; السياسة السوفيتية في الشرق الأوسط.. سياسة مبادئ.. أم سياسة مصالح...؟ | مجلة المجتمع

العنوان السياسة السوفيتية في الشرق الأوسط.. سياسة مبادئ.. أم سياسة مصالح...؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

مشاهدات 76

نشر في العدد 836

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

السوفيت وافقوا على طلب من رئيس المؤتمر اليهودي العالمي بأن ينقل المهاجرون اليهود مباشرة من موسكو إلى تل أبيب.

غورباتشوف: إن عدم وجود علاقات بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لا يمكن اعتباره طبيعيًّا!

منذ أن وصلت البعثة القنصلية السوفيتية إلى تل أبيب في شهر يوليو الماضي انقلب الهمس حول إعادة العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وتل أبيب إلى ضجة ما زالت الصحف والمجلات العالمية تحمل أصداءها. وقد تضاربت الآراء حول هذا الحدث وأهدافه لكن معظم الملاحظين يتفقون على اعتبار تلك الزيارة لمسؤولين سوفيت «على رأسهم فلاديمير انتيبوف» الذي عمل في نيويور وجنيف وساهم في مؤتمر أوروبي في هلسنكي» محطة رئيسية في سياسة الانفتاح والتقارب السوفيتي الإسرائيلي التي يتبعها الزعيم السوفيتي غورباتشوف. فهل عودة العلاقات السوفيتية الإسرائيلية أصبحت وشيكة بعد أن ظلت مقطوعة طيلة عشرين سنة أي منذ عدوان ١٩٦٧؟

العلاقات المقطوعة مع الصهاينة وضع غير طبيعي؟!!

الحقيقة أن الحديث عن قرب إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي ودولة العصابات الصهيونية ليس جديدًا وقد بدأ منذ أن صدرت عن غورباتشوف إشارة تفيد بأن وضع العلاقات المقطوعة هو وضع غير طبيعي. لقد قال ميخائيل غورباتشوف في باريس: «....فيما يخص إعادة العلاقات فإنني أرى أنه كلما كانت عودة الوضع في الشرق الأوسط إلى طبيعته أسرع كلما أمكننا الإسراع بتطبيع العلاقات» كما قال إمام حافظ الأسد في موسكو: «إنني أقولها بصراحة: إن عدم وجود علاقات بين الاتحاد السوفيتي وإسرائيل لا يمكن اعتباره طبيعيًا» ويضيف «لكن إسرائيل هي المسؤولة عن القطيعة الناتجة عن اعتدائها على العرب.

ورغم هذه الإشارات ورغم اللقاءات المتعددة التي جمعت مسؤولين صهاينة ومسؤولين سوفيت في روما وباريس ونيويورك وهلسنكي وغيرها فإن السوفيت يصرون على أن سياستهم في منطقة الشرق الأوسط لا تزال ثابتة وتقوم على مبدأ معارضة سياسة القوة والضم التي يتبعها الصهاينة وتأييد حق الفلسطينيين في أن تكون لهم دولتهم المستقلة كما يؤكدون أن كل ما قاموا به طيلة السنوات الماضية يصب في هدف محدد هو الدعوة لانعقاد مؤتمر السلام الدولي للحيلولة دون اندلاع نزاع عسكري جديد بين العرب والصهاينة. 

أما بخصوص لقاء شمعون بيريز -شفرنادزة وزيري خارجية البلدين على هامش اجتماع الأمم المتحدة والذي تقرر فيه إيفاد البعثة القنصلية السوفيتية إلى تل أبيب فإن السوفيت يقولون إن الإسرائيليين هم الذين استغلوا ذلك اللقاء ولقاءات أخرى لأهداف دعائية وهم الذين حاولوا من خلالها الضغط على الاتحاد السوفيتي لتسريع عملية إعادة العلاقات إلى نصابها وقد تطلب الأمر إيقاف الإسرائيليين عن اللجوء لهذا الأسلوب الابتزازي وذلك بالتهديد بتأجيل زيارة الوفد القنصلي السوفيتي أو إلغائها. ومن جهة أخرى أعلن السوفيت أن الذين تفاوضوا في روما مع الصهاينة لم يكلفوا بأي مهمة رسمية كما أن السوفيت شددوا على القول بأن مهمة البعثة القنصلية هي مهمة قنصلية بحتة حيث سيتمثل نشاطها في:

  1. عمل جرد بممتلكات الكنيسة الروسية الأرثوذكسية في فلسطين المحتلة.
  2. تجديد جوازات سفر بعض المقيمين السوفيت في فلسطين المحتلة وتفقد القسم المهتم برعاية المصالح السوفيتية في السفارة الفنلندية وهذه أهداف محض فنية كما وصفها «أنتيبوف» الذي أوضح قائلًا: «لا تفسروا زيارتنا على أنها المرحلة باتجاه إعادة العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية بين البلدين».

وهكذا يحاول السوفيت وسط تحركاتهم المثيرة للتساؤلات أن يؤكدوا دائمًا حرصهم على علاقاتهم العربية وتمسكهم بالمبادئ التي على أساسها قطعوا علاقاتهم مع العدو الصهيوني منذ عشرين سنة.

ما وراء التصريحات الرسمية؟

إن القول بأن السياسة السوفيتية تجاه العرب من جهة وتجاه الصهاينة من جهة ثانية هي سياسة ثابتة منذ عشرين سنة هو قول بعيد عن الواقع فقد أصبح معروفًا أن هنالك جديدًا فيما بين السوفيت والصهاينة وهذا الجديد مصدره عزم غورباتشوف على التجديد في كل المجالات. فبعد سلسلة لقاءات جس النبض في باريس سنة ١٩٨٥ وفي هلسنكي سنة ١٩٨٦ جاء دور تل أبيب سنة ۱۹۸۷ وربما موسكو في المستقبل القريب.

وبالإضافة إلى هذه اللقاءات فإن أعداد المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي التي سجلت ارتفاعًا لم تعرفه منذ ۱۹۷۹ «سيصل عدد المهاجرين لهذا العام ۱۲۰۰۰ مهاجر أو أكثر بعد أن كان عددهم حوالي ۱۰۰۰ مهاجر سنة ١٩٨٥» تؤكد بلا ريب التطور الجديد في العلاقات بين البلدين بل إن السوفيت وافقوا على طلب من رئيس المؤتمر اليهودي العالمي بأن ينقل هؤلاء المهاجرون مباشرة من موسكو إلى تل أبيب لأن «أرض الميعاد» لم تعد تشد المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي الذين أصبحوا يفضلون «أرض الميعاد الأمريكية» حتى أن إسحاق شامير رئيس الوزراء الصهيوني طلب من الرئيس الأمريكي ريغان إلغاء التسهيلات التي تسمح للمهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي بالانتقال بسهولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي إطار الانفتاح الشيوعي على دولة العصابات الصهيونية نذكر أيضًا انعقاد المؤتمر اليهودي العالمي في بودابيست عاصمة المجر والمساعي جارية لإعادة العلاقات بين هذا البلد والصهاينة ويتوقع أن تحذو حذو المجر بعض دول المنظومة الاشتراكية تحت غض البصر السوفيتي مثل بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ومن تناقضات التصريحات والقرارات الرسمية مع الممارسات الواقعية صدور قرار بتقييد هجرة اليهود في موسكو وازدياد معدلات تلك الهجرة.

المغانم السوفيتية

لقد ساعد الغموض الذي لا زال يكتنف مواقف الأطراف المهتمة بقضية الشرق الأوسط وكذلك تشتت العرب وانقسامهم السياسة السوفيتية في المنطقة أيما مساعدة فما دام أنه ليس هناك موقف عربي موحد وما دام أنه ليس هناك مؤتمر دولي فإن المجال يبقى واسعًا أمام السوفيت للتحرك تجاه العرب وتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وتجاه دولة العصابات الصهيونية دون التزام تجاه طرف دون الآخر وفي الوقت الراهن يرى السوفيت أن مغانمهم في الولايات المتحدة أهم منها في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن تقاربهم مع الصهاينة يراد منه التأثير على الرأي العام في الولايات المتحدة والتأثير بالخصوص على اليهود الأمريكيين النافذين في الدوائر الحكومية الأمريكية.

الانفتاح على الصهاينة على أمل الحصول على الأموال الأمريكية

محور الجديد في السياسة السوفيتية تجاه دولة العصابات يكمن في الإجابة على السؤال التالي: ماذا يريد غورباتشوف؟؟ بعد أن انتهى غورباتشوف من تعزيز موقفه في الداخل وتثبيت ركائز حكمه کرّس جهده لإجراء إصلاح اقتصادي هام لكن هذا الإصلاح يتطلب إضافة إلى التغييرات السياسية والاجتماعية أموالًا وموارد كبيرة لا بد من اقتطاعها على حساب التسلح ومن هنا ظهر أن برنامج غورباتشوف الطموح لا يمكن أن يؤمن له النجاح إلا في إطار تخفيض حدة التسلح. لذلك كان غورباتشوف يسعى منذ أن اعتلى كرسي الحكم إلى عقد اتفاقات نزع سلاح وإلى الحصول على قروض ورساميل أمريكية تستثمر في مشاريع مشتركة ونظرًا لأن السوفيت لا يخفى عليهم النفوذ اليهودي في المؤسسات المالية والسياسية الأمريكية فإنهم يرون -على الأرجح- أن سياسة أكثر لينا وانفتاحًا على دولة العصابات الصهيونية تساعد على تلميع صورتهم في أمريكا ليحصلوا على الأموال التي يريدونها.

وهكذا يمكن القول إن السوفيت مستعدون لمقايضة اليهود في بلادهم بالأموال الأمريكية ومستعدون لإعادة العلاقات مع الصهاينة مقابل تدفق المزيد من الأموال الأمريكية والتكنولوجيا الأمريكية.

الأكيد إذن أن سياسة المصالح هي التي أدخلت قضية العلاقات مع العدو الصهيوني ضمن معركة التجاذب والأخذ والرد بين العملاقين وكلما زاد التفاهم بينهما زادت إمكانية حصول تحول في الموقف السوفيتي غير أنه لا يجب أن ننسى أن عوامل جديدة قد تدفع هذا الموقف إلى اتجاه آخر ونعني بذلك امتعاض السوفيت من صنع الصهاينة لصاروخ «أفيريحا ٢» القادر على حمل رأس نووي والوصول بها إلى الأراضي السوفيتية -فضلًا عن كل البلاد العربية- حيث أن مداه يصل إلى ١٤٠٠ كلم علاوة عن اشتراك الصهاينة في برنامج ما يعرف بـ «حرب النجوم» التي ما زال الاتحاد السوفيتي يشن ضده الحملة تلو الحملة.

لقد قال بعض الرؤساء الأفارقة عندما لامتهم الجامعة العربية على إعادة علاقات بلدانهم بالكيان الصهيوني: «إنكم تطلبون منا أن لا نفعل ما يفعله العرب ذاتهم» ملمحين بذلك إلى الاتصالات بين بعض الساسة العرب والصهاينة السرية منها والعلنية وإلى ارتباط مصر بعلاقات دبلوماسية مع العدو. ويمكن للاتحاد السوفيتي اليوم أن يقول نفس الشيء ولا ننسى أنه كان في طليعة الدول التي سارعت إلى الاعتراف بدولة الصهاينة.

خلاصة القول إن المبادئ تذوب وتتلاشى أمام المصالح وفي الظروف الحالية لا بد للعرب أن يتحركوا ويلاحقوا التطورات الأخيرة قبل أن تقوى دولة العصابات سياسيًا بالسوفيت مثلما قويت عسكريًا بالأمريكان.

الرابط المختصر :