; السودان: قصة إعلان قانون الطوارئ وسط قوس الأزمات السوداني | مجلة المجتمع

العنوان السودان: قصة إعلان قانون الطوارئ وسط قوس الأزمات السوداني

الكاتب خالد إدريس

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984

مشاهدات 81

نشر في العدد 672

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 22-مايو-1984

  • تربص الإعلام الغربي بالسودان بدأ بعد إعلان القوانين الإسلامية.
  • قانون الطوارئ ضد بؤر الفساد والأحزاب المشبوهة.
  • التغييرات الوزارية خطوة للأمام تنتظر خطوات أكثر.
  • الفساد الإداري وراء الأزمات الاقتصادية.

الأزمات التي اجتاحت السودان في الآونة الأخيرة لم تكن جديدة عليه، فقد مضت سنتان وهو يتأوه من مضاعفاتها لأنها لم تأت فرادى... ورغم تنوع تلك الأزمات سياسية كانت، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو غير ذلك فقد كان الإعلام العالمي يغض الطرف عنها تمامًا إلا من مسحات عابرة بين صفحات الإصدارات المقروءة أو البث المسموع والمرئي...

وفي الأيام الأخيرة هذه استيقظ الإعلام من غفوته تلك، حيث كفر عنها بتركيزه الشديد واهتمامه بالوضع في السودان، فانقسم بعد استيقاظه إلى ثلاثة أنواع: القسم الأول لم يستوعب ويهتم بما حوله كاملا، والثاني كان مدركًا تمامًا لما حدث وهو المغرض، والثالث كان متثاقلًا اعتمد في معرفة هذه المجريات على المغرضين... ولعله يوجد نوع رابع معه شيء من العذر وهو الإعلام الإسلامي الذي تحفظ - مع دواخله الطيبة - خشية الانزلاق خلف تجارب قرارات حكام البلاد الإسلامية الذين خاب فيهم الفال وضعف فيهم الأمل بتحقيق رغبات شعوبهم بالقرب من الله تعالى.

ولعل محور استيقاظ الإعلام وتنبيهه بالتركيز على السودان هو إعلانات تطبيق الحكم الإسلامي في مختلف أوجه الحياة.

التجارب الإسلامية المشابهة

وإذا تساءلنا عن الذي يجري في السودان إن كان يمثل واحة وحيدة في هذا العالم أم أن هناك خطوات مشابهة له، والحقيقة أن هناك خطوات مشابهة جدا سبقت السودان مثل باكستان وموريتانيا، وقد تميزت هذه الدول الثلاث بأن إعلان التوجه نحو الإسلام فيها قد جاء عقب فترة حكم اشتراكي، كما أن الرغبة الشعبية الجامحة نحو الإسلام كانت قوية في هذه الدول، ثم إن الإعلان قد جاء على أيدي حكام عسكريين ثابوا فاستجابوا لرغبات شعوبهم بدرجات متفاوتة، وهنا كان الفرق... ففي موريتانيا كان الإعلان هادئًا والوضع آمنا ولكن إكمال التطبيق كان بطيئًا جدًا، وفي باكستان كان التوجه واعيًا ولكن المعارضة «حزب بوتو» كانت ضخمة وإن الحاكم فيها قد اجتاحته فترات تردد وبطء في التطبيق، أما في السودان فقد كان التوجه صارخًا وسريعًا جدا، ولكن لاحقته الأزمات والأحداث نتيجة الوضع الأمني والمعيشي ونتيجة الوضع السياسي والجغرافي بين جاراته ونتيجة الاهتمام الدولي السياسي والإعلامي به.

أزمات في الواقع السوداني

إن أهم الأزمات والمشاكل التي يعاني منها السودان حاليًا يمكن تلخيصها في التالي:

 1- مشكلة الجنوب: والتي ترسبت منذ العهد الاستعماري، الذي رغب في تكوين دولة مسيحية بجنوب السودان لوقف الزحف الإسلامي من الشمال الأفريقي إلى الوسط والجنوب عبر السودان، وبعد استقلال السودان بدأت الحرب الأهلية بالجنوب لفترة ١٧ عامًا، تلتها فترة وحدة وطنية بعد عقد اتفاقية أديس أبابا في عام ١٩٧٣م، والتي تجمع الأطراف المختلفة، على أن نصوصها تؤكد بأنها لا تحقق الوحدة بقدر ما تحقق فترة تسكين انتقالية، ولكن بالممارسة والحوار تقدم الوضع نحو الوحدة وإزالة الحواجز، ثم كانت فكرة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم إدارية، نتيجة تطبيق الحكومة المركزية لسياسة الحكم الإقليمي وتوزيع السودان إلى تسعة أقاليم ،كان نصيب الجنوب منها ثلاثة أقاليم، وقد اعتبرها معظم السياسيين والمسؤولين بالجنوب خطوة طيبة وحميدة وعادلة،ولكن اعتبرها بعض آخر محاولة لتفتيت وحدة الجنوب ومخالفة بعض نصوص اتفاقية أديس أبابا، ومن هؤلاء كانت بذرة أنيانيا (۲) وكان ذلك قبل إعلانات تطبيق الشريعة.. ثم أعلنت أنيانيا (۲) عن قادتها وفكرها، فكانت المطالبة بتحقيق إنقاذ السودان من الإمبريالية الأمريكية إلى الاشتراكية اللينينية الماركسية، وهنا انسحب البساط من تحت الأنيانيا (۲) التي بدأ الجنوبيون أنفسهم يتوجسون منها ريبة بعد أن انكشفت أهدافها وانحرافاتها...

٢- الأزمة الاقتصادية:وهي أزمة مفتعلة أكثر منها حقيقية، وذلك نتيجة سوء الإدارة في المقام الأول ونتيجة تلاعب الرأسماليين مع سعة السودان الذي يصعب إحاطته ولحرية السوق وغفلة الرقابة... والمعطيات المعروفة تدل على أن السودان يمكن- بوضعه الحالي- أن يكفي حاجة السكان داخله برخاء، وقد برز ذلك بعد إعلانات الطوارئ الأخيرة ومتابعة التجار حيث خرجت معظم المواد التموينية المخزنة وتحسن الوضع بذلك، وطيلة فترة الحكم قبل إعلانات الشريعة كان التلاعب بالأموال العامة واختلاسات المسؤولين على حساب الأموال العامة قد بلغ ذروته بالاتفاق مع التجار، حتى قيل بأنه من لم يغن في تلك الفترة فلن يكون غنيًا بعدها أبدًا.

3- موقع السودان الجغرافي والسياسي: كحوض استراتيجي ضخم يفصل بين الشمال الأفريقي المسلم وبين الجنوب والوسط الأفريقي المتأرجح بين الإسلام والمسيحية والوثنية، كما يفصل بين إثيوبيا وليبيا السوفيتيين وبين مصر والسعودية حليفتي أمريكا.

وهذا الوضع جعل أمريكا تضغط على أعصابها وتقف مساندة للحكم الحالي بالسودان أيًا كانت قراراته الداخلية وتوجهاته، بما يتفق معها أو يختلف حتى تجد البديل غير الإسلامي، والأمثل لها، وذلك خوفًا من البدائل الاشتراكية التي ستهدد مصر والسعودية، بإحاطة عنقودية من البحر المتوسط حتى البحر الأحمر.. إن اختلاف وجهة نظر السودان مع إثيوبيا حول حربها مع إريتريا واحتضان السودان للثوار الإريتريين قد أضفى إلى الاختلافات السياسية بين البلدين طابعا عسكريًا، والحال كذلك بالنسبة للحرب التشاديةوالاختلاف بين السودان وليبيا. 

4- إن طريقة الحكم أيضًا تشكل مظهرًا غيرثابت لاعتماده على الفرد الواحد وبالطريقة العسكرية في الطرح والقرار بمالها من إيجابيات وسلبيات متفاوتة،ثم غياب مجلس الشورى النزيه والواعي الذي يمكنه أن يعظ الحاكم بالشورى ليتفادى أخطاء الفرد البشر، والشورى في نظام الحكم الإسلامي أمر ضروري لأن بها تكون الأخطاء اجتهادات مخطئة.. وغيرها يكون الخطأ إثمًا «نظرا لغياب الشورى»، كما أن الفرد يكون معرضًا للتأثير الفوري من قبل الأقطاب، وهذا ما يخلق تخوفا لدى المؤيدين للحكم الإسلامي.

توفر معطيات التنمية والرخاء

وهناك مشاكل أخرى أقل حجما - وهذا أمر لا تخلو منه دولة - يمكن بالتوافق والإخلاصللإصلاح أن يتحسن الوضع بشأنها، ولكن على الصعيد العام فإن إعادة جدولة الديون الخارجية  للسودان بما لها من مخاطر وربط محكم أكثر تحمل أعباء مالية أكبر ولفترة أطول إلا أنها تعطي السودان مهلة ربما يستطيع خلالها أن يجمع أطرافه، بعد أن يتم تصدير البترول في1985م ، كما أعلنت وتصر على ذلك الجهات المسؤولة بالسودان..

 كما أن انفعال الشعب السوداني المسلم الداخل مع اتجاه السلطة نحو الإسلام خلق عنده الدافع نحو الإصلاح والعمل، ولو حفاظًا على سمعة الإسلام وخوفًا من تكرار فشل التجربة الصارخة الثانية  للدولة الإسلامية في الفترة الحالية.. وبما أن متطلبات التنمية والرخاء متوفرة بالسودان من نفط وزراعة ومعادن وأيدٍ عاملة وتعليم فإن حسن الإدارة وصدقها وتمسكها بالقيم الإسلامية وتجاوبها مع هذا الانفعال الشعبي سينقذ السودان من معظم مشاكله، لتتبقى له الأزمة الأمنية التي وضعت لها الاستعدادات ومع أن الاهتمام بهذا الجانب مهم إلا أنه يتطلب جهدًا وميزانية ضخمة...

وقع إعلان التشريعات الإسلامية

بعد إعلان التشريعات الإسلامية والاتجاه نحو الحكم الإسلامي في سبتمبر ۱۹۸۳م دارت العديد من التساؤلات في الأذهان.. هل يكفي إصدار القرار لتحقيق التغيير الكامل نحو الإسلام؟ ما هو مصير المجموعة التي حول الحاكم؟ وما مصير الاتحاد الاشتراكي؟ وهل ستقف الأحكام عند الحدود؟ وهل هناك استثناءات؟ وماذا عن السياسات الخارجية والأمنية والعسكرية والاقتصادية وشكل الحكم الداخلي... وما إليه من هذه التساؤلات...

ووصل الأمر إلى أن أصبح الجميع يتفقون على أنها موجة سياسية وورقة لعب بها الحاكم لتنقذه من الأزمات بجذب القاعدة الإسلامية العريضة لصالحه ولأشغال الشعب عنه بهذه القضية.. حتى أمريكا ومصر كانت قناعتهما وحساباتهما تشير إلى مثل ذلك، وقد اتضح هذا جليًا في تقرير مجلة الصنداي تايمز البريطانية التي أوردت أن الإدارة الأمريكية قد أدركت خطورة اتجاه السودان وجديته في ذلك، عقب إعلان حالة الطوارئ من أجل تقويم وتصحيح التطبيق فقامت بإرسال وفد أمريكي رفيع المستوى برئاسة «تشيسر كروكر» مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية لإقناع الرئيس نميري عن الانجراف في هذا الخط ولكن الوفد رجع دون فائدة مما جعل فكرة استبدال النميري بغيره أمرًا راسخًا... انتهى.

ثم ماذا بعد الحدود؟

لقد بدأت التطبيقات الإسلامية بالحدود نظرًا لوضوح فقهها وسهولة تطبيقها ولتكرار حدوثها اليومي، إلا أن انقطاع المسلمين عن تطبيقها جعل لها وجها من الغرابة وكأنها الوحيدة التي طبقت، ولكن كان قد سبقتها عدة قوانين تحض المحاكم والإجراءات القضائية وترشيد مهنة المحاماة من الابتزاز والتسويف... ثم القانون المدني والتجاري... وأيضًا وضع نظام «المحتسب» كوظيفة تطوعية تراقب وتقوم أخطاء التطبيق والترشيد في المخالفات الشرعية والقانونية..

كما سيعاد صياغة الدستور الحالي ليتفق والرؤية الإسلامية وقد قيل عن رفع الحصانة عن الوزراء وكبار المسؤولين ليكون الجميع أمام القانون سواسية.

وفي المجالات الاقتصادية يوجد حاليًا بالسودان ثمانية بنوك إسلامية، وهناك أربعة بنوك تخطو نحو الأسلمة وهي في مرحلة التحول الآن،كما يجري حاليًا تدريب المسؤولين بالبنك المركزي كخطوة نحو أسلمة نظامه، حيث يكتمل العقد المصرفي كاملا، ويتوقع ذلك بعد الانتهاء من التهيئة الكاملة... وستخضع الشركات أيضًا للقانون الإسلامي.

 ومن جانب آخر تم وضع نظام الزكاة كتشريع بديل للنظام الضرائبي الوضعي، وانتهت الدراسة الشرعية والمالية والاجتماعية وأجيز القانون في مجلس الشعب القومي بعد أن ثبتت فوائده المتعددة أكثر من الضرائب، وخصص لهذا النظام جهاز إداري سمى بديوان الزكاة يرأسه وزير مركزي يعاونه وزيرا دولة ويضم أكثر من «١٥٠٠ موظف» وسيبدأ التطبيق العملي للزكاة كنظام شامل لكل السودان في سبتمبر ١٩٨٤ م ، وقد وضع بجانب ذلك صندوق خيري اجتماعي لإعانة الغارمين وللمساهمة في الأوجه التي تساعد على الاستقرار الاجتماعي..

أما الحريات العامة فسوف يتم قريبًا إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، ويبلغ عددهم مائتي شخص بينهم الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، كما حظرت الأفكار والأحزاب المناوئة للإسلام كالشيوعية والبعثية والجماعة المحمودية -التي لا تؤمن بوجود شريعة إسلامية.

 وفي الحياة العامة يجري حاليا النظر في أمر الاختلاط بين الجنسين في مجالات العمل والدراسة لتقويمه بما يسد الذرائع ويصون المجتمع،كذلك تم استدعاء إدارات الفنادق حول الممارسات اللاإسلامية داخل الفنادق، وسيتم إصدار قرار يخصص أوقات السباحة للرجال والنساء بشكل منفصل عن بعضهم البعض وفيمكان ساتر.

 أما العمل الإسلامي فيشهد حاليًا نشاطًا مكثفا بعد التشجيع الرسمي لكل الطاقات الإسلامية بالتحرك والتوجيه والإرشاد... ونتيجة ذلك بدأ التوجه الإسلامي يشهد تقدمًا واسعًا بين قطاعات الشعبالسوداني.. وقد تم أخيرًا الاعتراف الرسمي بتأسيس جمعيتين للشباب المسلم إحداهما نسائية يتوقع قيامهما بنشاط واسع وشامل داخل السودان يستوعب ويوجهالطاقات الشبابية نحو الإسلام..

أما مجالات الإعلام والسياسة الدولية فما زال العمل فيهما يسير بطيئًا، ولكن بعد تغيير وزيريهما ربما يكون هناك تغيير ما.

