; السياسة العربية تحت القصف | مجلة المجتمع

العنوان السياسة العربية تحت القصف

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002

مشاهدات 67

نشر في العدد 1496

نشر في الصفحة 27

السبت 13-أبريل-2002

مشاهد الإجرام الصهيوني والبطولات الفلسطينية الراهنة في أرض فلسطين المباركة معروفة، وما كادت تتجدد بقوة وتفرض نفسها على ساحة الأحداث، حتى عادت على الفور لهجة الوقاحة المباشرة، وبعد فترة وجيزة من استخدام العبارات «اللينة المخادعة» تم الانتقال إلى التصريحات والمواقف الأمريكية العدائية.

ويوازي جبهة الإجرام وجبهة البطولات، ما أصبحت عليه جبهة الحكومات وجبهة الشعوب في المنطقة العربية، فمشاهد التحركات والتصريحات السياسية العربية المتوترة واضحة أيضًا، وفي الوقت نفسه لم تعد خافية عن الأنظار إرهاصات الغليان بعد الاحتقان الطويل بين الشعوب العربية.

المقدمات والتخطيط للحرب الجارية: هذه الصورة بأبعادها الأربعة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انفجرت فجأة عقب قمة بيروت، وهو ما تثيره المقولة التي نشرت بأن هذا هو «رد شارون على قمة بيروت» إنما يمكن بشيء من التأمل في مجرى الأحداث وتتابعها رؤية أن هذه المرحلة من الحرب لم «تنفجر» فجأة وإنما حان موعدها، فحسب. 

إن الانتفاضة التي قامت ضد سنوات أوسلو العجاف وحصيلتها، وضعت صانعي القرار بين خيارين اثنين:

  1. إما التسليم لإرادة التحرير الفلسطينية التي فرضت نفسها رغم انطلاقها من بين سندان السلطة ومطرقة العدو، ورغم جرائم الآلة العسكرية الإسرائيلية- الأمريكية حيالها، ورغم تصعيد وحشية تلك الجرائم إلى أقصى درجة «يحتملها الرأي العام». 

  2. أو التحول إلى مرحلة جديدة يرتكب فيها سائر ما تعتبره المواثيق الدولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وذاك ما تعنيه الحرب الحالية، والتي يراد تصويرها وكأنها «حرب شارون» فحسب، تمهيدًا لمرحلة ما بعد شارون، أي لتجديد محاولات «السلام» الانتحارية بأوسلو جديدة أو بمسميات أخرى، تظهر فيها بسمات «حزب العمل» وملئه، وكأنها تختلف عن تكشيرة «الليكود» ورهطه»

إن الحرب الجارية بتفاصيل وقائعها العسكرية الجارية، ليست وليدة رد فعل، بل هي نتيجة تخطيط عسكري، مفصل مع كل ما يشمله التخطيط العسكري من العمل على تأمين التغطية السياسية دوليًا وإقليميًا.

وفي كل تخطيط لعمليات عسكرية تحمل طابع الإجرام سلفًا وتنطوي على ممارسته علنًا، لا بد أن يلعب «التوقيت» المناسب دورًا حاسمًا، وأن يتوجه اهتمام كبير إلى ضمان «الإخراج» المناسب، بمعنى ربط الأسباب والنتائج ربطًا يسمح بتسويق الإجرام دوليًا. وليس التحرك الأمريكي بالتنسيق مع الصهاينة إلا جزءًا من «الإعداد» للتوقيت والإخراج المناسبين.

وهو ما ساهم فيه بعض الأطراف العربية ذاتها، ومن ذلك بعض التصريحات التي سبقت القمة بالإعلان المخزي عن «العجز» وعن «التسول» وعن «استحالة الحرب» وما شابه ذلك.

التحرك الأمريكي 

بمضمون إسرائيلي

لم يكن من قبيل «المفاجأة» أن يبدأ التحرك الطارئ على المواقف الأمريكية في الأسابيع الأخيرة قبل قمة بيروت، فقد رصد الأمريكيون الغليان الشعبي المتصاعد الذي بدأ ينكشف بالتدريج عبر تكرار المواجهات بين العاملين في ميادين نصرة الانتفاضة والدعوة للمقاطعة ومنع «التطبيع» من جهة، وبين السلطة وأجهزتها «الأمنية» في أكثر من بلد عربي، كمصر والمغرب والأردن وغيرها من جهة أخرى. 

ورافق التصاعد التدريجي في الغليان الشعبي بروز عدد من المواقف السياسية في دول أوروبية تدرك مخاطر استمرار انفراد واشنطن بالهيمنة على المنطقة العربية المجاورة، بمختلف محاور الهيمنة المالية والاقتصادية إلى جانب المحاور العسكرية والسياسية. 

ولهذا بدأ قبل قمة بيروت بثلاثة أسابيع تحرك الرئيس الأمريكي المفاجئ على محوري مبعوثه الشخصي «أنطوني زيني» ونائبه في منصب الرئاسة «ديك تشيني». وقد قيل إن سعي تشيني لكسب تأييد رسمي عربي لتوجيه ضربة عسكرية أمريكية للعراق تطلب أن يعمل زيني على تهدئة الوضع في الأرض الفلسطينية بعد أن وصل شارون به إلى حافة الانفجار. ولكن هل يصح ما يقال عن أن مهمة تشيني انتهت بإخفاق ذريع؟

أليس الاحتمال باقيًا أن مسألة توجيه ضربة عسكرية إلى العراق أو عدم توجيهها هي مسألة اختيار الوقت المناسب وأن هذا الوقت المناسب يمكن أن يأتي بعد فترة من الزمن. 

وسيان ما كانت عليه مهمة تشيني فمقابل الإعلان عن إخفاقها، بقيت مهمة زيني في فلسطين المغتصبة، لا تتجاوز طوال ثلاثة أسابيع تحقيق ما لم يصل إلى مستوى «الفتات» من أرضية ما يدور من تفاصيل عن جوانب «أمنية» أي «مخابراتية» كما كان طوال سنوات أوسلو، أما الأرضية التي تحركت عليها مهمة زيني فكان من حدودها:

  1. تحويل ما كان يردده لسان شارون وهو يملي الشروط على عرفات حتي يفك أسره قبل القمة إلى لسان زيني الأمريكي دون تغيير في المعنى ولا المضمون، وذاك ما بلغ مداه بأسلوب استعراضي واضح عندما أعلن تشيني قبيل مغادرته المنطقة ثم فور وصوله إلى واشنطن أن الاجتماع مع عرفات رهن بأن يعمل الأخير على «وقف إطلاق النار والقضاء على البنية التحتية للإرهاب».

  2.  بدء استخدام تعبير رؤية مستقبلية لدولة فلسطينية، في الحديث الدائر على لسان بوش مباشرة وغير مباشر من خلال قراره هو الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي، وتلقف ذلك من اعتادوا أن يزنوا المواقف الأمريكية بالكلام لا السياسات وبالوعود لا التصرفات، ونشطوا لهذه الغاية في البحث عن أي «نية حسنة» محتملة من وراء بعض التعابير الجانبية وما بين السطور المنحازة جهارًا نهارًا.

  3. الواقع أنه لم يصدر في أي وقت من الأوقات ما يشير إلى إرسال «زيني» في مهمة سياسية أو حتى «تمهيدية» لجانب سياسي ما كما ترغب السلطة الفلسطينية وهي تعلم باستحالة «تسويق» أي اتفاق لا يزين بعنوان سياسي ما، ولو بقي في حدود ما أصرت عليه واشنطن طوال الأسابيع الثلاثة قبل القمة، أي ما يوضع له عنوان «وقف إطلاق النار» ويقصد به «خنق الانتفاضة» ووأد قادتها وزعمائها، بل والعمل -لو استطاعوا- على تهديم محاضنها في المساجد والجامعات والمدارس والأحياء والجمعيات وفي أعماق البيوت الفلسطينية.

الانتفاضة وطبيعة الجولة الجارية

وكما صنعت الفصائل الفلسطينية من قبل تجاوبت في هذه المرة أيضًا تجاوبًا جزئيًا مع رغبة «قيادات السلطة» الفلسطينية، فخففت من عملياتها، والجميع يعلم أن «زيني» لن يضع حدًا للانحياز الأمريكي، ولكن يبدو أن الفصائل الفلسطينية أدركت أن عرفات وسلطته لا يتعرضون للانحياز الأمريكي فقط، بل وللضغوط العربية أيضًا، أي من جانب من يريدون أن ينقطع سيل الدماء في فلسطين ولو ليوم أو يومين «أثناء انعقاد القمة» وهذا بعض ما فهمه عرفات بصورة خاصة من خلال «التعامل العربي الرسمي» معه أثناء حصاره في رام الله قبل القمة، بينما كانت الفصائل الفلسطينية تعلن تضامنها معه، بمن فيها تلك التي كانت أجهزته الأمنية تلاحق قادتها وكوادرها، وتصنع أكثر من ذلك طوال فترة مفاوضات أوسلو، ولعل هذا الوضع بالذات ما بين التنكر الرسمي العربي لأحد «أعضاء القمة العربية» مقابل موقف الفصائل، قد ساهم في ردم بعض ما كان من هوة تفصل بينها وبين عرفات، وهو يشعر بقرب غيابه عن المسرح السياسي بشكل أو بآخر.

لقد خفتت حدة مجرى المواجهات على الأرض الفلسطينية، كما أرادت لها الجهود العربية والدولية، إلى أن انعقدت القمة وأسفرت عن تثبيت مبادرة «عربية»، وكان الرفض الإسرائيلي والأمريكي لها معلنًا من قبل صدور المبادرة رسميًا، وإن كان هناك من ترحيب بها فإنه اقتصر على ما تعرضه من «ثمن» وليس ما تطالب به من استرجاع الحقوق. 

وقيل إن عملية «ناتانيا» عقب القمة هي التي أفقدت شارون صوابه فبدأ مرحلة جديدة من الإجرام، وهذا التصوير لمجرى الأحداث مقصود وخطير بما يستهدفه سياسيًا، كخطورة ما يجري تنفيذه عسكريًا، لأسباب عديدة في مقدمتها: 

  1. إن الهدف المرحلي الراهن هو القضاء بأي ثمن ومهما كان إجرامياً على السجل الذي كتبه أهل فلسطين ويتابعون كتابته عبر بطولات «أسطورية» حية من شأنها أن تحرك المسلمين جميعًا، بعد أن كان كثير منا يصور تلك البطولات في الأشعار والخطب والكلمات الحماسية وكأنها من بقايا ذكريات تاريخية قديمة فقط، وهذا السجل الحي يدفع دفعًا إلى العمل على تجديد روح الجهاد والاستشهاد على أسس عقدية سليمة ولتحقيق الأهداف المشروعة القويمة، فذاك -كما تثبت الأحداث الجارية- هو الطريق الوحيدة التي يمكن أن ينتقل بالمسلمين من واقع مرفوض إلى واقع منشود يعود بالخير عليهم وعلى البشرية من حولهم. 

  2. إن الحرب الجارية بسائر مراحلها الماضية والراهنة ليست من صنع «مجنون معتوه» إذا انتهى وجوده في السلطة انتهت المشكلة وإنما هي وليدة السياسات الصهيونية- الأمريكية الموضوعة على أساس تخطيط مدروس وتوقيت مدروس ولأهداف مدروسة، ولا تنتهي إلا عندما يصل مستوى المواجهة فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا للعدوان الصهيوني إلى مستوى القدرة على إنهائها، ولا يوجد لذلك طريق آخر. 

  3. إن العدو الصهيوني لا يحمل اسم شارون بل يقوم اسمًا ومضمونًا على «الاحتلال والاغتصاب والإجرام» سواء كان ذلك العدو بقيادة من كانوا قبل شارون أو من يأتون من بعده، أو كان بقيادته، وهو الذي لم يسبق أن حصل أي رئيس وزراء إسرائيلي على مثل ما حصل عليه وما زال يحصل عليه من «تأييد» الغالبية الكبرى من اليهود المستوطنين، وجميعهم مستوطنون قادمون من أنحاء الأرض إلى الوطن الفلسطيني اغتصابًا لأرضه وتشريدًا لأهله واستغلالًا لخيراته، ولجعله منطلقًا من منطلقات تنفيذ السياسات العدوانية الأمريكية- الإسرائيلية في المنطقة من حوله. 

  4. إن هذه المرحلة بالذات من تاريخ القضية، تشهد -على الأغلب- استخدام شخصية إجرامية من طراز شارون تلطخت سمعته من قبل في صبرا وشاتيلا أي قبل واحد وعشرين عامًا، بل عرف بإجرامه من قبل، ليكون هو في «واجهة» المرحلة التي يراد فيها توجيه أشد الضربات الإجرامية وحشية من مستوى «إبادة شعب»، حتى إذا انتهت المهمة يمكن أن يغيب مع يديه الملوثة بالدماء، ويظهر سواه في «الواجهة» ليقطف الثمرة الإجرامية لتلك المهمة، كما لو لم يكن شريكًا له من قبل، وهذا أسلوب سبق أن تكرر أكثر من مرة على مسرح لعبة الأمم ومن ذلك ما كان في البلقان بصورة خاصة.

  5. ومثل هذا الإخراج لا يستهدف تضليل الرأي العام الغربي، أو حتى الرأي العام في البلدان العربية والإسلامية قدر ما يستهدف أن يتوفر مبرر ما مهما كان تزييفه مكشوفًا، ليتمكن الزعماء العرب من مصافحة من يأتي بعد شارون وعقد مزيد من الاتفاقات وفتح مزيد من السفارات، وتحقيق مزيد من التعاون بفتح الأبواب التجارية وغير التجارية على مصراعيها، لا سيما من جانب أولئك الذين لا يتورعون عن هذا كله أثناء ارتكاب الجرائم، فكيف سيكون الأمر مع من يتحفزون للتحرك في الطريق نفسه إذا توفرت لهم فرصة الزعم أن «شارون المجرم» قد سقط أو زال وانتهى أمره، وجاء «عهد انصار السلام من بعده»؟

إن مما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان إطلاقًا هو أن العدوان القائم في فلسطين، عدوان إجرامي بمختلف الأسماء التي يحملها، والأشكال والصور التي يظهر من خلالها، فأصل الوجود الصهيوني في فلسطين هو العدوان المتمثل في الاحتلال، والاستيطان، والتوسع، والهيمنة.

وليست المشكلة مشكلة «جولة» من الجولات بدأت وستنتهي الآن ليدور سواها في مرحلة قادمة، وليست أيضًا مسألة «رد شارون على القمة» كما يقال في بعض وسائل الإعلام وعلى ألسنة المسؤولين. 

إن الحرب الدائرة حاليًا تمثل مرحلة من مراحل:

الرد الإسرائيلي- الأمريكي 

القائم من قبل شارون وبوش 

والمستمر إلى ما بعدهما

ليس على «قمة» عربية انعقدت في بيروت ثم انفضت كأن لم تكن

إنما هو الرد على سياسة ليست مؤهلة لتحقيق حد أدنى من الحقوق المشروعة في فلسطين، فضلًا عن الوصول إلى الحقوق المشروعة للإنسان العربي والإنسان المسلم.

الحرب ليست من صنع «مجنون» بحيث تتوقف إذا خرج من السلطة، وإنما وليدة سياسات صهيونية موضوعة وفق تخطيط مدروس ولأهداف واضحة.

المخطط يقضي باستخدام شخصية إجرامية مثل «شارون» لإنجاز مهمة إبادة الشعب ثم يختفي ليظهر سواه تحت شعارات جديدة عن السلام يحققون من خلالها مكاسب إضافية.

هذه الحرب القذرة هدفها القضاء بأي ثمن على السجل البطولي الذي كتبه أهل فلسطين ويتابعون تسطيره عبر بطولات خارقة من شأنها إشعال الجذوة في قلوب المسلمين.

الرابط المختصر :