العنوان السيناريو الآخر
الكاتب مصطفي عطيه جمعة
تاريخ النشر السبت 02-نوفمبر-2002
مشاهدات 97
نشر في العدد 1525
نشر في الصفحة 44
السبت 02-نوفمبر-2002
إن أزمة الفرد العادي الذي يتابع وسائل الإعلام، تتمثل في كونه غارقًا في طوفان متتال من الأخبار والتعليقات، فلا يستطيع أن يرتب أفكاره، ولا أن يضع النقاط على الحروف فيما يحدث، وإنما مواقفه مواقف عاطفية، وبالتالي تكون ردود أفعاله بحسب درجــة الموقف وسخونته تهدأ، ثم تتلاشى من بؤرة الشعور بمجرد تلاشي الخبر من الساحات الإعلامية وإلا من يتذكر كيف تكون نفوسنا عند كل مجزرة صهيونية ثم ينتهي الموقف ولا يخرج كل منا عن دائرة الانفعال التقليدية، ثم يخبو كل شيء، بالرغم من أن القضية لم تخب.
تجرنا تلك النقطة إلى طرح السؤال التالي: ماذا عن مستقبل قضية فلسطين؟
لقد ثارت النفوس وتأججت المشاعر، وتسابقت الفضائيات في إيضاح حجم المأساة الآنية أو السابقة دون طرح سؤال: وماذا بعد ذلك وبناء على سخونة الخبر تحرك الشارع العربي الذي كان أسطورة غائبة في الحسابات السياسية ثم بدأ يهدأ دون أن يرهق نفسه في طرح سؤال: وماذا بعد هدوء العمليات الكل اكتفى بصب اللعنات على اليهود والتباكي وتقديم المساعدة إلى الفلسطينيين، وتلاشى الأمر من بؤرة التفكير بالتدريج. ولأن سؤال المستقبل لا يعنينا كثيرًا بحكم غياب المؤسسات التي تعنى بدراسة علم المستقبليات على المستويين البعيد أو القريب، فإن الفرد العربي لا يجد من ينظم ويبرمج ويضع آلية منتظمة كي يتحول إلى عضو فاعل في مساندة قضايا العرب والمسلمين وفي مقدمتها قضية فلسطين.
وسنسعى إلى الإجابة المقترحة عن السؤال الذي تقدم، وهو ماذا بعد ما يحدث الآن؟ والإجابة يلزمها تأصيل ما حدث، وهو تفجير الشارع الفلسطيني في حركات استشهادية وجهادية على جميع الأصعدة طيلة أكثر من عامين حتى الآن، وقد ترتب على ذلك أمور عدة:
- انكشاف زيف السلطة الفلسطينية وتلاشي مصداقيتها في الشارع بسبب الفضائح المالية والفساد وتقديس الزعيم، والذي سعى إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه دون إصلاح، لأنه يعلم أن دعوات الإصلاح تطوله بشكل شخصي، ويكفي أن التقديرات المتداولة عن حجم ثروته تشير إلى أنها تبلغ ١٢- ١٥ ملیار دولار.
- زيادة لـحـمـة الشعب الفلسطيني وتركه الأطروحات العلمانية التي نادت بجعل القضية قضية عنف سياسي وليست صراعًا عقديًا، فقد التف الشعب كله حول المقاومة وتغير نهج حركة فتح التي يرأسها عرفات نفسه فتبنت في مقاومتها العمليات الاستشهادية، وتشير التقارير من الأرض المحتلة إلى زيادة تعبئة النفوس بالجهاد والرغبة في المقاومة والاستشهاد، وتشير إحصائيات الاستشهاديين إلى أن غالبيتهم من أبناء الشعب وليسوا من الكوادر وأنهم يتسابقون في الشهادة شبابًا وفتيات، فقد تغيرت القدوة، وتبدل النموذج، وبالتالي فلا موضع للأطروحات العلمانية التي يروجها دعاة السلام والتطبيع.
- تسببت الانتفاضة في خسائر ضخمة للصهاينة فعلى الجانب البشري زاد معدل الخسائر أضعافًا في عهد شارون، ناهيك عن فقدان الإحساس بالأمن وتزايد الأمراض النفسية والعصبية، والهجرة المعاكسة والتي وصلت إلى مليون يهودي ما بين هجرة مؤقتة أو دائمة والضعف الشديد للهجرة اليهودية إلى الكيان الصهيوني ورفض مئات الجنود والضباط الخدمة في المناطق الفلسطينية، إما خوفًا أو لعدم إيمانهم بمبرر قتل الأطفال والنساء والعزل وعلى الجانب الاقتصادي وصلت الخسائر إلى مليارات الدولارات، لاقتصاد يعتمد على ثلاثة أسس: الصناعات التكنولوجية وقد انهارت بعد ۱۱ سبتمبر، وصناعات التصدير وقد ضعفت كثيرًا، وصناعة السياحة وقد تقلصت إلى نصفها تقريبًا، ولولا الدعم الأمريكي لانهار الاقتصاد الإسرائيلي.
- بعد هذا العرض الموجز نجيب عن السؤال كيف سيكون المستقبل؟
والإجابة: بالنسبة للمستقبل القريب، فإن الكيان الصهيوني ستشتد الأزمة عليه من كل جوانبها ويكفي أن العام الأول للانتفاضة ۲۰۰۱م، شهد أسوأ كارثة اقتصادية عليه، ولأن النصر يأتي من ساعة صبر زائدة كما يقول عنترة العبسي، فإننا لو صبرنا فإن الأزمة الاقتصادية ستشتد على الكيان الصهيوني، وتخلخل بنيته الاجتماعية، وتدب الخلافات بين أفراده.
وعلى المستقبل البعيد، سيتم الاعتماد على استراتيجية الجهاد، بدلاً من استراتيجية السلام كخيار أوحد دون غطاء عسكري، وهذا ما عبر عنه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس بقوله: لقد جرب العرب خيار السلام وكانت المحصلة تأزم الوضع على الأرض، فلماذا لا يجربون خيار الجهاد والاستفادة من المعطيات على الأرض التي أفرزتها الحركات الاستشهادية والجهادية؟
والسؤال: كيف؟
بجهاد مستمر تواكبه تغطية سياسية عربية تعطيه الشرعية، فليستمر الجهاد، ولتصبر الساعة التي ستجلب النصر، وسيكون السيناريو الآخر كما يلي:
- هجرة معاكسة لليهود من المستوطنات في الضفة وغزة، بسبب فقدان الأمن.
- زيادة في إدانة الكيان الصهيوني دوليًا، ومزيد من التعاطف مع الفلسطينيين.
- إعادة فرز وغربلة قيادات السلطة الفلسطينية بعدما أبانت الانتفاضة عن الخونة والعملاء وأصحاب المصالح الذين مالؤوا اليهود وأتباعهم.
- التفاف الشعب حول قيادات بديلة، تتبنى أطروحات الشارع الفلسطيني، في ضوء إجراء انتخابات نزيهة تفرز قيادات ونوابًا يتبنون قضايا الواقع ومعطياته، وبالتالي سيتغير المفاوض الفلسطيني، ليطرح هموم الشارع.
- سقوط الحكومة الصهيونية، وظهور حكومة جديدة، تتعهد بالانسحاب من الضفة والقطاع الإيقاف الانتفاضة، كما حدث من انسحاب الصهاينة من جنوب لبنان من جانب واحد، وبدون مفاوضات المجرد إيقاف النزيف البشري والخسائر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل