العنوان بين العمل الإغاثي وصدمة الرأي العام من مجزرة «الإنسانية»..الشخصية الصهيونية وروحها العدوانية توقظ «المارد» التركي الشجاع
الكاتب سعد عبدالمجيد
تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010
مشاهدات 67
نشر في العدد 1906
نشر في الصفحة 6
السبت 12-يونيو-2010
تركيا تقف الآن في وجه هذه الشخصية المعقدة المتعالية على الإنسانية جمعاء.. وقدمت للمرة الأولى شهداء وجرحى للقضية الفلسطينية
- كبير الأطباء الشرعيين أكد إطلاق الرصاص عن قرب على كل القتلى والجرحى.. فلماذا يحجبون المعلومات الخاصة بالموتى والجرحى؟!
- «بولنت يلديريم» المنسق العام للقافلة: هل وضعت «تل أبيب» لنفسها قانونًا بحريًا خاصا يسمح لها بمد مياهها الإقليمية كما تشاء؟!
إسطنبول: سعد عبد المجيد
على الرغم من أن تركيا كانت أول دولة في العالم الإسلامي تعترف بالكيان الصهيوني، وبينهما علاقات دبلوماسية وتجارية ومصالح اقتصادية متبادلة بقيمة ٢,٥ مليار دولار سنويًا.. ومنذ عام ١٩٦٢ م هناك تعاون أمني ومخابراتي وتدريب عسكري مشترك، إلا أنه يبدو أن تركيا حديثة عهد في التعامل مع أعماق وأبعاد الشخصية الصهيونية، ويبدو هذا واضحًا من سياق الأحداث الجديدة المتوالية بين الطرفين، وكان آخرها واقعة العدوان الصهيوني بالقوات الخاصة والمروحيات العسكرية والزوارق الهجومية السريعة والفرقاطات والغواصات على قافلة المساعدات الإنسانية وسط المياه الدولية فجر يوم الإثنين ٣١ مايو الماضي، وقتل وجرح وخطف وأسر المدنيين من الرجال والنساء، والاستيلاء على أمتعة ومقتنيات من كانوا على السفن!
وضعية جديدة شديدة الوطء بالنسبة لتركيا الرسمية التي لا تزال مرتبطة بعلاقات رسمية متنوعة مع الكيان الصهيوني، حتى أن «أوزدن صانبرك» السفير التركي الأسبق لدى الولايات المتحدة لا يزال يرى ضرورة الاستمرار والحفاظ على تحالف إستراتيجي بين الطرفين! كما يرى «بولنت أرينش» نائب رئيس الحكومة أنه لا يمكن قطع كل العلاقات والتغافل عن وجود «إسرائيل».
صدمة كبيرة
حادث الاعتداء على قافلة إنسانية كانت تقودها مؤسسات العمل الخيري التركية، ورفع السفينة الأم «مافي مرمرة» عددًا من الأعلام التركية إلى جانب أعلام دول أخرى شارك مواطنوها في القافلة؛ أحدث صدمة كبيرة لدى السلطات الحكومية ولدى بعض أحزاب المعارضة البرلمانية وخارج المجلس وعند نشطاء العمل التطوعي الإنساني.
لذا، فالأسئلة العامة التي تداولها الرأي العام في تركيا عقب الحادث الأليم هي: كيف يمكن استخدام العنف والسلاح بهذا الشكل العنيف ضد مدنيين يسعون لتقديم مساعدة إنسانية لشعب مظلوم يعيش الجزء الأكبر منه تحت حصار ظالم منذ أكثر من ثلاث سنوات، والجزء الثاني يعيش تحت حراب المحتل بوهم اسمه «السلطة» أو «الحكم الذاتي»؟ وكيف يمكن لدولة عضو بمنظمة الأمم المتحدة وتدعي الديمقراطية والتقدم والحضارة أن تقوم بهذه القرصنة علنًا أمام عيون الرأي العام العالمي، وعلى سفن الدولة متحالفة وصديقة تفتح أبوابها للسياح
«الإسرائيليين» بمعدل يتراوح بين ۳۰۰ و ٤٠٠ ألف سائح سنويًا، وتسمح لنحو ٤٠ ألف «إسرائيلي» بممارسة القمار في فنادقها سنويًا، وتفتح مجالها الجوي لتدريب الطائرات الحربية الصهيونية، وتشتري منها طائرات بدون طيار، وقامت الصناعات العسكرية «الإسرائيلية» بتحديث طائرات ( F - ٤ ) و ( F - ٥ ) التي تستخدمها القوات الجوية التركية؟
أسئلة تبدو منطقية من زاوية ما، على الأقل من جانب المسؤولين الحكوميين وقطاع ليس بالقليل من الشعب التركي.. لكن الشيء الذي ظهر من هذه الواقعة الأليمة هو أن تركيا لا تعرف خصوصية الشخصية الإسرائيلية الصهيونية والروح العدوانية الكامنة فيها، والتي تشكل البنية الأساسية فيها كما كشف عن هذا بجلاء قبل ٢٥ عامًا د. رشاد الشامي - أستاذ اللغة العبرية بكلية الآداب جامعة عين شمس المصرية (يرحمه الله) - حين أعد دراسة تحليلية وأخرج كتابًا قيمًا بعنوان «الشخصية الصهيونية والروح العدوانية» مما أثار السلطات الصهيونية آنذاك؛ بحجة أن الكتاب يتعارض مع مطلب التطبيع مع مصر.
لذا، فالأحاديث والتصريحات الواردة هنا على لسان شهود الوقائع العائدين من الأسر، أو من طرف النخبة المثقفة في تركيا هي الدليل العملي الكاشف الفاضح مجددًا للروح العدوانية للشخصية الصهيونية، دون الحاجة للاقتباس من هذا المرجع أو تلك الدراسة.
إن تركيا الآن تقف وجهًا لوجه أمام هذه الشخصية العدوانية المعقدة والمتعالية على الإنسانية جمعاء، وقدمت للمرة الأولى شهداء وجرحى للقضية الفلسطينية، والأيام تبدو حبلى بالمزيد.
تدابير واحترازات
يقول «حسن حافظ أوغلو» مدير «خيرية العقبة التركية» المشاركة في المساعدات التي استولت عليها القوات الصهيونية، في الرد على سؤال حول مدى عدم توقعه قيام «إسرائيل» بهجوم مسلح على القافلة البحرية المدنية: كنا نعتقد بإمكانية وقوع اعتراض للقافلة، ومحاولة إبعادها عن دخول ميناء غزة بطرق بعيدة عن العنف واستخدام السلاح، لأنها قافلة مدنية، وأمرها ليس سرًا، وكل شيء معلوم ومكشوف، والإعداد لها يتم قبل عدة أشهر.. ولم أكن أتوقع كل هذه القسوة والعنف.
وفي السياق ذاته، يقول «بولنت يلديريم» رئيس «وقف المساعدات الإنسانية» التركي والمنسق العام لقافلة «أسطول الحرية» العائد من الأسر:«لو كنت أتوقع كل هذا العنف والعدوان، لكنا بحثنا في تدابير واحترازات تمنع وقوعه.. لكننا قلنا لهم مرارًا وتكرارًا قبل تحركنا، وحين هددونا بالاعتراض: إننا قافلة مدنية تقوم بعمل تطوعي إنساني وطلب كسر الحصار عن قطاع غزة مشروع لأنه - طبقًا للقانون الدولي الإنساني - لا يجوز قتل وتجويع وتشريد مليون ونصف المليون إنسان يعيشون على أرضهم ووطنهم، ولم يفعلوا شيئًا غير التعبير عن إرادتهم بحرية، ويدافعون بوسائل بسيطة عن أنفسهم لرد عدوان مسلح متواصل عليهم
منذ ٦٢ عامًا.
ويؤكد «يلديريم» أن القافلة كان هدفها الرئيس إظهار أن الضمير الإنساني لم يمت ولن يموت، وأن السفينة حوصرت وأطلق عليها النار وهي على بعد ٨٠ ميلًا بحريًا من الساحل «الإسرائيلي»، ويتساءل: هل «تل أبيب» وضعت لنفسها قانونًا بحريًا خاصًا يسمح لها بمد مياهها الإقليمية كما تشاء؟!
ويوضح قائلًا: «كنا قد أعلنا أننا سنغيّر مسار القافلة إلى مصر أو الأردن في شكل زيارة في حال اعتراضنا من قبل القوات الإسرائيلية، ولكننا لم نتوقع مطلقًا هجومًا مسلحًا بهذا الشكل وبيننا نساء وأطفال وشيوخ
لن يفلتوا من العقاب
وبدوره، يقول الصحفي «أورخان دمير» العائد من الأسر: «لم يكن لدينا تصور حول ما الذي يمكن أن تفعله «إسرائيل» ونحن سفينة مدنية تبحر في المياه الدولية ونذهب لعمل إنساني واضح ومعلوم».
ويؤكد حسين أوروطش عضو مجلس إدارة خيرية المساعدات وجود ٥٥ جريحًا (بينهم ٢٤ تركيًا 7 منهم جراحهم عميقة )، بالإضافة إلى تسعة شهداء أتراك بينهم صبي لا يتجاوز عمره تسعة عشر عامًا، علاوة على شهداء من ماليزيا وإندونيسيا والجزائر.
وبمرارة يقول: «إنهم يحجبون حتى المعلومات الخاصة بالموتى والجرحى! وإني أؤمن بأنهم لن يفلتوا من العقاب، وإذا لم يكن اليوم فغدا سيمثلون أمام محكمة مجرمي الحرب والإبادة الإنسانية في «لاهاى» كما حدث للقتلة الصرب».
إيقاظ الضمير الإنساني
كبير الأطباء الشرعيين في تركيا أكد في بيانه الصحفي إطلاق الرصاص عن قرب على كل القتلى والجرحى، وهذه الحقيقة الطبية المؤلمة تتوافق مع ما قاله الصحفي «أوميد سونمز» مراسل «هلال تي في» التركي: «لقد أطلقوا الرصاص على رأس الشهيد جودت قيليطشلار أمام عيني ومن مسافة قصيرة جدا، ولم يكن يفعل شيئا سوى تصوير الأحداث».
«نولوفر شتين» أم الطفل الرضيع التي كانت بصحبتة على السفينة وألقي القبض عليهما دافعت عن أخذ ابنها الصغير معها بقولها: «أخذتُ ابني لأننا قافلة إنسانية مدنية، وأردت بوجوده إيقاظ الضمير الإنساني لكي ينتبه الناس لوجود آلاف الأطفال مثل رضيعي في غزة.. هل نتركهم يموتون؟.. وإني مستعدة لتكرار المحاولة.
بداية النهاية
ويقول «د. فتحي جونجور» نائب رئيس اتحاد الجمعيات التطوعية التركية: لم نكن نتوقع هذا التدخل العنيف، لقد كانت رحلة غزة البحرية عملًا إنسانيًا بحتًا جمع كل الأديان والأعراق، وقناعتي الشخصية أن ما حدث بداية النهاية له «إسرائيل» إن شاء الله.
ويضيف: «هذا الطفل المدلل قاطع الطريق بات يمثل عبئًا على أمريكا والغرب الذين يدافعون عنه منذ نشأته، ولعلنا لاحظنا كيف أن الولايات المتحدة لم تستخدم «حق الفيتو» في قرار الشجب والإدانة الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وهذا فيه دلالة على ضجر أمريكا من هذا الطفل القاتل.
أما الباحث التركي المتخصص في العلاقات الدولية «ياسين أطلي أوغلو» فيقول: إن هذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها «إسرائيل» النار على مواطني دولة عضو بحلف شمال الأطلسي، وتقتلهم في المياه الدولية وبمخالفة القانون الدولي، مما ينعكس بالغضب على «إسرائيل» أمام العالم كله وليس تركيا وحدها، ويفقدها المشروعية أمام اتفاقيات حقوق الإنسان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل