الثلاثاء 18-أبريل-1972
قيل إن الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا قرر أن يزور الشمال، ليرى نشاط ولاته وأتباعه في تلك البلاد، وهذا ما كان الشيطان الأصغر الوالي على تلك البلاد يعلق عليه آمالًا كبيرةً، في ترقيته إلى درجة أعلى في سلك «الشيطنة» كانت زوجته تطمح إليها، وتحثه دائمًا على الكذب والخداع والجد في نشر الشرور والآثام وإغواء الناس، حتى يحظى برضا زعیمه شیطان سائر أنحاء إفريقيا.
أما الشيطان الأكبر فقد كانت هذه زيارته الأولى لتلك البلاد والأمصار منذ أن غادرها مطرودًا قبل سنوات.
آه ... نعم مطرودًا، كانت هذه الكلمة تثير في نفسه الذكريات الأليمة وهو يُغِذُّ في سيره على جانب النهر العريض الجميل الذي ينحدر من الجنوب، هناك حيث يعيش هو في مقر «شيطنته» في أعالي الجبل الرهيب، ويقطع الصحاري والقِفار ليصُبَّ في الشمال حيث هو ذاهب الآن.
لقد آلمته هذه الذكرى حتى أنها شغلته عن رؤية المناظر الجميلة الخَلَّابة التي تَتَابَعُ أمام ناظريه على ضفتي النهر، بل إنه كان مشغولَ البال بها مهمومَ الخاطر لدرجة أنه لم يلتفت لأولئك الأتباع من الشياطين الذين وقفوا على جانبي الطريق يطرحون عليه اللعنة فلا يرد.
إنه لَيَذكُرُ كلَّ شيء وكأنه بالأمس قد حدث، لم يظن أنه سيطرد من تلك البلاد طردًا بهذه الصورة المُزرِيَة التي جرحت كبرياءَه الشيطاني، فلذلك لم يعد إليها بل وتجنب المرور بها تأثرًا منه بما حدث، حتى وصلته في الأسبوع الماضي رسالة من مندوبه الشيطاني هناك يهنئه ويخبره بأن كل شيء قد أصبح كما يحب ويشتهي، وأن البلاد قد سادها «المناخ الشيطاني» نتيجةً لما بذله من جهود جبارة، بل وذكر أنه يتمتع بسطوة كبيرة لدى الحكام هناك تسمح له بمراقبة الأوضاع والتدخل في كثير من الأمور.
مد يده يمسح على لحيته الشيطانية المعقوفة وهو يكتم قهقهة عالية ويهمس لنفسه «يا له من شيطان صغير! ولكنه حاذق ماهر في تدبير الأمور، فلْأُسرِعْ في سيري حتى أمتع نفسي وأتحقق مما يقول».
واندفع يحث الخطى متجهًا إلى الشمال، ولكنه مع ذلك لم يفلح في طرد الذكريات المؤلمة من رأسه وهو يقترب رويدًا رویدًا.
لقد طُرِد من هذه البلاد على أيدي جماعة من الناس ظهرت فجأة لم يُحِسَّ بها ولم ينقل له أحد من أعوانه أو أتباعه أيَّ خبر عنها إلا في آخر الوقت وبعد أن فات الأوان، وعَضَّ على شفته السفلى الغليظة المشوهة المشقوقة وهو يقول كمن يخاف نفسه «لقد كانت يد الله تسترها عن أعيننا وترعاها»
لم يشعر إلا وهذه الجماعة من الناس تكبر وتكبر، لا يدعون بشيء سوى الله أكبر ولله الحمد، ولَعَمْري فهذا هدم لرسالته الشيطانية التي آل على نفسه حملَها على سطح الأرض، وانتشرت هذه الدعوة انتشار النار في الهشيم وامتدت من المدن إلى القرى ومن القرى إلى الدساكر، وترعرعت شجرتها حتى ارتفعت أغصانها في السماء عاليةً، بينما ضربت جذورها في باطن الأرض.
وكان لا بد له من أن يستيقظ وهو يرى عمله وعمل آبائه وتراث الشر الذي ورثه عن أجداده ينهار فجأة أمام هذه الدعوة الفَتِيَّة وتحت ضربات سواعد الشباب المؤمنة القوية التي حَفَلَت بهم مواكبها، فحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه.
فأوعز إلى أوليائه وأتباعه من شياطين الجن والإنس ليتحركوا للعمل، وضرب الشيطان بعَصَاه الأرضَ عدة مرات وهزَّ رأسَه الضخمَ القبيحَ وهو يرى الفشل الذريع الذي مُنِيَ به هو وأتباعُه ماثلًا أمام عينيه، فرغم الأذى الذي سببوه لهؤلاء الناس والضرر الذي ألحقوه بهم، إلا أن ذلك كله لم يؤثر فيهم أو يُفَتِّتْ من عَضُدِهم، فقد كانت يد الله تمنعهم وتحميهم، وتساءل الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا عن تلك الجماعة ودعوتها والمصير الذي آلت إليه خلال هذه السنوات الطويلة التي ترك فيها البلاد ورحل بعيدًا عنها ليتخذ من الجبل الرهيب في أقصى الجنوب مقرًّا له.
لقد ألهته مشاغل الشر الكثيرة التي امتصت كل وقته وشغلته عن متابعة أخبار تلك الجماعة حتى أنه لم يكن يقرأ التقارير المرفوعة إليه من مندوبه الشيطاني، واكتفى بتحويلها إلى غِبْطة الحَبْر الأعظم عظيم الشياطين وكبير الأباليس في عاصمته في أقصى الشمال في مدينة «قان» وهنا تحركت يده على صدره في حركة عفوية، وهنا أيضًا شمخ الشيطان الأكبر بأنفِه المُشَوَّه، ووقفت شعرات رأسه التي حال لونها واغبَرَّ من كثرة تردده على جهنم فخرًا واعتزازًا بنفسه...!! وهو يتذكر ماضيَه الحافلَ في سلك الشيطنة وثقة عظيم الشياطين شيطان «قان» الأعظم به بعد نجاحه في مهمات أنيطت به في أكثر من مصرٍ وأكثر من أرضٍ.
في نيجيريا مثلًا وزنجبار والسودان وإرتيريا، بل -وهنا تتراقص لحيته المعقوفة الغبراء- إن حضرة الحبر الأعظم شيطان «قان» قد عَهِدَ إليه بأعمال سرية كثيرة وعلى جانب من الخطورة خارج منطقته وقد حققها بنجاح باهر، مما زاد من منزلته عند حبر «قان» الأعظم.
وهنا يلتفت يمنة ويسرة حتى يتأكد بأن ليس هناك من يسمعه، ويفيق الشيطان من تخيلاته وأوهامه ويشعر بوَخْز الذكرى تؤلمه ثانيةً فيفقد ثقته وينكمش داخل نفسه ويتضاءل وهو يخطو أولى خطواته في شوارع القرية التي صادفها في طريقه.
إن له في هذه القرية أيضًا ذكرياتٍ مؤلمةً قاسيةً، لقد شهدت طرقاتها ذات البيوت المتداعية وأجرانها وحقولها جزءًا من قصة فشله وهزيمته، أین هذا الشيخ «حمدان» يا تُرى؟ ذلك الرجل الذي كان صخرة تحطمت عليها كل محاولات الشيطان وآماله وغزواته لنشر دعوة الشر والإثم في هذه القرية واتخاذها نقطة ارتكاز له ومركز تجمع لأتباعه لتطويق دعوة الخير التي حمل لواءها أولئك الناس المخربون أعداء الشر والإثم.
وأخيرًا يلتقي الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا بالشيخ حمدان جالسًا تحت شجرة وارفة الظلال على شاطئ الترعة، فلم يتمالك نفسه أن تمتلئ رعبًا، واهتزت أطرافه وارتعدت فرائصه وهو ينظر إلى وجه الشيخ المضيء بالإيمان ولحيته البيضاء الصغيرة وهدوئه المطمئن.
- السلام عليك يا شيخ حمدان.
قالها الشيطان بتذلل وانكسار.
- الشيطان.. لعنة الله عليك، اغرُبْ عن وجهي أيها اللعين، أعوذ بالله منك.
وهنا يرتفع ذيل الشيطان إلى أعلى كالحَرْبة من خلفه خوفًا وهلعًا. ولكنه يستجمع أطراف خبثه ومكره وشجاعته
- أما زلتَ عدوًّا لي يا شيخ حمدان؟ أما آن الأوان لنصبح أصدقاء؟
- وسأظل عدوًّا لك ولأتباعك إلى الأبد أيها اللعين، قلت لك اغرُبْ عن وجهي.
- أین والداك يا شيخ حمدان حسن وإبراهيم اللذان كانا يساعدانك ضدي، إنني لم أرهما.
وهنا ترتعش أهداب الشيخ ويُغَشِّي وجهَه المضيءَ بنور الإيمان سحابةٌ خفيفةٌ من الأسى وهو يقول:
- إنهما هناك بين أيدي أتباعك وأوليائك، إنهما في المعتقل، ولكنهما لن يرضخا بإذن الله، إن الله معنا فهو حسبنا ونعم الوكيل.
لم يتمالك الشيطان نفسه فقفز في الهواء صارخًا ناعقًا بفرح وسرور صُراخًا تأذَّتْ لسماعه كلُّ المخلوقات من حوله، ولكنه لم يعبأ وانطلق يعدو إلى الشمال، فها هو قد انتصر أخيرًا ولم يكذب عليه مندوبُه الشيطانيُّ، بل يبدو أن كل ما ذكره في رسالته حقيقة واقعة.
يا له من شيطان طيب صغير! إنه بمجرد عودته إلى جبله الرهيب سيأمر بترقيته وسيطلب من حبر «قان» الأعظم أن يمنحه عطفه وبركاته.
واستمر الشيطان في عَدْوِه لا يستريح، يسوقه سوطُ الفرحة الشريرة وشعورُ الشماتة بأعدائه، وكان ذيله ينساب خلفه كالحربة بينما ارتفع قرناه أعلى رأسه وانبعث الشرر من فتحتي أنفه كلما زفر هواء جهنم من صدره الذي يرتفع ويهبط ككِير الحَدَّاد، إن هذا النصر سيمحو من تاريخه الهزيمة والفشل اللذين لاقاهما في هذه البلاد وسيضيف إلى أمجاده التي حققها في مختلف البلاد مجدًا آخر، بل إن نجاحه هنا يفوق كل نجاح، فهنا ... هنا أصل الداء والشر بالنسبة له، هنا في هذا البلد نبتت الفكرة وغُرِست شجرتها، وهنا ارتفعت أغصانها تُطاول السحاب ثم بعد ذلك امتدت إلى البلاد الأخرى حتى سببت له المتاعب الجَمَّة.
ومن بعيد يلمح المندوب الشيطاني غبارًا كثيفًا يتصاعد وشررًا منه يتطاير، فيَحنِي على أذن زوجته يُسِرُّ في أذنها:
- ها هو الشيطان الأكبر، زعيم شياطين إفريقيا، والذي سيمنحكِ ما تصبو إليه نفسكِ، قد وصل فتهيئي يا عزيزتي لاستقباله.
وما إن يصل الشيطان الأكبر حتى يحيط به أتباعه وأولياؤه مرحبين مهللين وعلى رأسهم مندوبة الشيطان وزوجته التي بَهَرَت الجميع بقبحها وبشاعة منظرها، فلا يحاول أن يخفي ضيقه وتبرمه بالرسميات والشكليات، إنه يريد أن ينظر إلى أولئك الأعداء بأسرع ما يمكن، یرید أن يُطفئ لهيب الحقد في قلبه ويشفي غليل نفسه برؤيتهم يعانون شتى أنواع العذاب والألم، يريد أن يقهقه قهقهته الشيطانية المعروفة وهو ينظر بشماتة وتَشَفٍّ إلى أجسادهم الدامية وأطرافهم الممزقة المكبلة بالقيود والأصفاد.
لقد أمضى رحلته في خوف يعاني ذکری فشله و هزيمته ولكنه الآن سيُرغمهم على توقيع وثيقة الاستسلام له، إنه نصر ما بعده نصر.
ويلتفت إلى مندوبه الشيطاني الذي كان قلبه الأسود الشرير يرقص في صدره طربًا بينما كانت علامات خيبة الأمل ترتسم على وجهه الأحمر القاني، فقد أتعب نفسه وأعد للزعيم استقبالًا حافلًا دعا إليه نخبة من عِلْيَة القوم وحشدًا من الأنصار والأتباع، ولكن الزعيم على ما يبدو في عجلة شديدة من أمره لا يرغب في إكمال مراسيم الاستقبال والالتقاء بالأحباب والأنصار الذين بَرَّحَ بهم الشوق إلى شيطانهم الذي غاب عنهم كثيرًا، فجاءوا لِلُقْيَاه وأخذ التعاليم الشيطانية عنه.
- أين هم ... دعني أراهم بسرعة.
أجاب المندوب الشيطاني بضيق:
- كما ترى يا سيدي الأكبر، هيَّا لِنَمتَطيَ السيارة.
وفي الطريق إليهم كانت عينا الشيطان الأكبر تدور وتتفحص كل ما حوله وما يمر بهم من معالم المدينة ومظاهر الحياة في الشوارع، فعلًا ... إنه ليشعر بالتغيير الكبير الذي طرأ على الحياة.
أين الوجوه المنيرة بالإيمان؟ أين أولئك الشباب الغَضُّ الطَرِيُّ العود أصحاب اللِّحَى الخفيفة الذين كانوا يعمرون مساجد الله؟ أين رجال الدين والعلم؟ إنه لم يلمح سوى واحد منهم يسير بسرعة إلى جانب الحائط، فكأنه يحاذر أن تقع عليه أعينُ الناس، ولولا لباسه المميز لما عرف أنه من رجال الدين، أین المساجد العامرة بالذاكرين؟ أين العمال والطلاب والصناع الذين كانوا يرددون تلك الكلمات التي تهز كيانه وتشعره بضعفه وهَوَانه؟
لقد اختفى كل هذا، وحل محله ما يرى الآن، نساء كاسيات عاريات، وجوه قد أنهكها الإرهاب والكبت وأظلمت بفعل ما في القلوب من آثام وآلام.
شباب خليع يتسكع في الشوارع والطرقات، فارغو العقول خالو الأذهان، والمساجد.. لقد أصبحت معظمها أماكن أثرية لا يؤمها إلا السياح والسائحات، أما ما بقي منها على حاله فلا تجد فيها سوى شيوخ مُسِنِّين كالعراجين القديمة قد انزووا في أركانها.
ويَفرُك الشيطان يديه غبطةً وسرورًا ويمسح على لحيته الشيطانية المعقوفة رضاءً عن نفسه، ويمد يده يُرَبِّتُ على كتف مندوبه الشيطاني رضاءً عليه وتقديرًا لمجهوداته التي أثمرت كما یرى.
وما هي إلا لحظات حتى توقفت السيارة أمام بوابة حديدية ضخمة يحرسها رجال من الشرطة تبدو على وجوههم الشراسة وسوء الطباع، سرعان ما انفرجت أساريرهم وهم يلقون نظرة سريعة على تصريح الدخول الذي قدمه المندوب الشيطاني، وتقدم أحدهم يفتح البوابة بصرير كئيب مزعج، وقادهم إلى مبنى بائس كئيب عتيق يخيل لمن يراه بأنه شیخ هَرِمٌ قد أذله ماضيه الأسود وأثقلت كاهلَه جرائمُه في أيام شبابه الغابرة فوقف مُنَكَّسَ الرأس مُتَهَدِّلَ الكتفين خِزيًا وعارًا يدفع ضريبة ما اقترفت يداه من جرائم في سالف الزمان.
واطمأن الشيطان ومرافقوه إلى أن الأحوال تسير على ما يرام، واستمتع بضيافة أصحاب السجن الذين بالغوا في الاحتفاء به عندما علموا هُوِّيَّتَه وصلاتِه العليا القوية، ولكنه شعر بشيء من الخوف والرهبة تهز قلبه بين جنبيه ومندوبه الشيطاني يدعوه إلى جولة داخل السجن يستمتع فيها برؤية أعدائه الأسرى الذين تطاولوا عليه فيما مضى من الأيام وأذلوه وطردوه، وها هم يَرسُفون الآن في الأغلال يدفعون ثمن فعلتهم الشنعاء تلك.
فهذه هي المرة الأولى التي يواجههم فيها منذ تلك الأيام التي هُزِمَ فيها وفَرَّ هاربًا، وحاول أن يبعث في نفسه الشجاعة، ولكن ممن يخاف وهم مقيدون في الأصفاد سجناءَ في زنازينهم لا يستطيعون حَرَاكًا من جَرَّاء ما لاقوه من عذاب؟ كما أن الجند يحيطون به مدججين بالسلاح فكيف يخاف.. !!؟ لا بد أن يكون أشجع من ذلك، ومع هذا فقد أحس بثقل قدميه وهو ينتزعهما من الأرض انتزاعًا ويتحرك ببطء إلى حيث يرى أعداءه ويتشفى بعذابهم.
انحنى الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا يختلس النظر من كُوَّة الباب الصغيرة إلى داخل إحدى الزنزانات، بينما وقف مندوبه الشيطاني خلفه يبتسم جَذِلًا ويَفرُكُ يديه حبورًا، فقد اقترب میعاد مكافأته التي ستسعد زوجته الشيطانة.
ولكن سرعان ما ماتت ابتسامته على شفتيه وهو يرى ذيل زعيمه الشيطان ينتصب في الفضاء ووجده يرتعش، فصاح به في صوت هامس مبحوح:
- ما.. ماذا حدث.. ماذا رأيت؟
- آه.. إنهم هم.. هذه الوجوه أعرفها جيدًا، طالما تصارعت أنا وهم ولكنهم غلبوا في النهاية.. ولكن انظر ماذا يفعلون، لا أفهم معنى ذلك.
وانزاح عن الكوة الصغيرة مفسحًا للشيطان الصغير لينظر بدوره، الذي صرخ بصوته المفزع وبغيظ ممزوج بدهشة:
- يا لَحَقِّ الشيطان الأعظم! ماذا يفعل هؤلاء المجانين؟ إنهم يواصلون نشاطهم الهَدَّام حتى في السجن، يا للشيطان الأعظم عفوك ورضاك! إنهم يجلسون في حلقة حول ذلك الشاب يدرسهـم القرآن.
- انظر .. انظر إلى وجوههم، فرغم الكدمات و الجروح، رغم الضعف و الهُزال فلا زالت تشع نورًا.
صاح الشيطان الأكبر بغيظ وهو يجر مندوبه الشيطاني المذهول من ذیله:
- کفی .. كفى .. دعنا نرى غيرهم في زنزانة أخرى.
- انظر .. انظر إنهم ملتفون حول مريض منهم أنهكه العذاب وقطعت السياط جسده، انظر إنهم يحنون عليه ويواسونه ويضمدون جراحه، يا للشيطان فلا زالت سجاياهم «الإرهابية» كما هي:
- کفی .. کفی .. دعنا ننظر إلى الآخرين.
صَرَّ الشيطان الأكبر على أسنانه غيظًا، وعَضَّ على شفته السفلى حتى كاد أن يُدميِها فيسيل دمه الفاسد وهو ينظر في كوة إحدى الزنزانات.
- يا شيطان «قان» رحمتك وبركاتك من هذا انظر.
وينحني المندوب الشيطاني مذهولًا:
- آه.. ألا تعرفه .. إنه السيد الذي أوضح لهم معالم الطريق، طريق دعوة الخير والحق والقوة، آه عفوًا سيدي، أقصد الخراب والهدم والإرهاب.
- دعني .. دعني أنظر إليه ثانيةً.
- يترك الشيطان الأصغر مكانه حزينًا مذهولًا لا يصدق ما يرى بينما ينحني زعیمه شیطان سائر أنحاء إفريقيا، ينظر مكانه:
- انظر ماذا يفعل، إنه يصلي رغم ضعفه وهزاله، رغم العذاب الذي أُوقِع فيه، يا شيطان «قان» الأعظم أغثنا بعفوك وبركاتك، إنني أكاد أنفجر بل سأنفجر، يا لهؤلاء المجانين! إنهم يريدون تخريب هذا العالم الذي تعبنا وشقينا حتى أقمناه، إنهم مجانين مجانين، بل مخربون.. إرهابیون.
وأخذت الشيطاَن نوبةُ هِيَاج فُجائية فصار يضرب رأسه في الباب الحديدي تارة وفي الجدار الصلد تارة أخرى، ويصرخ بصوته المنكر الأجَشِّ الذي لا يسمعه سوی مندوبه الشيطاني حتى تكسرت قرونه وسال الدم من رأسه وهو لا يزال يصرخ «مجانين.. عملاء.. مخربون.. إرهابیون..» بينما وقف مندوبه الشيطاني مذعورًا خائفًا يرتعد كريشة في مهب الريح لا يدري ماذا يفعل ليخفف من هياج زعيمه.
وفجأة يرتفع صوت رفیع عذب شجي كان لوقعه على سمع الشيطانين كجلاميد الصخر مما جعلهما يتوقفان عن الحركة ويجمدان كالتماثيل في أماكنهما بلا حراك، ويرتفع صوت الأذان يرفعه أحد السجناء من زنزانته غيرَ عابئ بتهديد الحراس وتوعدهم بمضاعفة العقوبة.
ويعقب هذا الحدث الذي أذهل الشيطانين شيء أكثر قوة وعنفًا على نفسيهما، فقد ارتفعت همهمات كثيرة في كل الزنازين «الله أكبر.. قد قامت الصلاة» عندها لم يستطع الشيطان أكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا أن يتحمل أكثر من هذا؛ فانفجر صارخًا في وجه مندوبه الشيطاني:
- أتدري ماذا يفعلون؟ إنهم يصلون، يصلون، لقد نقلوا مساجدهم معهم هنا في السجن، أتدري ماذا يعني هذا؟
وهنا يدب قليل من الحياة في جسد الشيطان الأصغر الوالي على تلك البلاد فبدأ بالترنح والاهتزاز من جديد ويحاول أن ينطق:
- سـ.. سيدي الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا..
ولكن لسانه خَرِسَ عندما صرخ فيه المذكور:
- صه.. لا أريد أن أسمعك، لقد غررت بي.
ثم ينفجر كالطوفان:
- إنهم يصلون، حتى في السجن، إنهم ما زالوا أعدائي، آه لقد خدعتَني، ماذا عساي أن أقول للجد الأعظم شيطان قان؟
انظر أيها الأحمق إنهم في السجن كما كانوا في خارجه لم يفلح العذاب ولا جراحهم النازفة أو أجسادهم الهزيلة المحطمة في أن تغير من نفوسهم شيئًا، لا زالت أرواحهم معبأة بالحقد والكراهية لنا.
ثم يندفع خارجًا من الباب كالريح العاتية بينما مندوبه الشيطاني في أعقابه يصرخ:
- سيدي لحظةً واحدةً من فضلك.. دعني أشرح لك.. سيدي.
وتشرق شمس اليوم التالي ليفاجأ سكان الجبل الرهيب في أقصى الجنوب بعودة الشيطان الأكبر شيطان سائر أنحاء إفريقيا فجأة وعلى غير موعد ممزقَ الثياب، أشعثَ الشعر، محطمَ القرنين داميَ الحوافر ومقلمَ الأظافر، فقد وصل إلى مقره عدوًا، لم ينل قسطًا من الراحة، وقبل أن ينقله أعوانه إلى فراشه كان آخر ما تفَوَّهَ به:
- لقد قتلوني هذه المرة.. لا زالت شجرتهم ثابتة، ثابتة .. ثا.. بـ.. تـ.. ـة..
ثم راح في إغماء طويل.