; السياسة.. وشباب الجامعات | مجلة المجتمع

العنوان السياسة.. وشباب الجامعات

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013

مشاهدات 69

نشر في العدد 2052

نشر في الصفحة 38

السبت 11-مايو-2013

يثور الجدل الآن حول قضية جوهرية وهي: هل ينخرط شباب الجامعات في السياسات الراهنة الداخلية والخارجية، أم ينحصر دورهم في الدراسة والابتعاد عن السياسة بأكملها؟

يقصد بالسياسة في هذا المقام اعتناق الشباب وأتباع تيار من التيارات أو حزب من الأحزاب التي كثرت في الساحة السياسية. بحيث يشارك الشباب في هذه المعركة التي تتناول قضايا مصر الداخلية والخارجية، ومعلوم أن معدل اشتراك الشعب المصري كله في الأحزاب السياسية غير الإسلامية لا يتجاوز أقل من ربع مليون نسمة، وهذا يحتاج إلى دراسة علمية على أساس أن الشباب في الجامعات كان يتم تشجيعه على الانضمام إلى «الحزب الوطني» الحاكم؛ حتى يحصل على الامتيازات، ويتميز عن غيره من شباب الأحزاب الأخرى التي كانت تدور في فلك ضيق، وتكاد تأتمر بأوامر «الحزب الوطني» والسلطات الأمنية، وهذا هو السبب الحقيقي في نشأة الحركات السياسية وغير الحزبية مثل «كفاية»، و» ٦ أبريل» وغيرها، كما أن هذا السبب هو الذي لم يشجع الشباب على الانضمام إلى الأحزاب قبل الثورة لعدم أهمية الأصوات وعدم جدوى الأحزاب في مناهضة السلطة.

تغير في الموقف

أما بعد الثورة، فقد اندفع الشباب للبحث عن أدوار سياسية خاصة وأن الثورة ذاتها كانت تمثل قمة العمل السياسي الناجح، وهو الاحتجاج السلمي الجماعي على النظام الفاسد الذي لم يقم وزنا للدستور أو القانون أو إرادة الشعب التي زورت، وكان الشباب وهم الفئة الأكثر حيوية في المجتمع والتي لحقها أكثر الضرر هم وقود الثورة وضحاياها، كما كانوا ضحايا نظام «مبارك».

بعد الثورة لم تنشأ حياة حزبية سليمة في ظل قانون لم يتح للشباب أن ينشئ الأحزاب، وإنما تقدمت إلى الساحة الأحزاب الإسلامية ذات المنطلقات الدينية، والتي تقوم بالتصويت لاعتبارات أيديولوجية وليست سياسية، ويمكن أن نميز بين موقفين متناقضين من قضية اشتغال الشباب بالسياسة بمفهومها الحربي الضيق.

الموقف الأول: هو الذي يرى أن انضمام شباب الجامعات إلى التيارات والأحزاب القائمة سوف يحرق طاقة الشباب، فيمددها في صراعات وهمية يستخدم فيها الشباب لمصلحة الكبار ومعاركهم؛ سعيًا وراء السلطة لأي ثمن، وبذلك يمتد الضجيج السياسي في الشارع المصري إلى الجامعات من الأساتذة والطلاب، فيقسمها إلى فرق متناحرة؛ مما يشغل الطالب تمامًا عن تحصيل العلم.

وإذا أخذنا في الاعتبار ضعف الثقافة السياسية وحداثة التجربة الديمقراطية التعددية وغلبة المناخ العاطفي الذي لا يحتمل التطور بالتنوع والاختلاف، فإن الجامعة تصبح ساحة جديدة للصراع والاحتراب بدلًا من أن تكون ساحة للأفكار والمناظرات وتحكيم العقل.

الموقف الثاني: يرى أنه لا يمكن أن نعزل شباب الجامعات عما يدور في مصر، وأن نضعهم في بيئة معقمة، ولا نستطيع ذلك، ولكن يمكن ترشيد سلوك الشباب الجامعي، فلا خلاف بين الشباب على أن مصر يجب أن تكون مستقلة. وأن وحدة الأمة العربية هدف أصيل، وأن علاقات مصر المتوازنة مع الجميع هي من مصلحة الوطن، وأن الصهيونية تتربص بالأمة العربية في كل العصور، وأن إدارة الملف تتطلب حكمة ومهارة، ولكن يجب أن يتأكد من أن المجتمع المصري يأبى أن يعزل مصر عن بقية الجسد العربي، ورغم هذه القناعات الموحدة فإن الشباب يختلف موقفه حول عدد من الملفات الخارجية الملتهبة خاصة الأزمة السورية، وهذه قضايا تحتاج إلى معارف معمقة وشروح طويلة، أما السياسات الداخلية فهي تتعلق بموقف الأحزاب من السلطة ومن الأوضاع في مصر، وتحكمها أوهام كثيرة وصراعات لا علاقة للشباب بها، مثل الصراع بين الإخوان المسلمين والناصريين، والصراع بين التيارات الإسلامية، والصراع بين التيارات الدينية واللا دينية، والفهم الخاطئ للدين والسياسة معًا.

من التاريخ

إذا أرادنا أن نستعين بالتجربة التاريخية لدور شباب الجامعات في العمل السياسي، أمامنا الأدوار الوطنية للشباب العهد الملكي ضد الإنجليز وانتصارًا للدستور، وفي عهد شورة ١٩٥٢م ظهر الشباب صفا واحدا وراء السياسات الوطنية للرئيس «جمال عبد الناصر»، ولكن موقف شباب الجامعات ودوره في العمل السياسي بدا يشكل قضية خطيرة في عهد «أنور السادات»، خاصة بعد تقاربه من واشنطن و«إسرائيل»، ونقله مصر من العهد الناصري إلى التبعية الأجنبية، وتشجيع الانفتاح بلا ضوابط، وتصفية القطاع العام، ثم انحسر تمامًا دور الشباب في الجامعات وسيطر عليه الأمن لقمع احتجاجات الشباب والأساتذة سياسات «مبارك» الجدلية، وقد مارس القضاء الإداري دورًا مهما في تأكيد الحقوق والحريات وتقييد سلطات الأمن والطوارئ.

والخلاصة أنه من الخطر أن تنتقل الصراعات الحزبية الضيقة لتلتهم شباب الجامعات، وإنما يجب على الأحزاب أن بق لتقديم الوعي والثقافة السياسية الأساسية والتربية والوطنية بدلًا من إثارة البغضاء والفتن وروح الكراهية لبعضها والكلمة الأخيرة للشباب هي أن يعتصموا بالوعي والثقافة وبكل ما يبني ولا يهدم، وأن يركزوا على المشاركة المجتمعية لإعادة بناء المجتمع والدولة، مع صياغة رؤى بديلة إيجابية لمصر الجديدة.

الرابط المختصر :