العنوان السيرة الذاتية للشيخ أبي الأعلى المودودي وزوجته محنة السجن.. ودروس في الصبر
الكاتب حميراء المودودي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2008
مشاهدات 54
نشر في العدد 1820
نشر في الصفحة 36
السبت 20-سبتمبر-2008
*سألنا أمنا: لماذا لم يلتفت إلينا والدنا قبل رحيله إلى السجن؟ فقالت لنا: إن الالتفات يضعف همم الرجال ويوهن عزائمهم.
*كان أبي يواجه مواقف الشدة بأعصاب من فولاذ، ويقف أمامها كالجبل الشامخ، فلا يزعزعه برد الحياة ولا يذيبه حرّها.
بقلم: حميراء المودودي (*)
(*) كبرى بنات المودودي، ولدت في ٢٢ يوليو ١٩٤٥م بالهند، وتعيش الآن بمدينة لاهور في باكستان.
ترجمة: نور محمد جمعة (**)
(**) أستاذ بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية بـ الجامعة الإسلامية العالمية في العاصمة الباكستانية - إسلام آباد.
من الناس من هم كالأمة، ومنهم من يشبه الشجر الوارف المثمر، يأوي إليه القريب والبعيد، والكبير والصغير، والمرأة والرجل يرتاحون في ظله ويأكلون من ثمره، ظله يتسع للجميع، ولا يحرم إنسانًا من ثمره مهما كان وقد كانت والدتي صورة صادقة لأمة ظهرت في امرأة، إذ كانت لأولادها التسعة أمًّا وأبًا في آن واحد، ولم تقصر في تربيتنا وتنشئتنا قيد أنملة، وكان الناس يهرعون إلينا من كل حدب وصوب لمكانة والدنا، فما كان يخلو بيتنا من الناس أبدًا، الرجال في الخارج، والنساء في الداخل.
منذ الصغر ونحن نرى الجمعة تقام في بيتنا، فمن الساعة الحادية عشرة صباحًا كانت الفرش والحصير تفرش في الغرفة الكبيرة، وتبدأ أمي في صلاة التسبيح، وما صلَّتها جماعة قط لأنها لم تكن عبادة جماعية. وكانت النساء تأتي من القريب والبعيد، وقبل الجمعة كانت الغرفة تكتظ بالنساء، فكانت أمي تصلي بهن الجمعة، ثم ترتفع الأيادي نحو السماء خاشعة ذليلة في دعاء ومناجاة، وتضْرَع إلى بارئها تضرعًا طويلًا، يعقبها درس في القرآن والحديث ثم دعاء وابتهال إلى الله عز وجل، ثم تنصرف النساء إلى بيوتهن.
كما كانت صلاة العيد تقام في بيتنا، فكانت أمنا تبدأ بالتلبية منذ الفجر وتتهيأ لصلاة العيد، وقبل أن ننتهي من وضع الحصير والفرش، كانت النساء تتوالى وتجلس في الصفوف وتشارك في التلبية، وعندما ترتفع الشمس تذكر والدتي النساء بتكبيرات صلاة العيد، وتصلي بهن بصوتها الندي الجميل، وبعد الصلاة تلقي خطبة العيد، ثم توزع الحلوى على الجميع وتبارك لهم العيد.
مدرسة يوسف عليه السلام
كلما عادت بي الذاكرة إلى الماضي تتجسد أمام عيني تلك الصورة؛ ظلام الليل يداهم العالم كله، تقف والدتي وهي تمسك بأيدي صغارها، بعض الشرطيات يقفن في وجهنا، وبعضهن يفتشن البيت ويقلبن كل شيء رأسًا على عقب، والدي يضع لباسًا واحدًا في حقيبة ويتجهز للرحيل نحو المجهول، وفجأة يقف والدي، ومن دون أن يلتفت إلينا يقول بصوت عال: السلام عليكم، في أمان الله، يحفظكم الله، ويخرج مع الشرطة. كانت هذه أول مرة يتم القبض فيها على والدي، وكان ذلك في الرابع من أكتوبر عام ١٩٤٨م، وعندما سألنا أمنا فيما بعد: لماذا لم يلتفت إلينا والدنا قبل الرحيل؟ قالت لنا والدتي واثقة بنفسها: إن هذه سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما ترك زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في بادية مكة لم يلتفت إليهم، لأن الالتفات إلى الوراء يُضعف همم الرجال وعزائمهم. وكانت والدتي تقص علينا دائمًا قصص الأنبياء، وهذه الإشارة السريعة كانت تكفي لأن نفهم الحكاية كلها.
لما تم القبض على والدي لم يكن في بيتنا إلا دراهم معدودة، فاضطرت والدتي لأن تحدث بعض التعديلات في حياتنا اليومية، فلم تكن تسلم الملابس للغسالة وبدأت تغسلها بنفسها، وهي التي نشأت وترعرعت في بيت الثراء، وولدت وفي فمها ملعقة من ذهب، ولم تكن غسلت قطعة قماش في حياتها قط. واعتذرت للخدم وبدأت تطبخ بنفسها، إلى أن جاءت في الأيام نفسها امرأة عجوز كانت أرملة لسائق عربة، وكانت تحضر لصلاة الجمعة في بيتنا من «أجهره»، فأصرت وألحت على والدتي أن تسكن في بيتنا وتتولى أعمال البيت من الغسيل والطبخ، وقالت لها: توكلي أنت على الله، وقومي بأعباء الدعوة إلى الله، وأنا أقوم بأشغال البيت. وكانت تُدعى «صاحبة الحظ»، ولم نكن نفهم اسمها، فكنا نناديها بـ «صاحبة العصير» وكانت تفرح بذلك.
دروس في التربية
ما كان لسان والدتي يقف عن «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث»، وكانت تعاني من ضيق في التنفس، وفي إحدى المرات التي اشتد مرضها وأتعبها كثيرًا قالت: «زوجي في السجن، فإذا حدث لي مكروه سيفزع أولادي وليس هناك من يعتني بهم». سمعت جدتي كلامها فغضبت وثارت في وجهها قائلة: «لماذا تضربين على وتر اليأس؟ ماذا دهاك؟ اصبري واحتسبي ولا تجزعي، لم يحدث شيء، ضاق نَفَسُك قليلًا فقط».
كانت جدتنا «والدة أبينا» قمة في الصبر، وكانت تواسي والدتي وتنصحها: «لا تدللي أولادك، وربيهم على مواقف الحياة، على العسر واليسر، مرة قدمي لهم قطعًا من الذهب، ومرة اطبخي لهم اللآلئ والمرجان، ومرة أخرى دعيهم يأكلون الخبز والعدس أو الخبز والحليب. فلا تربيهم على وتيرة واحدة، ولا تطيعيهم في كل ما يطلبون؛ الآباء والأمهات يفسدون أولادهم بحياة الراحة والنعيم، وينسون أن الظروف لا ترحم». وكانت تقول: «أنا ربيت أولادي بهذه الطريقة، مرة كنت أقدم لهم أشهى الأطعمة، ومرة أخرى لا أضع أمامهم إلا العدس أو اللبن والخبز» ولعل هذا هو السبب في أن الوالد كان يقف كالجبل الشامخ أمام مواقف الشدة واليسر في الحياة، فلا يزعزعه برد الحياة، ولا يذيبه حرّها، فكان يواجه أشد المواقف وكأن أعصابه خُلقت من فولاذ، كان يرقع ملابسه ويخيط الأزرار المقطوعة بنفسه، وكنت تجد عددًا من الإبر وألوانًا من الخيوط، وأنواعًا من الأزرار في حقيبة سجنه التي كانت جاهزة دائمًا بعد المرة الأولى التي قبض عليه فيها كلما كنا نذهب لزيارة الوالد في السجن المركزي في «ملتان» كانت جدتنا تبدي فرحًا وسرورًا لا يوصف، فكانت تمزح معنا وتضحك وتقص حكايات ونكات لطيفة، وكنا نحن وأمنا نستغرب ولا نكاد نصدق ما نرى، أحق هذه أُم عجوز تذهب لزيارة ابنها في السجن، أم أنها تزف ولدها لعروس؟!
وكنا نُفاجأ بنفس الروح عند أبينا، ولم نكن حينذاك نفهم سر هذه التصرفات، لكننا أدركنا فيما بعد أن الأم وابنها كانا يحاولان أن يغرسا فينا معنًى جليلًا، وهو أن يعلمانا كيف نواجه المصائب والابتلاءات بصدور رحبة، وشفاه مبتسمة راضية بقضاء الله وقدره، كيلا نبدي زجرًا ويأسًا فنتراجع عن الأهداف، ونولِّي ظهورنا للجهاد والكفاح.
كنا نذهب إلى زيارة الوالد ونحن نضحك ونمرح في سعادة، ونعود أكثر سعادة وأشد فرحًا، وكان غيرنا يأتون لزيارة أحبابهم والحزن والبكاء على وجوههم، ويعودون وأصوات بكائهم وعويلهم تصك الآذان.
قال مدير السجن للوالد مرة: «لم أر في حياتي أفراد أسرة تغمرهم السعادة والفرح وهم يزورون سجيتهم مثل أسرتك، ولا سيما والدتك، مع أنها امرأة عجوز وضعيفة». فأجابه الوالد: «نحن ربينا أولادنا على الصبر على مُر الحياة، وعلى الرضا بما يقدره المولى عز وجل، وهذا درس عظيم ربتني عليه والدتي، وها هي اليوم تربي أحفادها على نفس هذه المعاني النبيلة».
كتب والدي في المرة الأولى التي سُجن فيها في «ملتان» رسالة إلى أخيه الكبير «أبو الخير المودودي» بتاريخ ١٦ مايو ١٩٤٩م، جاء فيها: إذا كان الجو ملائمًا أرجو أن تحضر معك في الزيارة القادمة ولديَّ الكبيرين «عمر فاروق، وأحمد فاروق»، وكنت قد نهيتكم عن أن تحضروا الأولاد معكم مخافة أن تؤثر فيهم مناظر السجن ومعاناته الرهيبة تأثيرًا سلبيًّا، لكنني فكرت في الأمر طويلًا ودرسته من جميع الجوانب، ووصلت إلى أننا لا بد أن نُري أولادنا هذه الأماكن وما يدور فيها، فقد يواجه الجيل القادم أضعاف ما نواجهه من المصائب والمحن، فيكون من أمرهم أن يصبروا على تلك المحن والابتلاءات صبرًا أشد مما نحن فيه، ويواجهوها بهمم عالية وقلوب راضية. وأنا لا أريد أن أربي أولادي على المرح وحب الحياة، وإنما أريدهم جبالًا صامدة في وجه الشر، وخدامًا صادقين للخير والحق المبين (۱).
صفات جدتي
كانت جدتنا على صلة دائمة بالله عزّ وجل، وكانت كلما اعتراها كسل أو مرض ترفع عينيها إلى السماء، وتدعو خاشعة متضرعة لله باللغة الفارسية: «أنا مريضة وأنت طبيبي» فتشفى بعدها، لم تراجع طبيبًا في حياتها، ولم تشرب دواء قط، وإذا تورم عضو من جسدها أو خرجت حبة كانت تضع يدها عليها وتقول بالفارسية: «يا أيتها الحبة، لا تكبري، فإن الله أكبر» فينزل الورم. وكانت ذات دراية كبيرة واطلاع واسع باللغة والأدب الفارسي، لذا كانت كثيرًا ما تستشهد في محاوراتها بأبيات من الشعر الفارسي.
وكانت إذا جلست في أي حفل أو مجلس مهمَا كان كبيرًا ما كانت واحدة من النساء تتجرأ بالحديث أمامها، فسرعان ما يصبح المجلس آذانًا صاغية إليها، والعيون كلها تلتفت نحوها؛ فقد أوتيت أسلوبًا في الحديث في غاية الروعة والأدب، وكانت آية في حضور البديهة وسرعة الإجابة، فكانت كلماتها تنزل على القلوب وكأنها كتابات نقشت على صخرة، وكانت حلاوة حديثها تسحر الجميع وتضحكهم بنكاتها وحكاياتها ومزحتها الخفيفة، لكنها لا تضحك معهم، وهذه كانت تفجر فينا الضحك أكثر عندما كنا نراها وقد تركتنا نفقد وعينا من شدة الضحك، لكنها تنظر إلينا وكأن شيئًا لم يكن أبدًا!
تحدى خالنا -الذي كان يدرس يومذاك في كلية «الملك إيدورد» للصيدلة في لاهور- جدتنا مرة بألا يتحدثا إلا بالشعر، ولم تكن جدتنا بحاجة إلى من يساعدها، لكن خالنا كان يراجع والدتنا ويسألها عن بيت أو يقول لها: «أتذكر الشطر الأول، ولكني نسيت الثاني، وأعرف أن الجدة لن تسامحني في الشطر الثاني أو في قراءة الشعر خطأ» وعظمت مشكلته عندما رفضت أمي مساعدته؛ إذ كان ذلك خلافًا للاتفاق الذي تم بينه وبين الجدة، فاستأذنت أمي جدتنا في مساعدته فقالت: «أتسمحين لي بأن أساعد جلال؟» فأجازت لها بكل سعادة وقالت: «ولد صغير، إذا استفسر منك عن شيء فلا بأس أن تساعديه». ومع كل ذلك، لم يستمر خالنا في المسابقة واعترف بفشله صراحة، وكان يمسك أذنيه بيديه ويقول لنا: «لن أتحدى الجدة مرة أخرى في مثل هذه الأمور».
كانت أمي تقول لنا دائمًا: «لم أر في حياتي مثل جدتكم هذه، كأنها خلقت ولم يوضع فيها حظ للنفس، فما رأيتها تطلب شيئًا لنفسها قط». وكانت جدتي تقول: «من صفات العارفين والصالحين، أنهم لا يمنعون عن شيء، ولا يطمعون في شيء، ولا يجمعون شيئًا» وهذه الصفات الثلاث كانت تتجلى بكل وضوح في جدتنا ووالدنا ووالدتنا وقد وطنوا أنفسهم على الرضا بالقضاء والصبر في أعلى معانيهما، فكانوا صورة صادقة تعبر عن النفس المطمئنة بكل وضوح.
أمي كانت تقول لنا: «لقد تعلمت الحياة من جدتكم». والعجيب في الأمر أن الحماة وكنَّتها «زوجة ابنها» كانتا دومًا على رأي واحد، وما كانتا تختلفان في شيء أبدًا.
الاستغناء
لما دخل والدنا السجن لأول مرة وبدأ الفقر يكشر عن أنيابه لنا، قررت والدتي أن يستمر الأولاد في دراستهم بأي ثمن كان، فلما زارتها صديقتها الحميمة «الخالة خورشيد»، سلمت لها جزءًا من حُليها لتبيعه لها، فكانت هكذا تدبر نفقات البيت وتدير الأمور بكل رزانة ودقة وحرص.
لم تكن تعودنا على الملابس الجديدة لا للعيدين ولا لاحتفالات الزواج، فقد كانت أمنا تقول لنا: «في عيد الفطر ندفع زكاة الفطر، إذن لا حاجة لنا لأن نفصل ملابس جديدة، وفي عيد الأضحى نضحي فينبغي ألا نلبس الجديد، البسوا ملابس نظيفة واذهبوا لصلاة العيد». وهكذا كنا لا نلبس الجديد في حفلات الزواج واليوم نبقى متحيرين، بل نكاد نفقد صوابنا عندما نسمع أن أمًّا أحرقت نفسها وانتحرت لأنها لم تستطع تدبير ملابس جديدة لأولادها في العيد، أو أن أبًا شنق نفسه بالحبال وانتحر؛ لأنه لم يستطع أن يوفر لأولاده ما طلبوه ليوم العيد!
ذات مرة انتهى الطحين في بيتنا، وكان الوقت ليلًا ودكاكين الطحين قد أغلقت أبوابها، فاستعارت خادمتنا من جيراننا شيئًا من الطحين، ولما رأت والدني ذلك غضبت وقالت لها: «لم فعلتِ ذلك؟». فأجابت: «معذرة يا سيدتي، هؤلاء استعاروا منا طحينًا أكثر من مرة، ولما جاء طحينهم كانوا يرجعون ما أخذوا، وغدًا عندما يأتي طحيننا سنعيد إليهم ما أخذنا منهم».
لكن والدتي قالت: «هؤلاء صنف من الناس ونحن مختلفون عنهم، فليأخذوا ما يريدون، لكننا لا نفعل ذلك. سيقول الناس عنا: إن الشيخ في السجن وأسرته تسأل الناس وتعيش على صدقاتهم! إذا لم يكن عندنا طحين نستطيع أن نقضي الليل بأي شيء، نخلط الأرز بالعدس ونأكله، أو نأكل فتات الخبز الجاف، لكن لا ينبغي لك أن تستديني من الناس». وزادت في تأنيبها حتى لا ترتكب مثل هذا الخطأ مرة أخرى، وكانت تقول لنا: «لا بد أن نتحمل كل شيء في الحياة، ومهما اشتدت الظروف لا بد أن نرغم أنفسنا على الصبر» والحمد لله انتهت تلك الفترة العصيبة بعد تسعة عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا في ٢٨ مايو ١٩٥٠م، ورجع الوالد إلى البيت وأكاليل الزهور في رقبته مصحوبًا بهتافات محبيه، وامتلأ بيتنا بالأزهار وبمن حضر يبارك لنا هذه المناسبة السعيدة.
هامش
(1) رسائل المودودي، إعداد: رفيع الدين هاشمي، وسليم منصور خالد، ص ۳۳۷، ط/ منشورات لاهور ١٩٩٥م.