; الشاعر محمد الحسناوي والفاصلة في القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان الشاعر محمد الحسناوي والفاصلة في القرآن الكريم

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

مشاهدات 0

نشر في العدد 174

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

الأدب

يقدمه: أحمد محمد عبد الله

الشاعر محمد الحسناوي والفاصلة في القرآن الكريم

في أدب الأستاذ الشاعر محمد الحسناوي نفحة إسلامية، وروح موضوعية، واتجاه إنساني، تجعله متميزًا عن كثير من المفكرين والأدباء الإسلاميين ممن عرفناهم قديمًا وحديثًا.

صدر له حديثًا من- الدار العلمية- في بيروت ديوان شعري بعنوان «عودة الغائب» يتضمن مقدمة عن «الشعر والشعر الإسلامي». والديوان محاولة جادة لإيجاد مدرسة إسلامية شعرية تواكب العصر الحديث بمعطياته العلمية والفنية والإنسانية دون تعارض مع روح الإسلام ووجهة نظره الشمولية في الحياة.

وفي الآونة نفسها كان الشاعر يقدم رسالة الماجستير: «الفاصلة في القرآن علمًا وفنًا» لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية ببيروت وقد رأينا أن يشتمل اللقاء على مناقشة الرسالة والديوان بما يربطهما من التزام إسلامي وخط فكري واحد تجاه القضايا المعاصرة في أكثر الفنون.

وطرحنا عليه هذه الأسئلة

س: ما هي مميزات الكتاب- الأطروحة-؟

ج: لهذه الأطروحة «الفاصلة في القرآن علمًا وفنًا» عدد من المزايا أولها: التوفر على دراسة جزء مهم من أسلوب القرآن ألا وهو كلمة آخر الآية بذاتها وبعلاقاتها بالآية وبالمقطع وبالسورة وبالقرآن كله من الوجهتين الصناعية والجمالية مما يسهل تذوق القرآن الكريم.

ثانيها: إن الأطروحة تربط التعبير الفني في القرآن بأدبنا العربي قديمه وحديثه وبهمومنا الفنية المعاصرة لا سيما الشعر الحديث «التفعيلة».

ثالثها: إنها كشفت عن كتب مخطوطة بعضها مفقود وبعضها موجود أفردت كلها لدراسة الفاصلة في القرآن.

رابعها: إنها تطرح اقتراحًا يحتاج إلى فتوى كبار العلماء حول طبع القرآن الكريم بشكل جديد ألا وهو كتابة الآيات سطرًا سطرًا مما يبرز موسيقاها مختومة بالفواصل كما يستوحي من نص القرآن وما يفهم عند أغلب رجال القراءات.

خامسها: إنها كشفت عن إمكان تطوير موسيقى الشعر العربي باستنباط عرض جديد مستمد من موسيقى الفواصل بخاصة، ومن موسيقى الآيات بعامة.

سادسها: إنها نبهت على ضرورة إعادة النظر بشكل مفصل في نشأة كل من الموشحات الأندلسية والشعر الجديد على ضوء هذا البحث.

سابعها: إنها أكدت على ضرورة الإفادة من علم الأصوات في الكشف عن موسيقى القرآن جميعًا.

س: ما هي ضرورة الكتاب فنيًا وفكريًا بمعنى: ماذا يقدم هذا الكتاب من جديد فنيًا وفكريًا؟

 ج: الغاية من إخراج هذا البحث يمكن إدراكها في الجوانب التالية:

١- وصل ما انقطع من أسباب بإمام العربية الأول في البلاغة وهو القرآن الكريم.

٢- محاولة للكشف عن موسيقى القرآن المعجز للإفادة منها في استنباط عروض جديد للشعر العربي فيما لو تعاون نقدنًا الأدبي مع علم الأصوات 

الفاصلة القرآنية: توافق أواخر الآي في حروف الروي أو في الوزن مما يقتضيه المعنى وتستريح إليه النفوس 

كتاب الفاصلة.

٣- البحث عن جذور أصيلة لحركة التجديد في فنوننا وآدابنا المعاصرة في الغزو الثقافي.

س: ما هي العلاقة بين الفاصلة من جانب وبين الشعر والقافية من جانب آخر كما وصلت إليها عبر طوافك التاريخي وبحثك العلمي والفكري عنها؟

ج: عرف الأدب العربي لونين من التعبير الفني المموسق: الشعر المتوج بالقافية والنثر المرصع بالسجع. فجاء القرآن الكريم بما هو غير القافية والسجع بالآيات المكللة بالفواصل. إن هناك علاقة غير يسيرة بين الفاصلة والقافية والسجعة كما أن هناك تمايزًا في الوقت نفسه، حتى أن القدامى سموا بعض فواصل القرآن إسجاعًا أو قوافي لتسهيل البحث وفي حدود العلاقة والتميز علينا أن نخرج بمقارنات جمالية نقدية لا أول لها ولا آخر.. أولها: جرد ما علق بالقافية والسجعة القديمة من أوضار وشوائب وآخرها تطوير هذه الخواتم الفنية الفريدة التي عرضت أول ما عرفت ونقلتها الآداب الأجنبية عنها كما يرى عباس محمود العقاد في كتابه «اللغة الشاعرة» والمستشرقة الألمانية زيغريد هونكة في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» وغيرها من العلماء العرب والأجانب. أما ما وصلت إليه من نتائج في علاقة الفاصلة بالقافية فأمور عجيبة لا تكاد تصدق وفواصل القرآن قد سبقت الشعر الحديث إلى تنوع القوافي.. قافية قافية أو مقطعًا مقطعًا كما سبقت إلى تنويع الجملة الموسيقية طولًا وقصرًا.. في الآيات المتتابعة بل جاءت بأشياء لم تعرف بعد على وجهها الفني فهناك الفاصلة المنفردة التي تختلف عما قبلها أو بعدها في الروي والوزن في ثلاثة وعشرين موضعًا بشكل ساحر وهناك أخيرًا وليس آخرًا التعبير الموسيقي عن معان موحية كثيرة من خلال الحروف المفردة ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون (القلم: 1)، «ا.. ل.. ر.. كهيعص حم» نجد شبيهة في الشعر الأجنبي الرمزي ولا نعثر عليه إلى الآن في آدابنا الحديثة.

يضاف إلى ذلك كله غلبة القوافي الساكنة المقيدة في فواصل القرآن وفي قوافي الشعر الحديث.. ثم امتياز القرآن بالاعتماد على حروف المد التي هي ضمائر أو كالضمائر في الألف ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. (الرحمن: 13) أو بالياء والواو في آيات أخرى.

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. (البقرة: 2-3). وغير ذلك مما لا يتسع المجال الآن لاستقصائه.

س: كلنا يتفق أن القرآن كتاب فني وعلمي وديني كيف يوفق القرآن الكريم بين هذه الأبعاد الثلاثة؟

 ج: الحق أن القرآن الكريم كتاب ديني في الأصل وقد حقق أغراضه بالوسائل الفنية التي عرف بعضها والتي ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدرس على ضوء المعطيات الحديثة كعلم الجمال، ثم إن القرآن الكريم لم يهدف في الأصل إلى تقرير نظريات علمية وماورد فيه من إشارات ونظرات علمية ليس الغرض منها تأسيس العلوم، بل التأمل في ملكوت الله وهذا لا ينفي أن القرآن أعطى تصورًا لا مثيل له للإنسان والكون والحياة مما جعل العرب يبنون الحضارات ويمتلكون ناصية العلوم.. أما ما في القرآن من أبعاد فنية فيمكن أن تكون منطلقات من حيث الأساليب وأسسًا نظرية لاستنباط علم جمال إسلامي ممتاز.

س: أعتقد- كما أعرف- أنك خالفت نازك الملائكة برأيها حول التكرار في الأدب والشعر الجاهليين والإسلاميين.. أرجو إيضاح رأيك حول ذلك؟

ج: رأي نازك الملائكة المشار إليه ورد في كتابها القيم «قضايا الشعر المعاصر» وردي عليها لا يغض من جهودها المشكورة. أن نازك الملائكة تظن ظاهرة التكرار من معطيات الشعر الجديد خلافًا للدكتور عزالدين إسماعيل والواقع كما سنرى. والأكثر من ذلك أنها لم تقع إلا على نوع يسير جدًا من التكرار الفني في القرآن سمته التكرار البياني ولم تفطن إليه إلا من خلال علماء البديع، وأصحاب البديعات حين ذكروا قوله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (الرحمن: 13). وتضيف إلى ذلك أن نقادنا القدامى معذورون في عدم الكشف عن ظاهرة التكرار لأن الأدب القديم لم يتضمن ذلك. ولقد ثبت لي بالبرهان أن التكرار الفني قديم في أدبنا العربي لا سيما في القرآن الكريم فهناك تكرار الحركة في حروف الفواصل كحركة الفتح في سورة الكهف ثم هناك تكرار حروف الروى المعروف بوحدة القافية وهو في القرآن محصور في إحدى عشرة سورة غير طويلة، ثم هناك تكرار كلمة الفاصلة أو القافية وتكرار بعض الآية، بل هناك فوق ذلك تكرار الآية كلها. وتكرار مقطع كامل لا يقل عن ست آيات هذا من حيث جمال التكرار. أما أنواعه الثلاثة التي ذكرتها نازك الملائكة «التكرار البياني- تكرار التقسيم- التكرار اللاشعوري» فقد وجدت في موسيقى القرآن بالإضافة إلى أنواع غير معروفة بعد.

س: أعتقد أن الإسلام عامة وكتابه العظيم القرآن خاصة أعطانا أيضا ملامح مدرسة متكاملة فنيًا وفكريًا وفيها من أسس علم الجمال الرائع والكثير، ولكنه بحاجة إلى تقنين وتنظير هل تعتقد أن ديوانك بالإضافة إلى كتابك يمثلان محاولة على هذا الطريق؟

ج: بالتأكد نعم.. فالمتذوق يجد شيئًا من هذا في ديوان عودة الغائب والناقد المختص يجد أشياء أكثر في أطروحتي «الفاصلة في القرآن علمًا وفنًا» والذي أرجوه أن تتاح لي الفرصة لاستكمال ما بدأت كما أرجو أن يشارك غيري في تحقيق الكثير مما ألمحت إليه. ومما لا أستطيعه وحدي وأظن ذلك الرجاء غير بعيد.

س: يخيل لي أن كتابك بما يطرحه من آراء جديدة وخاصة في الشعر والأدب والفن يمكن أن نعتبرها آراء نقدية ومن ثم نستطيع أن نقول إنك اقتربت من النقد أو تتحول فكريًا لتصبح ناقدًا.. ما رأيك؟

ج: لقد قيل إن الناقد الكبير فنان في الأصل وبالفعل فإنتي أنتجت في ميداني النقد والشعر وهذا لا يعني إنني تحولت نهائيًا إلى النقد، بل أعتبر مشاركتي في النقد جزءًا من بناء قدراتي الإبداعية وتطويرًا لها.

س: هناك رأي يقول إن كبار الشعراء أمثال ت.س اليوت وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة قد تحولوا أيضًا إلى نقاد ومن الطراز الأول ترى ما هي العلاقة بين الشاعر والناقد وما هو سر هذا التحول؟

ج: كما ذكرت سابقًا لا انفصام بين النقد والإبداع أما ليوت ونازك وصلاح فلم يتحولوا نهائيًا عن الشعر، بل عرفوا شعراء مبدعين ونقادًا كبارًا وأرجو أن تكون لي فيهم أسوة.

وهذه الظاهرة ليست جديدة فقد سبق إليها أبو تمام وإذا حصلت هذه الواقعة في العصر العباسي فهي في عصرنا أشد حاجة بسبب تعقد الحياة الثقافية والحاجة إلى المنطلقات الجمالية النقدية في ميداني الإبداع والتجديد.

س: إذا اعتبرنا كتابك- الأطروحة ملامح طريق أو نظرية فما هي انعكاساتها على ديوانك الشعري «عودة الغائب» بمعنى ماذا نستطيع أن نجد في الديوان کمجال طبقت فيه بعض آرائك التي طرحتها في كتابك؟

ج: الواقع أن ديوان «عودة الغائب» قد نظم كله قبل تأليف الأطروحة، ولكن كثيرًا من المعطيات النقدية التي وصلت إليها في الأطروحة قد عانيتها حدسًا في تجارب الديوان فقد خالفت العروض العربي القديم في الديوان بأشكال مختلفة من تنويع القافية إلى التحرر من تقسيمات- العروضيين العمودية في المجزوء والمنهوك ولعل أبرز مثل على ذلك قصيدة «شيخ الفجر» أما مقدمة الديوان ففيها نظرات نقدية أكثر مما تطرحه تجارب الديوان الشعرية لأنها وضعت بعده. وشيء آخر أحب أن أقوله هنا: إن عملي في الفاصلة كان نوعًا من المعاناة الفنية للإبداع في الشعر والفن، ولم أترك الشعر إلى البحث النقدي عن عجز، بل لمزيد من الإثراء النقدي والتأصيل للمنهج الفني الذي أسعى إليه وقد يفاجأ القارئ أن لي ديوانًا شعريًا ليس فيه قصيدة عمودية وأنه يمتاز بجوانب لم تعرف في شعر التفعيلة بعد.

س: أستاذ محمد.. من الملاحظ أنك في الكتاب- الأطروحة قرنت الموضوع بالفنون والآداب سائرها الشعر الحديث منها والقديم ونموذج الموشح والموسيقى والرسم وحتى الخط أعتقد أن ذلك راجع لإيمانك بوحدة الفنون جميعها وبوحدة رسالتها ودورها الخالدين في الحياة.. ما رأيك؟

ج: كل ما ورد في السؤال صحيح وأضيف إليه أن الحياة والفن- ظاهرة من ظواهر الحياة- كل لا يتجزأ يؤثر بعضه في بعض ومن نافلة القول أؤمن بالتوحيد وعلماء الجمال أنفسهم قالوا بهذه المقولة وإيماني هذا لا يستند إلى علم الجمال وحده، بل بقناعاتي الشخصية وأرجو أن أكون موفقًا في التعبير عن هذا الإيمان المتماسك الصلب.

س: في ديوانك «عودة الغائب» ملامح مدرسة شعرية يمكن أن نسميها إسلامية ما رأيك بذلك؟

ج: هذا السؤال يحتاج إلى بيان مفصل فالجواب باختصار نعم وبالتفصيل أقول إن الديوان المذكور يحاول هذه المحاولة وأظنه قد خطا خطوات غير قليلة في هذا السبيل والتحفظ الذي أورده هو أن الديوان ليس أحدث ولا آخر ما أنتجت.

س: هل تعتقد أن محاولتك قد نجحت بالديوان الأول بمعنى أنها حددت ملامح المنهج الإسلامي فنيًا بالشعر أم أنها ما زالت تحتاج إلى الكثير من الممارسة والعطاء منك ومن غيرك؟

ج: «عودة الغائب» ليس ديواني الأول والأخير من حيث النشر والإنتاج وبالفعل لم أزعم حتى بيني وبين نفسي أنني حققت ما أصبو إليه، بل إن الغاية المرجوة تحتاج إلى جهودي وجهود الكثيرين من أمثالي ومن هم خير مني.

أما من حيث تحديد المنهج الإسلامي في الشعر خاصة فأظنني خطوت خطوات لا سيما في مقدمة الديوان النقدية، وهذا لا يغض من قدر الديوان لأن الفن الجميل لا يحسب بعدد الصفحات، بل بعظم المنجزات.

 س: نلمح في ديوانك نفسًا إنسانيًا أمميًا شاملًا كما في قصيدة «أبناء بلال» الإنشادية أو قصيدة «شكوى قرطبة» أو «شبح الفجر» هل تفسر هذا على أنه توافق مع التصور الإسلامي للإنسانية المقترن بديوانك أم أنه فقط اعتقاد مبني على الرأي القائل إنه يجب على الشاعر تجاوز الأمور الإقليمية والبيئة الخاصة والانتقال إلى الأمور المشتركة بين الشعوب والتي تهم الإنسانية للوصول إلى مستوى دولي لهذا الشعر مما يكسبه الانتشار والخلود؟

 ج: ليسمح لي السائل أن أميز الإنسانية من الأممية فقد بانت الأخيرة شعارًا من جهة وهي مضمون أقل إنسانية من النظرة الإنسانية نفسها أما القول بأن الأبعاد الإنسانية في عودة الغائب ترتد إلى العقيدة الإسلامية أو لدواعي الحياة المعاصرة فأمر ليس فيه تباين كبير ذلك لأنني اهتديت إلى إنسانية الإسلام من خلال أممية العقيدة الماركسية فأعجب من كلامي إذا شئت العجب أما القول بأن النظرات الإنسانية تباين أو تناقض القضايا الفردية والقومية فأمر غير صحيح لأن الإنسان الصادق فضلًا عن الفنان هو مواطن في أمته وفي المجتمع الإنساني بأن واحد ذلك لأن البشرية جزء وكل لا يتخلى بعضه عن البعض وكل محاولة للفصل أو للتمييز ترتد بالخطر والتشويه على الفرد وعلى القوم وعلى الإنسانية.

الرابط المختصر :