; الشباب البريطاني .. ومحنته الكبرى !! | مجلة المجتمع

العنوان الشباب البريطاني .. ومحنته الكبرى !!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011

مشاهدات 63

نشر في العدد 1966

نشر في الصفحة 12

السبت 20-أغسطس-2011

لا أمان نفسياً إلا بالإيمان.. ولا عدالة اجتماعية إلا بالإسلام

أسباب كامنة وراء التمرد والعنف والنهب والتخريب

أعمال الشغب التي شهدتها «لندن» ثم « برمنجهام» و«مانشستر » ومدن أخرى بشكل مخيف ومجنون، أدت إلى وقفة عصيبة من فئات المجتمع، وهي ترى انهيار منظومة الأخلاق والقانون والعرف على يد الجيل الجديد والاعتداء على الممتلكات بذلك القدر من المرارة وعدم الانتماء.. وقفت الأسر والدولة والكنيسة والإعلام والمدرسون والعاملون وسط الشباب مذهولين لما حدث، وأصابع الاتهام تشير إليهم.. وهناك أسباب كثيرة أدت إلى محنة الشباب البريطاني وتمرده منها : أزمة الثقة بينهم وبين الشرطة وفشل المنظومة التعليمية، وغياب الدور التربوي للأسرة، وضياع الأخلاق والدين، والمادية، والفقر والبطالة والأزمة الاقتصادية، والطمع، والظلم الاجتماعي، وانتشار العصابات الإجرامية، والتقليد .. ألا يدعونا هذا إلى وقفة تدبر في حال المجتمعات الغربية وحاجتها القصوى للإسلام ؟!

ما الذي سبب أحداث الشغب؟ هل توجد أزمة الثقة بين جهاز الشرطة والشباب؟ هل أججت الشرطة بسلوكها مشاعر المواطنين الذين كانوا يحتجون بشكل سلمي على مقتل الشاب الأسود مارك دوجان على يد الشرطة في منطقة «توتينهام»؟

يبدو أن الشرطة - كما تقول صحيفة « الإندبندنت »(1) - تعاملت مع الحادث بعد وقوعه بشكل غير سليم؛ حيث اضطرت عائلة الضحية للانتظار ٣٦ ساعة لرؤية جثمانه، وحين نظم بعض المواطنين وقفة أمام مركز الشرطة مطالبين بتفسير لما حدث لم تتعاط الشرطة معهم.. إلا أن الصحيفة ترى أن الشرطة ليست في وضع سهل فمن جهة إذا واجه رجالها الشغب بحزم فسوف يتهمون بالاستخدام المفرط للقوة أما إذا تعاملوا بشيء من التحفظ مع الوضع كما فعلوا في البداية - فسوف يتهمون بالتفريط .. وقد بدأت الشرطة بتنفيذ تعهداتها بملاحقة الذين نهبوا المحلات من خلال استخدام الصور التي التقطتها كاميرات الفيديو وقدمتهم للمحاكمة. وتطرح صحيفة «الديلي تليجراف» (2) السؤال نفسه، وتجيب: «بعض المعلقين يقولون: إنها مبررة ومفهومة، وآخرون يقولون: إن اندلاع أحداث العنف كان نتيجة الارتفاع نسبة البطالة والفقر في المناطق التي اندلعت فيها».

تصاعد العنف كان نتيجة لارتفاع نسبة البطالة والفقر في المناطق التي اندلعت فيها الأحداث

 وتستعرض الصحيفة بعض تعليقات سكان المناطق التي اندلعت فيها أحداث العنف، فهم يلومون الشرطة ويتهمونها بعدم الاهتمام بهم، وقال عامل شاب: «إن الطريقة التي تتعامل بها الشرطة مع السود توحي بأنها تعتبرهم لا شيء».. وأبدى بعض السكان ملاحظة مفادها أن الذين قاموا بأعمال النهب كانوا ذوي بشرات مختلفة» في إشارة إلى أن الأحداث لا تحمل طابعاً عرقيا . أما موقف الشرطة السلبي في بداية الأمر، فقد يكون بسبب انتهاجها سياسة عدم استخدام القوة إلا كملاذ أخير، مثلما حدث أثناء الاحتجاجات الطلابية التي أعقبت رفع الرسوم الجامعية مؤخرا .. وقد يعود حذر الشرطة كذلك إلى تقرير «سكارمان» الذي نشر في أعقاب أحداث الشغب التي اندلعت عام ١٩٨١م في «بريكستون بلندن، والذي أفرز موقفا يرتكز إلى أن جهاز الشرطة هو جهاز أبيض لا شأن له بالمناطق السوداء».

جذور الشغب

وفي محاولة لمعرفة جذور القضية، قالت صحيفة «الجارديان»: «منذ وصول الائتلاف الحكومي إلى السلطة شهدت بريطانيا عدة احتجاجات، كان السبب وراءها مختلفا ولكن المشترك بينها جميعا أنها ضد عمليات التقليص في الميزانية التي نجم عنها سياسة تقشف فرضتها الحكومة».

وترى الصحيفة أن السياسات الحكومية التي شهدها العام الماضي بينت الشرخ بين ذوي الامتيازات والمعدمين، ولكن حالة التململ الاجتماعي لها جذور أعمق من ذلك... ففي المنطقة التي اندلعت فيها شرارة الاحتجاجات، توجد رابع أعلى نسبة للأطفال الفقراء في لندن، كما أن نسبة البطالة تبلغ ۸۸، أي ضعف المعدل في البلد، ونسبة ١٠% من سكان البلاد أغنى بمائة مرة من الفقراء. (3) ویرى «ريتشارد ويلكنسون» و«كيت بيكين مؤلفا كتاب لماذا المساواة هي الأفضل للجميع أن الظاهرة المسماة «مشكلات اجتماعية أكثر شيوعا في المجتمعات التي تنعدم فيها المساواة منها في المجتمعات التي تسود فيها المساواة.

كيف تحوّلوا إلى لصوص ؟

لقد كشفت حوادث الشغب هذه صوراً مذهلة ومتنوعة من العنف المدني، ولم يعبأ الكثيرون من اللصوص بإخفاء وجوههم وهم يقتحمون متاجر الأجهزة الكهربائية والملابس والأدوات الرياضية ومحال الخمور بل إن بعضهم توقف قليلا كي تلتقط لهم الصور وهم يحملون غنائمهم بكل فخر ثم نشروا تلك الصور على مواقع التواصل الاجتماعي (4)!

ويقول البروفيسور «جون بيتس»، وهو أستاذ في علم الإجرام ومستشار لكثير من الهيئات البريطانية: إن كثيرين ممن تزعموا حركة النهب معروفون بالفعل لدى السلطات في لندن، بينما الآخرون انجرفوا إلى ذلك العمل بدافع من التقليد . ويقول عالم نفسي آخر هو «د. لانس وركمان»: إن مجرد مشاهدة النهابين وهم يخرجون من المتاجر حاملين الغنائم دون ممانعة من أحد هو في حد ذاته دافع الآخرين كي يرتكبوا الفعل نفسه. أما «د. جيمس طومسون» أستاذ علم النفس في جامعة لندن «كوليدج» فيرفض مفهوم أن بعض من قاموا بالنهب قد انجرفوا بدافع من التقليد، مؤكدا أن عنصر الاختيار الحر يكون قائما في كل الأحوال.

ميول إجرامية

ويقول علماء النفس: إن الفرد يفقد منظومته القيمية عندما يكون داخل جماعة غير أخلاقية»، ويختفي لديه الوازع الأخلاقي الذي تنضوي تحته العوامل التي تمنعنا من ارتكاب الجرائم مثل التدين والشعور بالذنب أو التعاطف مع الآخرين أو التصرف بأخلاق نبيلة، وفي الوقت نفسه تتطلق النوازع المعاكسة من عقالها؛ فتفتح الباب أمام أنماط السلوك السلبي التي يرفضها الأفراد باعتبارها جريمة.

فأحد المفاهيم في تفسير ذلك السلوك هو ما يطلق عليه «ذوبان الفرد»، فيعتنق الفرد قيم الجماعة المشاغبة عندما يكتشف أنه قد يصبح مهددا بالنبذ، أو سيوصم بالجبن إن لم يفعل ذلك، كما أن قيم الجماعة تبدو في تلك الحالة أكثر بريقا بما تنطوي عليه من روح للمغامرة والتحدي.

والمفهوم الثاني يسمى «نظرية السلوك الجديد»، وهي تقوم على أن معظم هؤلاء الصغار لم يسبق لهم أن شاركوا في أي عمل مشابه للشغب من قبل، ولذلك فهم لا يعرفون على وجه اليقين ما هو السلوك الأمثل للاحتجاج على ما يرون أنهم محقون فيه، ويكون الحل السهل أمامهم هو تقليد ما يفعله الآخرون، فإذا كان الآخرون ينهبون المحلات التجارية، فإن معنى ذلك أن النهب طبيعي في ذلك الموقف، أو على الأقل هو أحد مظاهر الاحتجاج التي يمكن أن تمضي دون عقاب.

ويؤكد عالم النفس «د. لانس وركمان» أن بعض من يشاركون في نهب المتاجر ربما تتولد لديهم منظومة أخلاقية مؤقتة ومستوحاة من اللحظة، ويكون العنصر المحرك فيها هو الحقد الاجتماعي على الأغنياء الذين يتمتعون بالسلع التي لا أتمتع بها أنا»، وبذلك فإن الفرد يصنع مبرراً يسوغ به لنفسه ذلك الفعل؛ وهو أن من حقه أن يستمتع بتلك السلع.

بلطجة أم نهب؟

وبالنسبة للفرد العادي، يبدو إشعال النار في إحدى الحافلات أو النهب من متجر أمرا مرفوضا وبكل بساطة، ولكن بعض علماء النفس يؤكدون أن العوامل الاقتصادية تؤدي دورا لا يمكن إغفاله في معادلة العنف في المجتمع.. فيقول «د. بول با جولاي» عالم الاجتماع في جامعة «ليدز»: إن من ينخرطون في مواجهات مع الشرطة هم عادة من الشباب الذكور الصغار، أما النهابون فيكون من بينهم صبية وفتيات، مما يوحي بأنهم بحاجة لتلك السلع لقيمتها حيث ستعطى لأمهات وآباء عاطلين.

ويُعزى كون النهب كان هو الظاهرة الأبرز في الأحداث إلى تغير طبيعة الأسواق وطبيعة الشباب في آن واحد، فإذا قورنت الأحداث الأخيرة بأحداث الشغب في الثمانينيات لوجدنا أن من يريد النهب الآن سيجد ما يزيد بكثير عما كان موجودا قبل ذلك وخاصة أجهزة الهاتف المحمول واللاب توب والتلفزيونات الرشيقة وغيرها، كما أنها سلع تجمعها خواص مشتركة، أبرزها صغر الحجم وارتفاع الثمن، مثل هذه السلع الجذابة لجيل الشباب تدفع المشاركين في النهب إلى التساؤل : كيف لي أن أحصل على هذه الأشياء إن لم أحصل عليها الآن؟». ويفرق البعض بين النهب والبلطجة فينظرون إلى النهب في إطار أوسع من الغضب الاجتماعي المتصاعد بين الشباب بسبب البطالة، وتفاوت فرص التعليم بين الأغنياء والفقراء، وكذلك التفاوت الكبير في مستويات الدخل.

ويقول البروفيسور «جون بيتس»: إن معظم المشاركين في أحداث الشغب ينحدرون من أحياء فقيرة (سودا وبيضا)، ولم يعرفوا طعم الراحة في حياتهم، وليس لديهم ما يخسرونه .. فهؤلاء لا مهنة لهم ولا مستقبل والمجتمع البريطاني ينظر إليهم على أنهم «ليسوا مثلنا ، بل يعيشون بعيدا على الهامش، ولا شأن لنا بما يعتمل في داخلهم من غضب وإحباط وشعور بالحقد والاغتراب».

مسؤولية جماعية

يطرح شون بيلي في صحيفة الجارديان (5) أسئلة، مثل: من المسؤول عن فرض القانون والنظام في البلاد؟ ومن المسؤول عن سلوك الشباب؟ وهل يمكن لنا أن نلوم الدولة بينما تم السماح للآباء بالتخلي عن مسؤوليتهم عن سلوك أبنائهم؟ ورد «بيلي» على هذه الأسئلة هو أن المشكلة الكبرى التي واجهت البلاد على مدى العقدين الماضيين هي «أن كل شخص يعتقد أن على الحكومة أن تقوم بكل شيء، فقد استبدلت مسؤولية الدولة بالمسؤولية الشخصية أو مسؤولية المجتمع الصغير، وإن أعمال الشغب قد برهنت لنا على خطأ هذا النهج في التفكير».. ويختم «بيلي» مقاله بالقول: إننا جميعا مسؤولون عن أعمال الشغب هذه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فقد وقفنا نرقب الحكومة السابقة تتحدث عن حقوق للشباب دونما ذكر للمسؤولية .. وأضاف: لقد سمحنا لنظام الرفاه الاجتماعي بدعم أساليب معيشة غير أخلاقية، ولم نعلم صغارنا أن ثقافة الحق في امتلاك أي شيء غير صائبة أخلاقيا نحن بحاجة إلى أن تنضج معا ونتحمل معاً مسؤولية «المسؤولية».

المجلس الإسلامي البريطاني 

شجب المجلس الإسلامي البريطاني ما حدث، وطالب المجتمعات الإسلامية والشباب بتقديم أي مساعدة ممكنة في عملية التنظيف والتطهير .. وقال في بيانه: «نضم صوتنا إلى النداء من قبل السلطات لحث الآباء والأمهات على توخي مزيد من الحذر على أطفالهم».

وتابع: «وهناك أسئلة حول ما أدى إلى قيام الشباب بهذه البلطجة، ولكن الآن الأوقات الصعبة تتطلب الوحدة والتضامن ومن الضروري أن يتم توفير المحافل النشطة والمناسبة والاستفادة منها للعمل من أجل استعادة السلام والثقة والاحترام المتبادل بين جميع شرائح المجتمع».. وحيا البيان أسر ثلاثة من الشباب المسلم الذين دهستهم سيارة مجرمة عمدا حينما كانوا يقومون بحماية ممتلكات الجيران خلال أحداث الشغب في «برمنجهام»، وقال: «إن شهامة «جهان طارق» (والد أحد الشهداء الذي أظهر رباطة جأش كبيرة، ودعا إلى عدم التهور) وكرامة التأبين وسكينته بالمسجد ستبقى في الذاكرة لسنوات مقبلة كأمثلة على الثبات البريطاني المسلم والحس السليم».

كبير الأساقفة

من ناحيته، أنحى د . روان ويليامز كبير أساقفة كانتربري - في كلمته أمام مجلس اللوردات (۷) - باللائمة على الأبوة والأمومة ونظام التعليم، ودعا إلى تحليل دقيق لكل ما حدث، وإلى الالتزام بتثقيف الشباب ليكونوا مواطنين صالحين. وقال: «على مدى العقدين الماضيين الكثيرون يوافقون على أن العديد من فلسفتنا التعليمية على كل المستويات يسيطر عليها نموذج «المغنيين، وعازفي الآلات الموسيقية» أكثر وأكثر، ولكننا أقل قلقا واهتماما ببناء الشخصية والفضيلة والمواطنة، أو ما يسمي «التميز المدني»، وإن نظاماً تعليمياً جيداً في مجتمع سليم هو الذي يبني الشخصية ويبني الفضيلة.

وأضاف: «إن مشهد الشباب لم يكن فقط واحدا من المشاهد الأكثر إثارة للقلق في الأيام الأخيرة، بل حتى الأطفال في سن المدرسة، والأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم سبع سنوات يشاركون في أعمال الشغب... وبالتأكيد يجب أن يكون على رأس أولوياتنا استجابة لهذه الظروف السؤال عما ينبغي القيام به ليس فقط من حيث إعادة بناء مهارات الأبوة والأمومة في بعض مجتمعاتنا ولكن أيضا إعادة بناء التعليم في حد ذاته». ونحن نقول: لقد أثبتت تلك الأحداث أنه لا أمان - نفسياً أو اجتماعياً - إلا بالإيمان، ولا عدالة اجتماعية إلا بنظام الإسلام، ومراقبة التقوى هي البديل الأوحد عن مراقبة الكاميرا أو الشرطة، فالأسرة الصالحة هي سر صلاح الفرد والتربية الإسلامية هي النجاة للجيل الجديد في كل مجتمع .

موقف الشرطة السلبي في بداية الأمر سببه انتهاجها سياسة عدم استخدام القوة إلا كملاذ أخير

«الجارديان»: «منذ وصول الائتلاف الحكومي إلى السلطة شهدت بريطانيا عدة احتجاجات كان السبب وراءها مختلفا »... 

ولكن المشترك بينها جميعا أنها ضد عمليات تقليص الميزانية التي نجم عنها سياسة تقشف فرضتها الحكومة

 لم يعبأ الكثير من اللصوص بإخفاء وجوههم.. وحرص بعضهم على التقاط الصور وهم يحملون غنائمهم ثم نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي !

المجلس الإسلامي البريطاني شجب ما حدث وطالب المجتمعات الإسلامية والشباب بتقديم المساعدة في عملية التنظيف

كبير أساقفة «كانتربري » أنحى باللائمة على الآباء والأمهات ونظام التعليم.. ودعا إلى تثقيف الشباب ليكونوا مواطنين صالحين

 الأسرة الصالحة هي سر صلاح الفرد .. والتربية الإسلامية هي النجاة للجيل الجديد في كل مجتمع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

124

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

127

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