العنوان السودان يواجه : حرب الصليب الإعلامي
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1988
مشاهدات 158
نشر في العدد 885
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 04-أكتوبر-1988
- الإعلام الغربي يشن هجومًا مخططًا ذي فعاليات متعددة من أجل محاصرة السودان.
ذكر رئيس وزراء السودان الصادق المهدي بأن حکومته تتعرض حاليًا إلى ضغوط خارجية واسعة بشأن مساعيها الرامية إلى تقنين وتنفيذ القوانين الإسلامية وكان الصادق المهدي يتحدث إلى الإذاعة السودانية في مقابلة بثها راديو أم درامان الأسبوع الفائت. وأضاف قائلًا: «إننا لن نستجيب لأية ضغوطات خارجية. بل إن مثل هذه الضغوط ستجعلنا أكثر قوة في التمسك بأهدافنا» ولعله من نافلة القول أن نذكر بأن مصدر الضغوط هو العالم الغربي حامي حمى الحريات. وراعي الديمقراطية «الليبرالية» وفي معرض الضغوط الخارجية تأتي قائمة طويلة تزخر بأدوات الضغط ودعاته ومنفذيه كما تأتي الزيارات المتكررة من قبل رموز السلطات الغربية شاهدًا شاخصًا على كثافة الضغوط وتتابعها فقد زار الخرطوم منذ مجيء حكومة السيد المهدي كل من الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر ثلاث مرات ومساعدي وزير الخارجية کيث براون وتشستر كروكر أكثر من مرة كما زارها في وقت سابق نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش وقد أجمعت التقارير بأن وراء كل زيارة كانت قضية جنوب السودان تمثل مركز الاهتمام.. ولعل آخر تلك الزيارات الجولة التي قام بها جيفري هاو وزير الخارجية البريطاني في منتصف سبتمبر المنصرم والتي اقتصرت بالتمام والكمال على تطلعات بريطانيا في شكل الحل المقترح لمشكلة الجنوب وقد يتساءل البعض وما علاقة حل مشكلة الجنوب بالضغوط على الحكومة السودانية؟.. فإذا ما علمنا بأن المدخل للضغط يأتي عبر قناة الحرب في جنوب السودان يتبين لنا وقتها علة الاهتمام الغربي المكثف بحل مشكلة الجنوب السوداني. وحتى يضمن الغرب فعالية سلاح- الضغط- المستخدم في تحقيق أهدافه فلا بد أن يحشد قوى السحر العصرية المتمثلة في الإعلام حتى يخلق الأجواء الداعية لإنجاح معركته ضد التوجهات الانعتاقية التي أرادت حكومة المهدي أن تنتهجها في مجالات الثقافة والقانون وأسلمة الحياة السودانية عمومًا.. ولهذا نرى كل هذا التركيز على إبراز نقاط الضغط الإعلامية ضد السودان فالمعركة دخلت دائرة الخروج على نهج الغرب وخططه فلا بد من حشد يخيف حكومة الخرطوم ويعمل على تركيعها أمام المساعي الغربية.
لونية ساخنة:
نشرت صحيفة «الصنداي تايمز اللندنية» الصادرة في 4 سبتمبر الماضي خبرًا مفاده أن القبائل العربية في جنوب كردفان ودارفور قامت بذبح عشرين ألفًا من رجال قبيلة الدينكا.. واستخدام خمسين ألف فتاة من الدينكا كرقيق. هكذا هذه المرة. فإن الأمر جد خطير، ولا بد أن تفهم الحكومة السودانية- ودعوتها لتطبيق القوانين الإسلامية- بأنها ليست بمنأى عن الذراع الإعلامي الرهيب.. وبالرغم من أن صورة الإعلام الغربي ما زالت في عيون الكثيرين حافلة بالثقة والاحترام إلا أنها عندما تحدوها عاطفة الهيمنة تخرج عن موضوعيتها لتنشر أكاذيب ضخمة الآثار كحادثة استرقاق قبيلة بأكملها أليس رقمًا بحجم 50 ألف يمثل أكثر من قبيلة... والصنداي تايمز ليست في هذا بدعًا فقد سبقتها صحيفة «الكريستان ساينس مونیتور» والتي تخصصت في نشر الدعاوى حول ازدهار تجارة الرقيق في غرب السودان حيث القبائل العربية تمارس استرقاق شعب الجنوب. ويكذب كل تلك الدعاوى وجود المعسكرات الضخمة للقبائل الجنوبية في حرب السودان كما يكذب ذلك النزوح الواسع والمنظم من قبل الجنوبيين إلى مناطق جنوب كردفان ودارفور.. والأمر في مجمله لا يدلل إلا على نوايا مبيتة أراد لها الإعلام الغربي أن تأخذ لونية ساخنة حتى تثمر عمليات التشويه في إخضاع التوجهات المتمردة لحكومة الخرطوم... ولم تكتف الصحف ووكالات الأنباء الغربية «رويتر» بنشر الأكاذيب وإنما عززت تلك المجهودات بنشر نوعية منتقاة من الصور تبين كم هو إنسان الجنوب السوداني معتر وفقير ومقهور وقد تكون الصور صحيحة وإلا أن التوقيت يشي بالنوايا المرادة في إظهارها كما أن مثل هذه الصور ليست قاصرة على إنسان الجنوب وإنما هي شائعة في أكثر من ٦٤ دولة من دول العالم الثالث الذي يعاني من سوء التغذية وأمراض السل الرئوي.
امسك حرامي!
إبان أيام كارثة الفيضان التي شهدتها الخرطوم في مطلع أغسطس الماضي فتحت الإذاعة البريطانية: «BBC» نيرانها ضد حكومة الخرطوم ووصفتها بالتلاعب في المعونات والإغاثة التي جاءتها من خارج الحدود وحددت المتهم الأول في سرقة مواد الإغاثة بالجيش السوداني وظلت تردد هذه الإشاعات كما ساعدت صحف الغرب ووكالات الأنباء- رويتر- على ترويج أمثالها حتى صدق أو كاد يصدق كثير من المراقبين تلك الافتراءات المضللة... فالجيش السوداني لا بُدَّ أن يكون هدفًا مقصودًا للإذاعة البريطانية ووكالات الأنباء بعد أن أقدم على أشرف مهمة حيث انحاز للشعب وثورته في ٦ أبريل 1985 ورد الأمانة في مايو ۱۹۸٦ بعد انتخابات وصفها الأعداء بالنزاهة قبل الأصدقاء والجيش الذي رفض قائده سوار الذهب- يومها- إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية لا بُدَّ أن يذوق وبال تمرده.. وقد ذكر الصادق المهدي بأن الجيش قد تنازل عن مخزونه الاستراتيجي الذي تجاوز ٦ آلاف طن من المواد الغذائية والجيش لا بد أن يصبح هدفًا لسهام الافتراء الغربي أو ليس هو الذي حرم المتمردين الجنوبيين بقيادة قرنق من تحقيق أي نصر ولو احتلال مدينة واحدة في أقصى الجنوب لهذا كانت الادعاءات الفارغة والعريضة ضد الجيش السوداني والذي طالما بنيت عليه آمال الأطماع الغربية وأوهامها فتحول بدلًا من العمالة إلى الأصالة والعقيدة والوفاء لإسلامه. هكذا يسعى المخطط الغربي في هز الصور المشرقة حتى تكتمل روح الاستسلام وهذا ما حدا بالناطق الرسمي وزير الثقافة في الحكومة السودانية عبد الله محمد أحمد بأن يندد بالدول الغربية وموافقها وخاصة بريطانيا وأمريكا اللتان لم ترسلا إغاثة تذكر- حيث أرسلتا مجموعة من كتب التبشير للأطفال- ومع ذلك أطلقت العنان لخيالها الإعلامي في خلق الافتراءات وتزييف الحقائق والمجد للجنوب..
كتبت صحيفة «التايمز» اللندنية في ١٢ أغسطس ۱۹۸۸ مقالًا تدعو فيه دول العالم لممارسة نوع من الضغط على الحكومة السودانية حتى توافق على إقامة اتفاقية تلبي ولو جزئيًا بعض أهداف المتمردين. وهذا النهج ليس الأول من نوعه فالوكالات الغربية وخاصة «رویتر الأسوشيتدبرس» درجتا على تمجيد حركة التمرد وقائدها جون قرنق كما تدعوان ضمنيا إلى لفت انتباه العالم واستعداء الرأي العام العالمي ضد حكومة الخرطوم وإظهار حركة التمرد بأنها حركة ثورية مسيحية ضد الظلم الذي يمارسه الشمال العربي المسلم علمًا بأن التشخيص العلمي والموضوعي لا يمت إلى التصنيف بصلة حيث إن قائد حركة التمرد عنصري وهو ماركسي كما أن معركة الجنوب هي حركة تمرد يدعمها أصحاب الأطماع من الغرب والشرق على حد سواء والجنوب ليس أرضًا مسيحية خالصة فنسبة المسيحيين فيه لا تتعدى 11٪ في حين أن نسبة المسلمين فيه تتجاوز 20٪ وتمجيد حركة التمرد انطلى على الإعلام العربي حيث إن كثيرًا من الصحف العربية تطلق على التمرد صفة الثورة وتسمي المتمردين بالثوار وهو تأثير مباشر لمصطلحات الإعلام الغربي المنحاز... والتمجيد يظهر في الاحتفاء بالأكاذيب التي تطلقها حركة التمرد من إذاعتها في جنوب اليوبيا وفي اللقاءات التي يجريها التلفزيون البريطاني لقادة التمرد دون مراعاة لمشاعر الدولة السودانية التي ما زالت ترفع شعار السلام في الجنوب وتدعو قادة التمرد إلى مائدة المفاوضات.. وفي غضون ذلك تنسى الدوائر الغربية كل الجرائم التي ارتكبتها حركة المتمرد قرنق من قتل للجنوبيين الأبرياء وتهديد سلامة المواصلات بين الشمال والجنوب وإسقاط الطائرة المدنية وتمجيد الجنوب دفع برويتر إلى إذاعة بيان خاص في ٢٥ سبتمبر ۱۹۸۸ عن قبيلة الدينكا ورجالها المحاربون الأشداء وهذه الإشادة تتوافق تمامًا مع مرامي الإعلام الغربي حيث إن الدينكا هي قبيلة جون قرنق و80٪ من جنوده منها أكاذيب في المزاد.
ضمن حملة التشهير على حكومة الوفاق الوطني والتي آلت على نفسها ضرورة التزام بالميثاق الإسلامي أذاعت منظمة اليونيسيف ومنظمة الصليب الأحمر بأن السودان مقدم على حالة- فناء بالجملة- فإن هناك أكثر من ٤٠٠ ألف طفل دون الثالثة في الخرطوم معرضون للموت من جراء التلوث في مياه الشرب هكذا! رقم لا تقبله لغة الأرقام التي لا تكذب حيث الإحصاء في المنظمة الدولية مجرد خبط عشواء فالخرطوم التي لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين لا تمتلك أطفالًا بهذا الحجم وأذاعت وكالات الأنباء في ١٠ أغسطس الماضي بأنه لا يقل عن مليون سوداني معرضون للموت وكل هذا المزاد في فناء أطفال وشباب أهل الخرطوم كان مصنفًا منذ البداية ضمن خطط الإجهاض للمشروع الإسلامي حتى لا يجد طريقه إلى المؤسسات الرسمية وقد دللت الأيام على أن الموت لم يحصد آلافًا ولا مئات بل إن الكارثة لم تخلف إلا أعدادًا أضأل من أكثر التوقعات تفائلًا ولكن الإعلام الكاذب يؤدي مفعوله ولو لم يحالفه الصدق بهذه القاعدة «الهتلرية» ينازل الإعلام الغربي خصومه وهو الأقوى تأثيرًا وإلا بعد إرسالًا وأكثر الأصوات المسموعة والمقروءة وصولًا.. وما زال مزاد الكذب يواصل مشواره فهو يفاجئ القارئ يوميًا بأعداد خيالية لمجاعة غير محدودة تخيم على الجنوب السوداني وقد تكون هناك بعضًا من الحقيقة في تغطية أخبار الجنوب إلا أن الأرقام لا تلتزم الصدق وإنما مبنية على التخمين وجلب الإثارة.. وقد التقطت افتراءات الصحافة الغربية كل من صحيفة الشعب المصرية التي يرأسها عادل حسين ومجلة الحوادث في عدديهما (1661، 1664) وجريدة الشرق الأوسط.
إن الإعلام الغربي يعمل بشن هجومه وفقًا لمخطط غربي واسع وهو ذو فعاليات متعددة ففي المجال النفسي يجد الشعب السوداني نفسه محاصرًا بعدة نقاط ضعف تجعله يتردد في الإقدام على تأييد توجه الحكومة في مشروع أسلمة القوانين والانعتاق من السيطرة الثقافية الغربية ومن جانب الحكومة يتحول صوت الإعلام إلى حالة اتهام يلاحق صورة الدولة في المحافل الدولية وفي علاقاتها مع دول العالم فلا تجد الرضا على نفسها وهو وضع يدفع إلى الانكسار تجاه المخطط الغربي والإعلام العربي في معركته الحالية يجد نفسه أمام حقيقتين شديدتي المرارة فقد كاد يخسر الجنوب السوداني نهائيًا بعد أن استوعبت الحكومة دروس الماضي وسعت إلى استيعاب الجنوبيين في الشمال مما ينهي الوضع الجغرافي السابق كما أن أغلبية الجنوبيين سوف يعتنقون الإسلام وعلى أقل تقدير فإن الثقافة الإسلامية العربية ستكون صاحبة الغلبة عليهم وبذلك تبدد أسباب إشعال الفتنة في الجنوب إلى الأبد... والحقيقة الثانية هي أن الحكومة بتوجهاتها الإسلامية ربما تفتح الباب على مصراعيه للتخطي الكامل للنهج الغربي وهو ما قد يتولد عنه استقلالية ثقافية وعقائدية قد تدفع بالإسلام قدمًا في أفريقيا وبذلك تتحطم المخططات الرامية إلى السيطرة الكلية على موارد المواد الخام في أفريقيا وسيادة الرجل الأبيض المتفوق وفوق هذا وذاك فإن العقيدة تدفعهم لرفض كل توجه إسلامي... وصدق الله العظيم: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ (البقرة:120).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل