العنوان الشباب العربى والتدفق الإعلامى
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003
مشاهدات 0
نشر في العدد 1579
نشر في الصفحة 34
السبت 06-ديسمبر-2003
الشباب
العربى والتدفق الإعلامى
الدراسات
الاستشرافية الغربية تؤكد
أن «الإسلام» سيكون الدين الأول خلال العشرين سنة المقبلة، وبالتالي سيصبح العالم
الإسلامي محور الحراك العالمي والحضاري
الغرب
يوجه سهامه وسمومه الإعلامية ويجرد حملات الغزو الثقافي والحضاري لتخدير عقول الأجيال الحاضرة، سعيًا للتحكم بالمستقبل.
الإعلام
في عصرنا الحالي يقوم بدور السلطة العسكرية الغاشمة في حرب القيم والأنماط
الحضارية.
أصبح
من قبيل التكرار القول إن الإعلام
اليوم يشكل عصب الحياة المعاصرة،
فنحن نعيش عصرًا طابعه الغالب
عليه إنتشار البث الإعلامي وتوسع
مدى هذا الانتشار على مستوى الكوكب،
فالإعلام اليوم تجاوز الحدود وتخطى
المسافات، بل قفز حتى على شروط الواقع الاجتماعي والتفاوت المجالي بين المدينة
والقرية، بحيث إنك قد تجد مناطق في العالم العربي تفتقر إلى البنيات التحتية
الضرورية كالربط الكهربائي مثلًا، ولكنك تجد الإعلام حاضرًا فيها، ومن المعتاد أن
يلاحظ المرء في هذه
الجهات ذات المستوى التنموي المنخفض الأطباق اللاقطة أو (الدش) مزروعة فوق أسطح
البيوت.
إدريس
الكنبوري
Elganbouri2001@yahoo.fr
وغني
عن القول إننا في العالم العربي نعيش في وضع المستقبل والمتلقي، لا في وضع المرسل
والباعث، إننا نتلقى البث الإعلامي ولا تصدره، وفي هذا الوضع تتزايد فرص الاختراق
الثقافي، وتضيق مساحة الرؤية لدى جيل الشباب العربي، ويصبح للإعلام المعاصر الدور
الأكبر في تشكيل وعي هذا الجيل، خصوصًا في غياب البدائل الكفيلة بحفظ التوازن لديه
بين الارتباط بالهوية، والانسياق خلف البهرجة الإعلامية الحديثة.
من
الاستعمار إلى «السلطة الناعمة»
يوجد الوطن العربي والعالم الإسلامي في مركز
التأثير الإعلامي العالمي، والغربي منه بوجه الخصوص، ومرد هذه الأهمية أمران أساسيان:
الأول:
أن العالم العربي والإسلامي هو المنطقة التي تضم أوسع قاعدة من شريحة الشباب الذي
يمثل ضمير المستقبل، وتقول البحوث والدراسات التي أنجزت في الغرب حول مسألة
التزايد السكاني في العالم إن المنطقة العربية ستضم عام ٢٠٢٥ نسبة من الشباب تفوق
نصف السكان، ناهيك من الدول الإسلامية الواعدة ديموجرافيا، وفي مقابل هذا النمو في
شريحة الشباب في الوطن العربي ستواجه الدول الأوروبية زحف الشيخوخة وتقلص شريحة
الشباب، هذه المعاملة غير المتوازنة، جعلت الغرب بدق ناقوس الخطر منذ وقت مبكر،
ودفعته إلى ابتداع تعبير القنبلة السكانية في العالم الإسلامي، التدليل على
التهديد الذي يستشعره من التراجع السكاني فيه، ويقول عالم الديمجرافيا الفرنسي جون
كلود تشيرني، في كتاب حديث له بعنوان: «أفول الغرب: السكان والسياسة» إن المعادلة
السكانية المختلفة بين الغرب والإسلام ستؤدي بنظره إلى ما يسميه «انجراف القارات»،
بسبب قوافل الهجرة نحو الغرب من بلدان العالم الإسلامي، ومن ثم إلى أفول الحضارة
الغربية، أو ما يسميه «الدورة الحضارية الأوروبية» التي ستتوقف، أما الأمر الثاني: فهو الدين الإسلامي الذي يمضي
في الانتشار وتوضح الدراسات الاستشراقية العربية، أن الإسلام سيكون الدين الأول في العالم خلال
العشرين سنة المقبلة، فيما ستتراجع نسبة معتنقي الديانتي المسيحية واليهودية
والأديان الإحيائية الأخرى إلى مرتبة أدني بعد الإسلام والكونفوشيوسية، وتلزم
الإشارة في هذا الباب إلى أن نظرية صدام الحضارات الأمريكي صامويل هانتنجتون ترتكز
على هذه المعطيات الرقمية، والمعطى الديموجرافى المذكور، وتخلص إلى تحذير الغرب
المسيحى ودعوته إلى إنشاء نوع من القلعة أو الحصن الحضارى الواقى من الزحف الإسلامى
والكونفوشيوسي في تصوره، إن هذه المركزية التي يتمتع بها العالم الإسلامى، والبشارات
المستقبلية التي ترشحه إلى أن يكون محور الحراك العالمى الحضارى مستقبلًا، جعلت من
الطبيعي أن يكون هدفًا لكل السموم الإعلامية وأشكال الغزو الثقافى والحضارى، وذلك
لأجل تخدير عقول الأجيال الحاضرة التي ستكون عماد المستقبل للتحكم في هذا المستقبل
وإعاقته وكبح طموحات أبنائه ممن هم من شباب اليوم، إن الإعلام في عصرنا الحالي
يشكل بالنسبة للغرب إزاء العالم الإسلامى ما شكلته القيادات الاستعمارية الغربية
المحلية، بالأمس إبان الموجة الاستعمارية التي غمرت الدول العربية والإسلامية، فقد
تمكن الغرب في جل هذه البلدان من تكوين نخبة متشبعة بقيمه ومبادئه، استطاعت فيما
بعد أن تتحكم في دواليب السياسة والثقافة والاقتصاد، وأن تعطل مسيرة النهوض
الحضاري والتجدد طوال خمسة عقود من الزمن وما دام لم يعد ممكنًا اليوم التوسل
بأساليب الاستعمار المباشرة والسلطة العسكرية الغاشمة، فقد جاء الإعلام ليؤدي نفس
الدور، ولكن من خلال ما يمكن تسميته بالسلطة الرمزية، أو «السلطة الناعمة» بتعبير
الياباني ناي أوونزي، التي أطلقها عام(۱۹۹۹)
وعنى بها «القدرة على تحقيق مردود في الشؤون الدولية من خلال الأستقطاب أكثر مما
يمكن تحقيقه عبر الإكراه المادي»، وعد من جملتها التأثير الإعلامي الكاسح.
حرب
القيم
لقد شكلت إرهاصات العونة بداية حرب جديدة بأدوات
جديدة، والمؤكد أننا في القرن الحادي والعشرين على موعد مع حرب القيم والأنماط
الحضارية ستكون أعنف من جميع الحروب، لأنها ذات أساليب خفية، وربما كانت العولمة
نفسها هي أكثر هذه الأساليب خفاء، فالعولمة في ظل الاحتلال الكبير بين الشمال
والجنوب، لا يمكنها إلا أن تكون احتلالًا بغيضًا، لأنها في ظل هذا الاحتلال بمثابة
ضخ المزيد من القوة والحيوية ثقافة
معولمة أصلًا بالنسبة للجنوب، وهي الثقافة الغربية، فماذا بإمكان الجنوب تقديمه
للغرب باسم هذه العولمة، وتحت شرعيتها العالمية؟، ليس بإمكانه سوى أن يحني ظهره أمام سيل جارف من البث الإعلامي
الغربي، والذي يعبر عنه تعبير «التدفق
الإعلامي» جيدا، لأن التدفق يعني الانسياب من جهة واحدة في هذا العالم الغربي
والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. خطورة حرب القيم غير المعلنة هذه، في
كونها تعتمد وسائل الإعلام الحديثة كقنوات لتسريب سمومها وتصويب سهامها الطائشة
نحو الفئات الهشة في العالم الإسلامي، أي الأطفال والشباب من الجنسين، وكون
الإعلام اليوم أصبح يغطي مساحة أوسع مما تغطيه الأسرة والمدرسة والكتاب والنادي،
مما أحدث تغيير في مفاهيم وأساليب التنشئة التربوية والاجتماعية والنفسية، وتستهدف
هذه الحرب علمنة الحياة اليومية للشباب العربي، وتغريب وعيه ولسانه أيضًا، وإغراقه
بشتى أساليب التسلية واللعب والكسل الفكري والبطالة الثقافية، والاغتراب الحضاري
لصالح النموذج الغربي (واحد من كل
ثلاثة شبان عرب يعلمون بالهجرة)!. ويندفع
الغرب اليوم في تطوير أساليب التوجيه الإعلامي والبث في إتجاه العالم الإسلامي
بشكل غير مسبوق، مركزًا على فئة الشباب التي تسهل مخاطية غرائزها ومداعبة أمها،
وهناك اليوم قوة نارية ضخمة تتشكل من أكثر من 50 محطة إرسال، وتسعين موجة إذاعية،
فيما يجري ضخ المزيد من هذه الترسانة الإعلامية الموجهة بالأساس نحو العالم العربي
والإسلامي، وبعد الحادي عشر سبتمبر (۲۰0۱)
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أن الحرب -ضد ما تسميه بالإرهاب، وتزعم أن
جذوره موجودة في الإسلام- يجب أن تنطلق من البعد الثقافي ومحاربة البنيات الثقافية
في العالم الإسلامي، وقد شرعت الولايات المتحدة في نهج سياسة إعلامية قوية للترويج
لمبادئها وأفكارها وإشاعتها في صفوف أبناء المسلمين، ففي شهر مايو من العام الماضي،
تقدم السيناتور الأمريكي تيد كيندي لمجلس الشيوخ نيابة عن عشرة آخرين من أعضاء المجلس بمشروع
اسم «الجسور الثقافيةلعام 2002»، ترصد له ميزانية تبلغ 75 مليون دولار،
هدفه احتواء شباب العالم الإسلامي ثقافيًا، وصناعة قادة المستقبل في الدول
الإسلامية من داخل المؤسسات الثقافية الأمريكية ضمانًا؛ لاستمرار مسلسل التبعية
الحضارية، وقال مستشار الأمن القومي في ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون
في شرحه لأهمية إنشاء قناة فضائية إسرائيلية ناطقة بالعربية وموجهة إلى العالم
العربي: إن نصف الشعب في المملكة العربية السعودية تحت سن( ٣٠) عامًا، وإن هذه
الأجيال ليست لها معرفة بالاستعمار ولم تجربه، كذلك لم تجرب الحرب مع إسرائيل، ولم
تعرف القومية العربية انتصارًا أو تحقيق آمال وطموحات.
هذه
هي الأهداف والمخططات التي تستهدف غزو عقول الشباب في العالم العربي والإسلامي،
وضرب مقومات الثبات لديه. وإذا علمنا ضعف أدائنا الإعلامي وأن(۷۰٪) تقريبًا من مواد وبرامج الفضائيات العربية
مستوردة من الغرب؛ أدركنا كم أن المهمة صعبة ومتشعبة، وكم ستكون المعركة سارية على
جبهة القيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل