العنوان السياسة الأمريكية تجاه «دول التمرد» في الشرق الأوسط
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 3
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
علاقات
دولية
تصوغ
الولايات المتحدة سياستها في الشرق الأوسط
وفقاً لعدة مصالح معروفة، كحماية إسرائيل،
والحفاظ على تدفق النفط بصورة شبه محتكرة،
وتلعب بعض الدول دوراً إيجابياً أو سلباً
بإرادة أو بدون إرادة في رسم السياسة
الأمريكية في المنطقة.
وتبحث
هذه الدراسة التي أعدها السياسي الأمريكي
ستيفن زونيس الدور السلبي الذي تلعبه دول
«التمرد»، والمتاعب والمشاكل للولايات
المتحدة في رسم السياسة الأمريكية، وهي:
ليبيا، والعراق، وإيران، وتسمى هذه الدول
الثلاث وفق المصطلح الأمريكي Rogue
States على
اعتبار ما تسببه للولايات المتحدة من
متاعب في المنطقة.
وتخلص
الدراسة المنشورة في الفصلية الأمريكية
Middle East Policy إلى
أن السياسة الأمريكية في المنطقة ذات
معايير مزدوجة تخفي نياتها السيئة تحت
عباءة مصطلحات مطاطة كـ «الإرهاب»، و«خطر
التسلح النووي»، وهي مصطلحات لو طبقت حق
التطبيق لوافقات الكثير من ممارسات الدول
الحليفة لأمريكا وعلى رأسها إسرائيل.
ولأكثر
من 50 سنة مضت كانت الولايات المتحدة تبرر
سياستها التعسفية في الشرق الأوسط بحجة
الخطر السوفيتي، أما الآن وبعد انتهاء
الحرب الباردة فالتركيز صار قائماً على
الدول التي ترفض أن تخضع للسياسة الأمريكية،
خاصة فيما يتعلق بإسرائيل.
وقد
سهل المهمة الأمريكية في المزايدة على
هذه الدول، النمطيات السائدة عن العرب
والمسلمين والتي تعززها كتابات أكاديميين
وسياسيين أمثال صموئيل هانتنجتون، وبرنارد
لويس، فتعرف أمريكا هذه الدول بأنها تلك
«التي تمتلك قوة عسكرية ضخمة، وترغب في
التسلح النووي، وتتمرد على ما جرى التعارف
عليه بأنه الوضع الطبيعي في القانون
الدولي».
وحالياً
تضع أمريكا (ليبيا، والعراق، وإيران) على
رأس الدول «المتمردة» في المنطقة، فيما
تحتل سورية المرتبة الثانية، والسودان
المرتبة الثالثة، وبالنظر إلى التعريف
الأمريكي لـ«الدول المتمردة» فإنه ينطبق
على إسرائيل أيضاً بحكم تسلحها النووي
وقدرتها العسكرية الضخمة، ولكنها لا تخضع
لحقيقة للمصطلح الأمريكي الذي صيغ حصراً
على الدول المذكورة ولاعتبارات التحالف
القوي بينها وبين واشنطن.
وتتحجج
الولايات المتحدة أيضاً في تبرير سياستها
بأن دولاً مثل سورية، وإيران، والسودان
تنتك
حقوق الإنسان، متجاهلة في الوقت نفسه
حالات القهر الحاصلة لدى دول حليفة كتركيا،
وتطبق أمريكا على بعض دولها الحليفة تسمية
«الدول المعتدلة»، فقط لأن سياستها تتوافق
مع المصالح الأمريكية، وإن خلت سياستها
في الواقع من أي «اعتدال» أو «وسطية».
«الإرهاب»
كما تراه أمريكا
يحكي
القديس أوغسطين أن إمبراطوراً ألقى القبض
على أحد القرصانة الذين كانوا يسرقون
وينهبون، وسأله عن سبب هذه الجرائم؟ فرد
عليه القرصان بأن ما يرتكبه من جرائم هو
عين ما تفعله الإمبراطورية بشكل دوري
ولكن تحت مسميات أخرى.
ساق
المفكر نعوم تشومسكي هذه القصة كي يدلل
على أن أمريكا نفسها ضالعة في الإرهاب
تماماً، كتلك الدول «المتمردة» التي
تتهمها واشنطن بالإرهاب أو برعاية الإرهاب،
وصار المصطلح الأمريكي «الإرهاب» مسيّساً
لدرجة أفقادته مصداقيته.
فالولايات
المتحدة على سبيل المثال اعترفت أكثر من
مرة بأنها لا تمتلك الأدلة على ضلوع سورية
في الأنشطة الإرهابية منذ سنة 1986م، وأن
سورية لعبت دوراً ضاغطاً على حزب الله
للإفراج عن بعض الرهائن في جنوب لبنان.
على
العكس، أبدت الإدارة الأمريكية استعدادها
لأسقاط سورية من قائمة «الدول الإرهابية»
إذا تعاونت استراتيجياً واقتصادياً مع
المصالح الأمريكية في المنطقة، الأمر
الذي يعني أن نعت دولة ما بـ«الإرهاب» هو
نوع من الضغط تمارسه واشنطن عليها لتغيير
سياستها باتجاه معين.
كما
لا تملك الإدارة الأمريكية أي دلائل على
ضلوع إيران في الإرهاب يبرر العزلة التي
تمارسها واشنطن عليها، حتى تلك الحكومات
غير الراضية عن السياسة الإيرانية تعترف
بأن أمريكا تتعسف في التعامل مع طهران
وتبالغ في كيل الاتهامات غير المدعومة
بالأدلة.
وقد
فرضت الولايات المتحدة حظراً تجارياً
على إيران منذ أبريل عام 1995م، في الوقت
الذي لاحظ فيه مراقبون غربيون تقليص إيران
لأنشطتها في جنوب لبنان، حتى «عمليات
اغتيال» التي تمت في الخارج واتهمت واشنطن
طهران بالمسؤولية عنها فهي مواجهة - حسب
ما وصف المراقبون - ضد معارضين إيرانيين
ليس ضد مصالح أمريكية أو إسرائيلية، إلى
جانب ذلك تشهد إيران حالياً تغيرات تدريجية
فيما يتعلق بسياستها الخارجية، خاصة في
أعقاب مجيء محمد خاتمي للسلطة مقارنة
بالحكومات السابقة، ويطمح خاتمي إلى
انتهاج سياسة منفتحة تجاه الآخر بما في
ذلك القوى الغربية نفسها.
أما
ليبيا فلطالما احتلت البؤرة الرئيسية
التي تمارس من خلالها الولايات المتحدة
سياستها في الغطرسة على المنطقة، كان
أشدها وطأة الغارة الأمريكية عام 1986م،
ونجحت الولايات المتحدة أيضاً في عامي
1992م، و1993م في الضغط على الأمم المتحدة
لاستصدار قرارات حظر على ليبيا حتى يقوم
القذافي بتسليم المتهمين بتفجير طائر
شركة «بان أمريكان» في بريطانيا عام
1988م
ويبرر
البعض تفجير الطائرة على أنه انتقام من
الغطرسة الأمريكية على الأراضي الليبية
عام 1986م، وبررت واشنطن الغارة على أنها
«منع لرعاية عمليات إرهابية مستقبلاً»،
في الوقت الذي يحرم فيه القانون الدولي
استعمال القوة العسكرية إلا في حالات
مباشرة من الدفاع عن النفس، وكان نتيجة
الضربة الأمريكية مقتل 60 شخصاً أغلبهم
من المدنيين.
المفارقة
في الموقف الأمريكي من المتهمين الليبيين
- لو صحت التهمة - ليس في الناحية القانونية
للجريمة، وإنما في المقاييس المزدوجة
التي تنتهجها واشنطن بهذا الخصوص، ففي
عام 1976م قام أربعة من المعارضة الكوبية
اليمينية بتفجير طائرة كوبية راح ضحيتها
73 راكباً مدنياً، واتضح فيما بعد وأثناء
القبض عليهم في فنزويلا بأنهم تلقوا
تدريباتهم عن طريق المخابرات الأمريكية
CIA،
وأن رئيس المجموعة لويس كارليس كان يعمل
لدى المخابرات الأمريكية منذ الستينيات
حتى أن CIA أعادت
تجنيده بعد تمكنه من الفرار أثناء احتجازه
في فنزويلا.
وكما
ترفض ليبيا تسليم المتهمين الليبيين
للمحاكمة في لندن أو واشنطن، ترفض أمريكا
تسليم العميل الأمريكي جون هول، المتهم
في كوستاريكا بتفجير مؤتمر صحفي انعقد
على الحدود النيكاراجوية عام 1984م، وراح
ضحيته خمسة صحفيين، نتيجة لهذه المفارقة
يعتقد بعض المحللين الغربيين بأن أمريكا
«الإمبراطورية»، لا تختلف كثيراً عن
القذافي «القرصان» في رعاية الإرهاب،
ولكن تحت مسميات أخرى.
وفي
الثمانينيات قامت الولايات المتحدة بدعم
وتدريب مجموعات من المعارضة النيكاراجوية
التي قامت بقتل العديد من المدنيين في
بلدها، فاق عدد ما قتلته المجموعات التي
تدعمها إيران، وسورية، والسودان مجتمعة
- على حد وصف مصادر غربية، وأدى انفجار
بيروت الذي وقع في عام 1985م إلى مقتل 80
شخصاً وجرح 200 آخرين في عملية اعترف
الأمريكي المعروف بوب ودوارد بأن أمريكا
كانت وراءها، وقال ودوارد في كتابه:
«الحجاب: الحرب السرية لـ CIA»،
بأن مدير المخابرات الأمريكية وليام
كايسي هو الذي أبرم خطة التفجير بعد أن
أقرها رئيس الأمريكي السابق رونالد
ريجان.
التسلح
النووي:حرام على المسلمين
وبالإضافة
إلى الإرهاب ورعايته، فإن الولايات
المتحدة تبرر سياستها العدائية تجاه
«الدول المتمردة» بمحاولاتها في امتلاك
أسلحة نووية من شأنها تهديد الأمن العالمي،
وتتهم واشنطن طهران بأنها من الدول التي
تخترق معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية
(NPT) وتحاول
سراً بناء ترسانة عسكرية ونووية ضخمة
بمساعدات من الخارج، وكانت أمريكا قد
مارست ضغوطاً على روسيا لأنها باعت إيران
معدات نووية لاستخدامات مدنية في عام
1995م، وعلى الرغم من أن الصفقة الروسية لم
تخترق بنود الحظر إلا أن واشنطن بدت متخوفة
منها،
مع
أن مصادر غربية استبعدت أن تتمكن إيران
من استخدام هذه المعدات في بناء مفاعلات
نووية حتى لو رغبت في ذلك.
المفارقة
أن روسيا ليست الدولة الأولى التي تبيع
تكنولوجيا نووية للإيرانيين، فخلال فترة
السبعينيات كانت الولايات المتحدة تشجع
الشركات الأمريكية على بيع مفاعلاتها
النووية للحكومة الإيرانية تحت الحكم
البهلوي للشاه، وكان القلق الدولي من أن
يسيء الشاه استعمال هذه المعدات لنواياه
العسكرية أشد وطأة من القلق من «ملالي
الثورة».
تأييد
البرنامج النووي الإسرائيلي
وبالمقارنة
فلا توجد أي مشاكل لدى الولايات المتحدة
لأن تمتلك إسرائيل قوة نووية في المنطقة
«المعترة»، بل وتكون الولايات المتحدة
هي المسؤول الأول عن تسليح إسرائيل منذ
الخمسينيات وحتى امتلاك تل أبيب للسلاح
النووي، وكان البرنامج النووي الإسرائيلي
يلقى تأييداً منذ عهد الرئيس الأمريكي
نيكسون، ووزير خارجيته هنري كيسنجر، فيما
يتعلق بتصدير المعدات لمفاعل «ديمونا»
الإسرائيلي الشهير، وحرصت إدارة نيكسون
على التكتم بشأن التسلح الإسرائيلي وعدم
فتح الملف النووي في الشرق الأوسط إلا
فيما يخص بعض الدول العربية، واستمر
التأييد
الأمريكي
حتى عهد ريجان الذي كان يخفي أسرار التسلح
النووي الإسرائيلي على بعض الأجهزة
الأمريكية نفسها والمعنية بقضية حظر
انتشار الأسلحة المدمرة، وقد حافظ الرئيس
كارتر على السرية نفسها، كما يشير إلى
ذلك السياسي الأمريكي جوزيف ناي، ثم اتبعت
الإدارة الأمريكية في عهد بوش السياسة
نفسها عندما باعت إسرائيل 1500 قطعة نووية
على الأقل.
والقضية
كما يشير إليها ستيفن ليست أن الولايات
المتحدة تريد فعلاً إلغاء حظر انتشار
الأسلحة النووية، وإنما تستبقيها لنفسها
ولحلفائها فقط في امتلاكها، والحليف
الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة في
الشرق الأوسط هو إسرائيل، ولهذا رفضت
واشنطن التدخل للضغط على إسرائيل للقبول
بمعاهدة حظر الأسلحة النووية كما طمحت
إلى ذلك مصر.
أما
فيما يتعلق بانتقاد أمريكا لبعض الدول
العربية لتطبيقها المقاطعة الاقتصادية
على إسرائيل من الدرجة الثانية، أي مقاطعة
الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل،
فإن أمريكا تقع في نفس الازدواجية عندما
تفرض المقاطعة الاقتصادية من الدرجة
الثانية على إيران، هذه الازدواجية تفقد
السياسة الأمريكية مصداقيتها لدى شعوب
المنطقة.
هناك
العديد من القوى التي تدفع السياسة
الأمريكية
تجاه «الدول المتمردة»، وأهمها اللوبي
اليهودي - الصهيوني الذي يلقي على عاتق
الولايات المتحدة مسؤولية دعم إسرائيل
لمواجهة الخطر الذي يهددها من هذه الدول
المتمردة، ولكن تبعد بين إسرائيل وبين
هذه الدول مسافة تتراوح بين 280 إلى 800 ميل
تفصل بينها دول مماثلة لإسرائيل، بل
وبعضها معاد لحكومات «الدول المتمردة»،
ثم إن إسرائيل بالمنح السنوية التي تحصل
عليها من الولايات المتحدة وتقدر بـ 4
ملايين دولار، قابلة على أن تنفق على
قوتها العسكرية في مواجهة أي خطر محتمل
من هذه الدول، إضافة إلى ذلك لم يحدث أن
صرحت حكومات هذه «الدول المتمردة» عن
نيتها ضرب إسرائيل بما في ذلك القذافي
الذي كان بعض العرب يعلّق عليه آمالاً
كبيرة في هذا الاتجاه، وأيضاً لو كانت
إسرائيل تخشى حقيقة من هذه الدول لما
ساهمت في الثمانينيات بإمداد الجمهورية
الإيرانية بالأسلحة الأمريكية، فيما عرف
باسم «إيران جيت».
النقطة
الأخرى هي أن إسرائيل تظل الأقوى عسكرياً
في المنطقة، فمصر، والأردن، والمنظمة
الفلسطينية في سلام معها، ولبنان دولة
ضعيفة، وسورية قلصت أنشطتها العسكرية
بسقوط الاتحاد السوفيتي، ودول الخليج
مركزة أكثر على الخطرين العراقي والإيراني،
لم يبق سوى أن إسرائيل تستثمر موضوع الخطر
المزعوم لاستدرار
المزيد
من المساعدات الأمريكية، خاصة بعد انتهاء
مبرراته بانتهاء الحرب الباردة.
أما
على مستوى السياسة الأمريكية الداخلية
فالولايات المتحدة تحتاج إلى «عدو» يعطي
الرؤساء الأمريكيين المزيد من الشعبية
لسياساتهم في المنطقة، من ناحية أخرى
تسمح فكرة العدو لوزارة الدفاع الأمريكية
بالمطالبة بنصيب الأسد من الميزانية
الأمريكية، وخاصة أن مهمتها القديمة
تتعرض للتهديد والانقراض في أعقاب انتهاء
الخطر الشيوعي، والآن يبرر البعض التسلح
الأمريكي بإمكانية ظهور «عدو إقليمي» في
المنطقة، أو عدو عالمي كالصين أو روسيا،
المهم أن تبقى عملية التخويف قائمة لضمان
أن يصب أكبر قدر من الأموال لصالح الماكينة
العسكرية، وتقدر ميزانية البنتاجون
الحالية بحوالي 260 بليون دولار، وهي
ميزانية تفوق ميزانيته السابقة فترة
الحرب الباردة.
هذه
السياسة الأمريكية التي تدفع باتجاه
إسرائيل ومطامح شخصية لدى صناع القرار
الأمريكي ليست لصالح واشنطن مطلقاً، فإلى
جانب أنها تزيد من استفزاز شعوب العالم
الثالث وكرهه للولايات المتحدة فإنها
مكلفة مالياً بالنسبة لأمريكا، والأولى
بها أن تنفق هذه المبالغ الضخمة في
الإصلاحات الداخلية ومعالجة مشاكل أكثر
إلحاحاً كالفقر والتلوث البيئي.
الولايات
المتحدة ظلت لأكثر من 50 عاماً مضت تبرر
سياستها التعسفية في الشرق الأوسط بحجة
الخطر السوفيتي لكنها الآن توجه تعسفها
للدول الرافضة للرضوخ لها
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل