العنوان السياسة الغربية تجاه العالم العربي
الكاتب فضيل الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1996
مشاهدات 69
نشر في العدد 1211
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 06-أغسطس-1996
في دراسة هامة أعدها وولتر راسل ميد - المستشار في معهد الدراسات الدولية - تحت عنوان «السياسة الأمريكية العليا: البحث عن نظام في عالم مضطرب»، وعند حديثه في الشرق الأوسط كتب تحت باب: «دور أمريكي إمبريالي في الشرق الأوسط» فقال: «لا تزال منطقة الشرق الأوسط الإقليم الأصعب في العالم أمام الولايات المتحدة، فالنفط وإسرائيل يمثلان أهم قضيتين عاطفيتين في السياسة الأمريكية، هاتان القضيتان تؤكدان على حظ الشرق الأوسط بالاهتمام المركزي في السياسة الدولية طوال التسعينيات.. فالوجود الأمريكي في الشرق الأوسط غني بالغموض والالتباس من الناحية السياسية والأخلاقية.. فالولايات المتحدة لها مصالح عليا وهامة كما لها علاقات مع بلدان مختلفة وإن كانت غير متجانسة بل في بعض الأحيان متناقضة.
في هذا الجزء من العالم يبدو الدور الأمريكي أكثر إمبريالية من أي مكان آخر.. هذا الدور خطير ومكلف ومشكوك في أخلاقياته أيضًا ولكن سواء أحببنا ذلك أم كرهناه فالولايات المتحدة ملتزمة بسياسة تجاه الشرق الأوسط في التسعينيات وما بعدها.
فنفط الشرق الأوسط يعتبر مصلحة حيوية لنا، ومصلحتنا في المنطقة لا تكمن فقط في استمرار انسياب النفط من المنطقة دونما انقطاع، فالشرق الأوسط يحتاج إلى بيع نفطه كما نحتاج نحن إلى شرائه.
إنه من مصلحتنا وجود عدد كبير من الدول المستقلة في الشرق الأوسط، الأمر الذي يضعف منظمة الأوبيك، إذ إن وجود عدد أقل يعني أن إمكانية الاتفاق ستكون أكبر، وإذا ما تكونت دولة واحدة في المنطقة واستولت على آبار النفط العربية، فإن هذه الدولة ستكون دولة عظمى بلا شكّ.
إن وجود عدد أقل من الدول العربية أو وجود دولة عربية واحدة كبرى سيجعل الاستجابة للضغط الأمريكي أقل، كما يطرح ذلك إمكانية اختيارها لأوروبا أو أي جزء آخر من العالم كمحور لسياساتها، وهذا سيؤدي إلى خنق الولايات المتحدة، ويمكنكم تصور ما قد يحدث إذا قررت هذه الدولة أن تحول عملة بيع النفط من الدولار الأمريكي إلى المارك الألماني أو الين الياباني.. هذا الأمر سيؤدي إلى كارثة اقتصادية كبرى في الولايات المتحدة.. بل إن قدرة الدولة على اتخاذ مثل هذا القرار حتى ولو لم يتم اتخاذه سيشكل ورقة ضغط كبيرة على الولايات المتحدة...».
ويستطرد ميد في تحليله فيقول: «... اعتبارًا لهذه الخلفية فإن الولايات المتحدة تجد نفسها ملتزمة تجاه العالم العربي بسياسة لا تبدو جذابة من أية زاوية نظرنا إليها.. بل إننا لو نظرنا إليها من منظور معين لوجدناها تشبه إلى حد كبير السياسة البريطانية الإقليمية المدنية على مبدأ «فرق تسد».
حتمًا فالعديد من الحكومات العشائرية والحدود التي تعمل أمريكا حاليًا على حمايتها هي إرث من الاستعمار البريطاني...».
وعندما يتطرق ميد للتحالف الإستراتيجي الأمريكي - الإسرائيلي يقول: «... بالإضافة إلى جوانبه العاطفية والأخلاقية فإنه يقوم على أساس عدم رغبة إسرائيل والولايات المتحدة في بروز أية دولة عربية قوية سواء كانت هذه الدولة اشتراكية أو أصولية إسلامية أو ديمقراطية ليبرالية.. فمجرد وجود هذه الدولة أمر يهدد أمن إسرائيل كما يهدد الهيمنة الأمريكية...».
مما طرحه ميد ندرك الاستراتيجية الأمريكية الساعية إلى الحفاظ على هيمنتها على المنطقة... فالتزامها الواضح بسياسة إمبريالية نشطة وواضحة، وسعيها إلى ضمان الحالة الراهنة كل ذلك يعطينا صورة واضحة من الموقف الأمريكي تجاه أي تغيير يمكن حدوثه في المنطقة، فالقوة الرافعة للسياسة الأمريكية تكمن في دعم الاستقرار الذي يدعم الهيمنة عن طريق الحفاظ على الحالة الراهنة أطول فترة ممكنة وعدم السماح بأي تغيير فيها، وتأكيد الدور الإسرائيلي باعتبارها الحليف الإستراتيجي الذي يعولّ عليه.
ومن هنا تم طرح النظام الشرق أوسطي لكي يحل كل النظام العربي الإقليمي أو النظام الإسلامي الإقليمي، هذا النظام الجديد يعتمد على ثلاثة محاور:
المحور الأول: تمييع الهوية العربية وفرض المفهوم الشرق أوسطي الذي يعني استيعاب الكيان اليهودي كدولة عضو في النظام الجديد واعتماد الطابع الأمريكي في تعريف المنطقة من جديد.. وتعتمد هذه السياسة على تجاهل العامل العربي وتمييع الهوية الإسلامية والتعامل على أساس ثنائي أو إقليمي محدود.
وفي هذا الصدد كتب نبيل عبد الفتاح رئيس وحدة البحوث الاجتماعية والقانونية بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام يقول: «.. يمثل النظام الشرق أوسطي أحد الأنظمة الفرعية النقيضة «للنظام العربي» وقيمه وعقائده وقواعده ومؤسساته وسوف تؤدي عملية تشكيله إلى بث تيارات تفكيكية جديدة وعاصفة على مواريث وأطر ومؤسسات النظام العربي الحالي، إن النظام الشرق أوسطي المطروح سوف يؤدي إلى عدة تفاعلات وتفكيكات سوف تؤدي إلى نتائج بالغة الخطورة والأهمية على وجود العالم العربي ويمكن رصدها على النحو التالي:
- تصفية التراث الأيديولوجي والسياسي القائم على رفض الأيديولوجية الصهيونية سواء في الخطاب السياسي أو في أساليب التنشئة التعليمية والسياسية.
- نظام الشرق الأوسط الجديد بوحداته وتفاعلاته ونزاعاته في شرق أوسط متعدد الأيديولوجيات والأديان والقوميات والثقافات ويمكن للمنطقة أن تشهد صحوة للثقافات والعرقيات الفرعية تحت حماية التنظيم الجديد للمنطقة.
- تغيرات في نمط التحالفات في المنطقة منها إمكانية تحالف الإقليمات القومية أو الدينية المتعدي الحدود الدول القائمة، وهذا سيدفع إلى ضرورة صياغة نمط مختلف من العلاقات الداخلية مع هذه الأقليات.
- نفاذ دول الجوار الجغرافي إلى قلب المنطقة مع إسرائيل من خلال قضايا المياه والتعاون الاقتصادي والترتيبات ذات الطابع الأمني.
- سيظهر نمط جديد من الصراعات في المنطقة، وذلك بالوصول إلى تسوية ما للصراع العربي - الإسرائيلي، وستنشب صراعات جديدة عرقية وقومية ودينية، وفي ذات الوقت ستتحول طاقة العنف التي كانت تستهلك في إطار هذا الصراع في مجالات أخرى.
- ستلعب إسرائيل دورًا فريدًا في المنطقة على مستوى الدولة الإقليمية الأعظم ومنظم المنطقة ونموذجها التحديثي والوسيط مع الغرب.
- الإسلام السياسي الراديكالي سيلعب دور العدو في النظام الإقليمي الشرق أوسطي بكل دلالات ذلك (1).
أما المحور الثاني: فيؤكد على تصفية الاتجاهات التحررية في المنطقة.
وفي هذا الصدد حققت الاستراتيجية الأمريكية العديد من النجاحات في السنوات الماضية وتم تتويج تلك الجهود بالهيمنة الكاملة إثر حرب الخليج الثانية، وعن طريق استخدام شتى الوسائل استطاع النفوذ الأمريكي التسلل إلى دول المنطقة في شكل أمني أو اقتصادي أو عسكري أو أكثر من شكل في نفس الوقت.
المحور الثالث: هو ما تسميه الولايات المتحدة الدولة المعتدلة والصديقة، إلا أن «السلام الأمريكي»، سيواجه تحديًا بشكل أو آخر كما يؤكد مايكل هدسون «... الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إذا ما أضفنا إليها البروز الإسلامي، في وقت أصبحت فيه قدرة الدولة القطرية العربية على تحقيق وعودها محل شك في مثل هذه الظروف سيواجه السلام الأمريكي تحديًا شعبيًا من نوع ما...» (2).
والاستراتيجية المطروحة لمواجهة التيارات التحررية هي التدخل، والتدخل كما وصفه توماس ويس «له أشكال متعددة منها: مكالمة هاتفية من وزير الخارجية، ومنها تجميع المعلومات والقيام بعمليات استخبارية، ومنها إرسال قوات عسكرية، والغرض من التدخل هو التأثير في سلوك الدول الأخرى.. إن هناك عدة وسائل للتدخل منها: صندوق النقد الدولي الذي يفرض شروطًا معينة تحد من الخيارات المطروحة للنخبة الحاكمة، وتفرض سياسات وهياكل اقتصادية وسياسية معينة، ومنها منظمات حقوق الإنسان العالمية التي يمكن أن تثير قضايا إنسانية معينة، ومنها أساليب الحصار الاقتصادي عن طريق الأمم المتحدة» (3).
إن أهم سؤال يطرح نفسه أمام الاتجاهات التحررية، وخاصة الحركات الإسلامية هو: ما هي استراتيجياتها للتعامل مع المعطيات الجديدة هذه والتي ستكون لها آثارها البعيدة على المنطقة ومستقبلها وعلى تلك الحركات وجدواها أيضًا؟
الهوامش:
- نبيل عبد الفتاح «العرب من النظام العربي إلى النظام الشرق أوسطي تحت التشكيل» السياسة الدولية 1993م.
- Michel Hudson "The Middle East Under PaxAmericana, How order Third world Quarterly" vol 13 No 2 (1992).
- Thomas Weiss, "The UN and the Use of force" The Washington Quarterly, vol. 17 No 1 (Winter 1994).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل