العنوان السياسة والمصالح:
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000
مشاهدات 85
نشر في العدد 1400
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 16-مايو-2000
يتكلم بعض الناس في اجتهادات بعض الدعاة ومواقفهم السياسية، ويتهمونهم بالتناقض والميوعة والمداهنة، وسبب ذلك أن هؤلاء «ومنهم بعض الصالحين» لم ينتبهوا إلى أن المسلم غير مكلف بما لا يطيق، وأن السياسة ما هي إلا ترجيح بين المصالح، بل إن مدار الشريعة قائم على ذلك.
يقول الإمام ابن تيمية في (السياسة الشرعية، ص: ٥٣): «إن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16) المفسر لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 10٢)، وعلى قول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ورفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع».
ويقول كذلك الإمام ابن تيمية (السياسة الشرعية، ص:١٤٢): «فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتناب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه».
إن الحقيقة التي ينبغي للمسلمين أن يدركوها أن الدعاة إلى الله لا يملكون زمام الأمور كلها، بل تحيط بهم أخطار كثيرة، ورب موقف واحد يتخذونه قد تتعرض بسببه الدعوة الإسلامية والدعاة إلى أزمات كثيرة، لذلك فإنهم في الغالب يجتهدون في أمورهم، ويرجحون بين المصالح، ويسعون إلى درء أكبر المفاسد، وكل ذلك من أجل حفظ دعوة الله من أن يمسها ما يجعلها عاجزة عن القيام بواجبها تجاه هذا الدين، وهم بعد ذلك غير مطالبين شرعًا عما عجزوا عنه.
إن الذي يجلس على أريكته، والذي لاهم له إلا القراءة والتعلم «رغم أهمية ذلك» في الأماكن المريحة الأمنة، دون أن يقارع الظلم والظالمين ودون أن يخوض معترك الحياة العملية ليواجه الانحراف بشتى أنواعه، وهو يدب في جسد هذه الأمة، أقول: من كان هذا حاله، فإنه يصعب عليه أن يدرك أبعاد الاجتهادات السياسية للدعاة.
ولذلك لما خاض بعض المنتقدين المعتركات السياسية، وواجهوا الواقع المرير، اضطروا إلى اتخاذ المواقف والاجتهادات التي اتخذها من كانوا ينتقدونهم من قبل ويتهمونهم بالميوعة والتناقض والانحراف.
يقول صاحب (العوائق، ص ۳۲۳): «ويتداول حديث عن أخطاء سياسية ترتكبها القيادات، وما هي بأخطاء في حقيقتها لمن أمعن النظر، لكنه تفضيل بين المصالح واتباع لقاعدة الفقهاء في الحرص على أكبر المعروفين عند تعارضهما، ولو بتفويت أدناهما، واحتمال أيسر المفسدتين العارضتين لإبعاد أعظمهما وأكبرهما».
وأغلب هذه المواقف المنتقدة على الحركة مخرجة على هذه القاعدة في الموازنة بين مراتب المعروف والمنكر ودرجات المصالح والمفاسد، فما من تعاون مع حزب معيب، أو تصريح بثناء على فعلة حسنة من حاكم لم يتم إسلامه، أو ما شابه ذلك، إلا وللقيادات فيها تأويل مستخرج وفق هذا الإفتاء.
ولا ندعي أن كل هذه التصرفات المعتمدة على هذه القاعدة كانت صوابًا دومًا في نتائجها، فإن ذلك ليس ركنًا في توثيق المسلم إنما هو يجتهد في باب السياسة، كما في غيرها، فيصيب ويخطئ تبعًا لمدى فراسته وطويل تجربته، إنما الركن المهم هو أن هذا التأويل والاجتهاد يستند إلى أقوال معتمدة في مذاهب أعيان الفقهاء القدماء.
يحسن بنا أن نفهم هذه القاعدة التي سطرها علماؤنا من قبل، وأن نعذر إخواننا في اجتهاداتهم السياسية، وإذا لم نتفق مع اجتهادهم فينبغي أن ندخلهم في دائرة الخطأ والصواب لا دائرة التفسيق والتضليل وشتان بين هاتين الدائرتين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل