العنوان السودان.. إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1976
مشاهدات 1
نشر في العدد 308
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 13-يوليو-1976
تعليق
الأسبوع
السودان..
إلى أين؟
· السودان لا تقبل
غير الإسلام شريعة ونظام حكم.
· النشاط الصليبي
يهدد السودان بكارثة.
· التدخل الخارجي
ليس علاجًا لديمومة النظام المستبد
الحكم على المحاولة الانقلابية الأخيرة في
السودان يعتمد على الوقوف على الدوافع التي تسبب هذا الغليان الشعبي في القطر
الشقيق.. فالواقع القائم هناك وفي جميع جوانبه بالإضافة إلى المستقبل الذي يمكن أن
ينتهي إليه مدفوعًا بتخطيط منظم من قوى ظاهرة ومستترة.. وهو وحده الذي يبرر الثورة وحتمية
التغيير.
والذي يجعلنا
نهتم بما حدث في السودان مؤخرًا، وما حدث من قبل كذلك أمران:
أولهما-
الوضع الحرج الذي يمر به الإسلام في السودان حيث تعمل قوى مختلفة على إضفاء طابع
غير عربي وغير إسلامي على شعوبه. وقد قطع هذا المخطط شوطًا بعيدًا في حيز التنفيذ
وبدأت بالفعل كيانات مصطنعة غير إسلامية تبرز كواقع جديد.
ثانيهما-
العلاقة المضطربة بين حركة الدعوة الإسلامية والفئة الحاكمة هناك.
فالمعروف أن
الشعب السوداني هو شعب عربي مسلم، لا يكاد الإنسان يميز فيه بين العنصر العربي
النقي الذي وصل مع طلائع الفتح الإسلامي ثم تأقلم مع الواقع وبين العنصر المستعرب
الذي شكل مع الفئة الأولى التركيب العرقي الجديد في بوتقة الإسلام إلا أن أجزاء من
القطر، في الجنوب وبعض مناطق الشمال بقيت بسبب «قانون المناطق المقفولة» الذي وضعه
وطبقه الاستعمار البريطاني بمنأى عن هذا التفاعل الاجتماعي والحضاري فتأخرت عملية
التعريب والإسلام فيها -بسبب صعوبة الاتصال- إلى ما بعد الاستقلال:
ولكن
الاستعمار والكنائــــــــــــس والصهيونية دبروا الحروب الإقليمية في هذه المناطق
لعرقلة ذلك بأي ثمن.
وبعد سقوط
الحكم العسكري الأول «حكم الفريق عبود» عام ١٩٦٤ وإعادة حكم الشورى والدستور عاد إلى
البلاد زعيم المتمردين «وليم دينق» وتم تنظيم مؤتمر مائدة مستديرة بين الشماليين
والجنوبيين.. استقر بعده «وليم دينق» وقادة حزبه في الخرطوم وقرروا سلوك طريق
العمل السياسي بدلًا من حرب العصابات، ووصلوا من التفهم حدًا أنهم قبلوا بالدستور الإسلامي
المزمع إعلانه في ذلك الوقت طالما أن الدستور الإسلامي يضمن لهم حريتهم الدينية
وحقوقهم كأقلية دينية وطالما أن تلك هي إرادة الأغلبية الشعبية في وضع- ديمقراطي- وكان
الدكتور حسن الترابي قد لعب دورًا كبيرًا في إقناعهم بذلك غير أن بعض العملاء من
هذه العناصر «أقری جادين من الجنوب والقس فيليب غبوس في جبال النوبة» وكليهما من
أبناء المسلمين الذين تم تنصيرهم على يد الكنائس، استمروا في زرع بذور الشقاق
والفتنة الصليبية كما ساعدت إسرائيل الأب «ساترنينو» و «وجوزيف لاغو» على تكوين
جيش «الأنانيا» في الجنوب وتسليحه «الأول قتل خلال الحرب والثاني الذي تدرب في إسرائيل
وقع اتفاقية الجنوب مع نميري وأصبح قائد القوات الجنوبية وعضو القيادة العليا في
الجيش السوداني برتبة لواء!».
ثم وقع
انقلاب عام ١٩٦٩ وألغي مشروع الدستور الإسلامي وحل البرلمان وقضي على الديمقراطية
ثم بدأت مطاردة الحركة الإسلامية بكل منظماتها وقياداتها.
وأيد الغرب
وعملاؤه الانقلاب على الرغم من الشعارات الشيوعية -الناصرية التي رفعها في أول
أيامه.
ثم جاءت
اتفاقية أديس أبابا التي أملاها مجلس الكنائس العالمي وهيلاسيلاسي على الحكومة فأعطت
المتمردين ما لم يستطع الاستعمار البريطاني أن يحققه من قبل. ومع أن نصوص
الاتفاقية واضحة في جنايتها على سيادة السودان ووحدته وعلى المقومات الأساسية لأمته
خصوصًا الإسلام والعروبة.. فإن ما حدث بعد ذلك في التطبيق تجاوز هذه الجريمة مثلًا:
نصت الاتفاقية على أن يكون ٥٠٪ من القوات في الجنوب من الجيش السوداني و٥٠٪ من
المتمردين. وذلك في مرحلة انتقالية يتم بعدها دمج المتمردين في الجيش السوداني
بكامله. والآن ۱۰۰٪ من القوات
المرابطة في الجنوب هي من جيش الأنانيا الذي تم تدريبه وتأهيله على يد الحكومة
السودانية كما تم تسليمه بأسلحة الجيوش النظامية الثقيلة- وعين قائد المتمردين
السابق صديق إسرائيل وعميلها «جوزف لاغو» قائدًا عامًا للقيادة الجنوبية مع زملائه
الذين تدربوا في إسرائيل.
·
تم طرد جميع العاملين في الجنوب من موظفي
الحكومة الشماليين وحل محلهم موظفون من أبناء الجنوب -كما أصبحت
جميع قوات الشرطة والأمن والسجون من المتمردين.
·
تم إبعاد جميع التجار الشماليين الذين نشروا الإسلام
والثقافة العربية في الجنوب باختلاطهم مع الجنوبيين وذلك عن طريق التضييق عليهم في
أعمالهم.
·
منعت الدعوة الإسلامية ببنود سرية ملحقة مع
اتفاقية الجنوب العلنية.
·
بدأت الكنائس والإرساليات التبشيرية بالتركيز
على مسلمي الجنوب لتنصيرهم والقضاء على الوجود الإسلامي في الجنوب تمامًا.
·
وتدريجيًا بدأ الوضع يتحول من حكم ذاتي إقليمي إلى
دولة مستقلة.
عن الإدارة
المركزية. فوزير مالية الجنوب يجمع القروض الأجنبية من الغرب بغير علم الحكومة
المركزية ووزير التجارة.. يسير تجارته الخارجية عن غير طريق الحكومة المركزية..
وهلم جرا. وأصبحوا يطلقون على «جوزيف لاغو» لقب «الرئيس».
ومعروف أن
الانفصاليين الذين يحكمون جنوب السودان اليوم بتوجيه من الكنائس العالمية وإسرائيل
إنما رضوا بوقف الحرب الأهلية حتى يتمكنوا من حكم الجنوب ذاتيًا لينفذوا عملية
تنصير الجنوب وبناء اقتصاده على حساب الشمال وبناء جيش نظامي قوي ثم ربط الجنوب
اقتصاديًا بشرق أفريقيا، وقد وضح ذلك في مشروع الخط الحديدي المزمع إقامته بين
ميناء ممبسا في كينيا وبين جنوب السودان- والذي سيلعب دورًا حضاريًا فوق الدور
الاقتصادي. وبعد أن يخدموا هذه الأهداف تحت اسم المصالحة مع الشمال سيوجهوا ضربتهم
القاضية للوحدة الوطنية ويفصلوا الجنوب نهائيًا ويعلنوا قيام دولة «أزانيا» المسيحية.
هذه إحدى
المشاكل الرئيسية التي خلقها نظام «ثورة مايو» فـــــــــــي السودان- فإذا أضفنا
لها إفساح المجال للتبشير المسيحي في الشمال المسلم والتفسخ الخلقي الملحوظ الذي
بدأ يتفشى في الأجيال الجديدة بتشجيع من سياسة النظام في مجال الشباب والمرأة، ثم
مطاردة الثقافة الإسلامية ودعامتها كما حدث في مسألة إغلاق المركز الإسلامي الأفريقي
والجامعة الإسلامية ودار النشر الإسلامي وتقليص مناهج الدين في المدارس ومطاردة
أعضاء الحركة الإسلامية التي ظل قادتها في السجون منذ وقوع الانقلاب، وهذه أمور
نمر عليها من دون تفصيل، فإن مجمل هذه السياسات ترسم صورة قاتمة لمستقبل الإسلام
والمسلمين في السودان .
هناك بالطبع
جوانب أخرى مثل الانهيار الشامل في اقتصاد البلاد -فخلال مناقشة الميزانية العامة
في يونيو الماضي في مجلس الشعب- ذكر أحد أعضاء الاتحاد الاشتراكي وهو الدكتور محمد
هاشم عوض أن ديون السودان الخارجية بلغت ٣٠٦٨ مليون جنيه وأن مديونية الحكومة لبنك
السودان بلغت ۳۸۳ مليون جنيه بينما
قامت الدنيا ولم تقعد حينما بلغت ١٥ مليون جنيه على عهد وزير المالية في العهد
الديمقراطــــــــــــــي السابق -كما بلغت أقساط سداد القروض الخارجية ٥٢ مليون
جنيه سنويًا- وجاءت الميزانية بمزيد من الضرائب وزيدت أسعار المواد الاستهلاكية والأقمشة
الشعبية.
كل ذلك مصحوبًا
بفشل الموسم الزراعي فشلًا لم يسبق له مثيل وتعثر مشاريع التنمية التي ظل النظام
يضلل بها الأمة والعالم الخارجي. بالإضافة إلى العامل الاقتصادي هناك العامل
السياسي والحديث عن الفساد الإداري وتحكم أجهزة المخابرات والدكتاتورية العسكرية
والارتباط بالرأسمالية الأميركية الذي بلغ حد «الاستعداد» للاعتراف بإسرائيل.
نخلص من سرد
هذه العوامل إلى أن الوضع في السودان يسير بالبلاد إلى تهديد الكيان الإسلامي
والسيادة ورهن البلاد اقتصاديًا للمستعمر.. وعليه كان الكثيرون من أبناء السودان
يرون أنه لا بد من وقف هذا التدهور وهذا الانهيار بأي ثمن. وهذا وحده يفسر توالي
الانقلابات والثورات في السودان.
إن الثورات
التي حدثت لا يمكن إحصاءها بسهولة فهي ليست أربعة كما تزعم أجهزة الدعاية الغربية.
على ضوء هذه
العوامل المختلفة يمكن فهم الحركة الانقلابية التي حدثت في الأيام الماضية والتي
فشلت كل مزاعم النظام السوداني في إثبات غربتها عن الشعب السوداني أو صلة أي جهة
أجنبية بها- مع أن التدخل الأجنبي الوحيد الذي ثبت باعتراف أهله هو التدخل المصري.
فقد نجح
أعضاء الجبهة الوطنية في استلام العاصمة وشل القوات الحكومية تمامًا.. ولكن الرئيس
السوداني الذي أفلت من الانقلابيين لجأ إلى القوات المصرية في منطقة «جبل الأولياء»
جنوب الخرطوم ثم اتصل بالرئيس السادات الذي أقام جسره الجوي المعروف وأنزل القوات
التي زودها بالدبابات والأسلحة الثقيلة.
ولعل تدخل
الدول المجاورة لحماية نظام هو إحدى العبر الهامة التي أفرزتها هذه الحركة. لقد
برر النظام المجاور هذا التدخل المكشوف بأن أي خطر على السودان هو خطر عليه- ومع
أن الخطر المزعوم على السودان لم يثبت للرأي العام بعد..
أنها أنظمة
تحمي بعضها البعض وحكام يعقدون الصفقات الرخيصة لحماية عروشهم -أما
الشعوب العربية فلا أحد عنده أدنى استعداد لنجدتها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل