العنوان القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها (٧ من ١١)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 69
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 36
السبت 15-ديسمبر-2007
الشخصيات
الشخصية في القصة القرآنية تقوم بأعمالها وصفاتها وليس بملامحها الخارجية أو صفاتها الشكلية
عدم الوصف الحسي يخدم الفكرة الدينية في القصة القرآنية ولذا يكون التركيز قويًا على الفعل والسلوك والممارسة التي تتعلق بالشخصية القصصية
يكاد القصص القرآني يكون قصص شخصيات، حيث تكون الشخصية محور القصة ومرتكزها الأساسي، ويمكن أن نرى ذلك في قصة نوح عليه السلام، ومن بعده إبراهيم وموسى ويوسف وعيسى.... وغيرهم.
وقصة الشخصية تقدم نموذجًا إنسانيًا له تصوراته وأفكاره وسلوكه وعمله، وفي القصص القرآني فإن شخصية القصة تكون غالبًا من الأنبياء والمرسلين، أو من أعدائهم الجبابرة مثل فرعون والشيطان والنمرود وغيرهم.
وغالبًا ما نرى الشخصية في القصة القرآنية تقوم بأعمالها وصفاتها الإنسانية وليس بملامحها الخارجية أو صفاتها الشكلية.. وقد تأتي أحيانًا بلا اسم، وإنما منسوبة إلى مكان أو صفة خلقية أو إلى شخصية أخرى كما ترى مثلًا في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ (الكهف)، أما الآخر فيأتي مجهولًا أيضًا: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: ٣٤). وفي السورة نفسها أيضًا، يوصف الخضر عليه السلام بعبد من عبادنا، حيث يلتقي به موسى وفتاه، لاحظ أن الفتى أيضًا مجهول الاسم، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (الكهف: ٦٠) وبعد أن وصلا إليه ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: ٦١).
فالخضر هنا - على أرجع الأقوال - هو عبد صالح أوتي رحمة وعلمًا من عند الله، وهي صفات معنوية كما ترى بل إننا في رحلة موسى مع العبد الصالح سنجد أن الأخير يخرق سفينة، فيتعرض أهلها للفرق، دون أن ندري من هم أهل هذه السفينة وإلى من ينتسبون أو ما هي صفاتهم.
فضلًا عن أسمائهم أيضًا نجد العبد الصالح يقتل غلامًا، لا نعرف من هو ولا اسمه ولا اسم أهله، كذلك سنجده يقيم جدارًا لأهل قرية رفضت أن تقدم لهم طعامًا، ولا ندري عنهم أو عن طبيعتهم شيئًا إلا ما يتعلق ببخلهم وعدم إكرامهم للضيف (راجع الآيات ۷۱ - ۷۸ من سورة الكهف).
وحين جاء الهدهد بعد غياب إلى سليمان، وصف بلقيس التي يسجد قومها للشمس من دون الله بأنها امرأة ملكة: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل: ٢٣).
فبلقيس مجرد امرأة، لا ملامح لها ولا اسم، ولكنها تملك وتحكم قومها، ولديها كل شيء مع عرش عظيم أي ذات مكانة كبرى لكونها الملكة الحاكمة.
وفي سورة القصص نجد أوصافًا لسلوك فرعون وهامان، وموسى وهارون، وأم موسى وامرأة فرعون، والرجلين اللذين يقتتلان، والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وابنتيّ شعيب، بل إن شعيبًا نفسه يُشار إليه بالوصف ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣)، دون أن تجد اسمًا صريحًا للبعض، أو وصفًا سيئًا[1].
ولعل الوصف الحسي الذي يمكن استنتاجه بالإيحاء هو وصف امرأة العزيز ليوسف في قضية يوسف عليه السلام، وذلك حين جمعت النسوة ليشاهدن جماله فقطعن أيديهن لشدة انبهارهن بمنظره فقطعن أيديهن بالسكاكين التي أعطتها لهن قال تعالى عن امرأة العزيز حين علمت بكلام النسوة: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: ٣١).
وواضح أن عدم الوصف الحسي أو تجهيل الأسماء في الغالب، إنما يخدم الفكرة الدينية في القصة القرآنية، ولذا يكون التركيز قويًا، على الفعل والسلوك والممارسة التي تتعلق بالشخصية القصصية لأنه مناط العبرة والعظة والغاية.
فيوسف عليه السلام مثلًا نراه يخوض رحلة المعاناة مع إخوانه، ومع امرأة العزيز، ومع السجن، وهو حريص على الصبر والإيمان، والقيمة الخلقية، بل إنه داخل السجن يحرص على أن يدعو رفيقيه إلى عبادة الله وترك الشرك لأن الحكم لله وحده، صاحب الدين الحق: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾ (يوسف).
إن يوسف يمثل نموذجًا للشخصية الورعة التقية الحريصة على رسالتها، وفي الوقت نفسه يقدم صورة الرجل الذكي الحصيف الذي يقدر المواقف بقدرها، وهو ما أهله ليكون محافظًا على ثروة البلاد ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥)، ويتم له التمكين ويرتقي في المناصب حتى يكون الرجل الثاني بعد الملك في حكم مصر.
وتمثل شخصية موسى عليه السلام نموذج الشخصية المندفعة، والعصبية المزاج، حيث يناصر أحد شيعته، فيقتل خصمه وكاد يهم بقتل شخص آخر، ولكنه يراجع نفسه، ويطلب من الله العفو والمغفرة والقصة تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17)﴾ (القصص)[2].
وعلى العكس من شخصية موسى نجد شخصية إبراهيم عليه السلام، الذي يتسم بالهدوء والتسامح والحُلُم: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٤).
ويمكن أيضًا أن تجد شخصيتين نبويتين متقابلتين في الطبع والمزاج شخصية نوح عليه السلام والمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وخاصة في موقف كل منهما من قومه.
نوح عليه السلام لقي من قومه عنتًا كبيرًا، وجحودًا عظيمًا، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، قال تعالي: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)﴾ (نوح).
وواضح أن الله استجاب الدعوة نوح، فهي تدل على مدى معاناته، وقسوتهم عليه.
بيد أن المسيح عليه السلام مع ما لقيه من أذى قومه، فإنه كان أقرب إلى التسامح والرضا بالعناء في سبيل ربه، ولذا فوض الأمر إليه قائلًا: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾ (المائدة).
لقد ترك أمر تعذيبهم أو العفو عنهم لله، ولم يدع عليهم كما دعا نوح عليه السلام على قومه بالهلاك والفناء.. هناك إذا شخصيات تتحرك بمعيار السلوك والفعل لا الشكل والملامح، وهذا ما ركزت عليه القصة القرآنية بصفة عامة، لأن غايتها القيمة لا الكمية، والفكرة لا المادة.
آفاق ثقافية
رائد الإعلام الإسلامي:
اختار الباحث عبد العزيز قاسم مدير تحرير صحيفة المدينة السعودية، عبد القادر طاش رائد الإعلام الإسلامي كنموذج للكاتب الصحفي المؤثر جماهيريًا في رسالته المقدمة للحصول على درجة الدكتوراه في الإعلام من الجامعة الأمريكية بلندن، والتي حصل بمقتضاها على درجة امتياز مع مرتبة الشرف.
رهانات الإنترنت، في سياق عربي:
تصدى الباحث التونسي شوقي العلوي في كتابه رهانات الإنترنت للخطاب الذي يردد مقولات رنانة دون غوص في عمق القضايا والإشكاليات التي تطرحها شبكة الإنترنت، وبيَّن الكاتب أن اهتمامه بهذا الموضوع يعود إلى عدة عوامل منها أن الإنترنت أصبح ظاهرة اجتماعية، بعد أن راج استخدامه على نطاق واسع منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين.
العودة إلى الذات:
تتحقق العودة إلى الذات عند مالك بن نبي بإدراك الفارق بين (الحضور) و(الوجود)، في وجودنا، يعني وجود مجتمع وثقافة وعلاقات وإنتاج.. لكن حضورنا يستلزم أن نصوع نموذجًا بشريًا يجعل جميع من يراه يوقن أنه النموذج الأمثل، وأن ترك ذلك النموذج بشكل متعمد فيه خسارة للإنسانية.
رائد السينما السعودية:
على مدار ٣٠ عامًا، صنع المخرج السعودي عبد الله المحيسن تاريخه السينمائي، واضعًا بذلك اللبنات الأولى لصناعة السينما في بلد كان يتعامل مع السينما كما لو أنها كائن خرافي، وقد أشرف المحيسن على إنتاج وإخراج ما يزيد على ۲۱۲ فيلمًا وثائقيًا ناقشت مختلف القضايا الإنسانية والوطنية والتنموية برؤية فنية معاصرة، ليصبح بفضلها رائد السينما في السعودية بلا منازع، وصاحب التجربة الملهمة لأي سينمائي سعودي مبتدئ.
[1] القصص راجع السورة من أولها حتى الآية ٢٧ ويلاحظ أن اسم شعيب، ورد صريحاً في بعض السور الأخرى.
[2] انظر: التصوير الفني في القرآن، ص ١٦٤، وما بعدها.