للجميع، وهو كثير، يحتاج إلى عين تبصر، وعقل يخطط، وقلب ينفتح على ما أمر به الله عز وجل من انفتاح بين المسلمين.. وخير لنا أن يتنازل بعضنا عن بعض ما لديه لحساب أخيه من أن يتنازل تجاه عدوه، ثم نكون جميعاً من الخاسرين، ثم نسأل يوم القيامة عن أعمالنا.

كل في موقعه، وكل على حسب ما يملك من إمكانات ويهملها لتغيير حال المسلمين، إلى حيث يستعيدون قدرتهم على حمل رسالة الخير والهداية للبشرية، بما يحول دون ترسيخ ما يعنيه عصر العولمة الأمريكية من هيمنة واستهتار بالآخرين ومظالم فاحشة، وبما يقيم دعائم عصر عولمة إسلامي قويم، يرضي الله تعالى، ويحقق الخير للبشر في حياتهم الدنيا، ويكفل النجاة في دار البقاء لمن آمن وعمل عملاً صالحًا.

الرابط المختصر :