التغييرات الوزارية

بعد إجازة التشريعات والسياسات المختلفة الآنفة الذكر بقيت هناك نقطة مهمة ومؤثرة في صحة سيرها وتنفيذها تخص كبار المسؤولين والوزراء الذين استكرهوا على هذه التشريعات وهم غير راضين وما إذا كان سيتم الاحتفاظ بهم أم لا!! 

وقد تهامس الناس كثيراً حول ذلك حتى أضحت النقطة الوحيدة التي تؤكد جدية القيادة في التوجه نحو الإسلام أو لا... وقد طرق هذا الهمس أذان السلطة التي أعطتهم الفرصة الكاملة لمواكبة التوجهات الإسلامية ولكن دون جدوى، فقد صدق الحدث فكانوا مجموعة معطلة ومتهاونة ومثبطة سعت وخططت وعملت لتشويه هذا التوجه..

من الداخلية إلى الشؤون السياسيةفكانت إقالتهم مباشرة بعد إعلان قانون الطوارئ بيوم وإعفاءهم من جميع مناصبهم.. وقد شمل هذا الإعفاء بهاء الدين محمد إدريس وزير شؤون رئاسة الدولة بدر الدين سليمان الأمين العام للاتحاد الاشتراكي، زين العابدين محمد عبد القادر مساعد الأمين العام للاتحاد الاشتراكي، محمد ميرمني وزير الخارجية.

ثم لحقهم مؤخرا كمال حسن أحمد - وزير الداخلية «لفترة أسبوعين» والذي كان يشغلقبلها نائبًا لرئيس أمن الدولة.

 وكانت أهم التعيينات الجديدة هي تعيينمحمد عبد القادر أمينًا عامًا للاتحاد الاشتراكي وأحمد عبد الرحمن - مساعدا للأمين العام بدلًا من وزارة للشؤون السياسية الداخلية التي كان يشغلها، والدكتور أحمد عبد العزيز - للشباب، وعلى شمو – للثقافة والإعلام بدلًا من الشباب... وغيرها من التغييرات الأخرى، وتعتبر هذه التغييرات إيجابية يتوقع منها توجيه هذه الإدارات الهامة الوجهة الإسلامية..

ومازال عدد من المسؤولين والوزراء القدامىوالجدد تحت الرقابة لمدى توجهاتهم نحو الإسلام وإلا فإن سيف العزل أسرع من مجاملة المعطل.

إعلان قانون الطوارئ

إن إعفاء تلك المجموعة من الوزراء ليس بالأمر السهل لمن يعرف مكانتهم ومدى تغلغلهموسطوتهم، ثم إن تنفيذ وتطبيق التشريعاتوالسياسات الإسلامية اكتنفه كثير من التردد والبطء وسط العاملين والمسؤولين،فضلًا عن التحرك النشط للفئات والأحزاب السياسية غير المؤيدة لهذا الخط ومحاولتها للالتقاء - رغم اختلافاتها - لضرب هذا الخط، وقد استطاعت الاندساس والتحرك داخل النقابات مستغلة الضيق الاقتصادي وقلة إمكانية تحقيق رغبات القطاعات العاملة المختلفة بما يحسن أوضاعها كما تحركت داخل القطاع التجاري وقطاع التموين، هذا إضافة إلى التهديدالخارجي ودعمه للمتمردين في الجنوب.

 لعل هذا التأزم هو الذي أودى بالنظام السوداني لإعلان قانون الطوارئ، حتى يمكنه إحكام القبضة على تلك التحركات التي سيكون نجاح مخططها على حساب سمعة القرارات الإسلامية وسمعة الإسلام وتجربته..

وقد كان التوجه العملي بعد ذلك متركزًا فعلًا على هذه الفئات فكانت نتيجته لصالح الشعب، حيث توفرت المواد التموينية وانحلت بعض الأزمات المستمرة كأزمة البنزين، بعد أن تم تخصيص ثمانية محاكم للطوارئ وتم اختيار قضاة لها من المتصفين بالجدية والتمسك بالقيم الإسلامية، صحب هذه المحاكم محلات تفتيش شملت أماكن الدعارة والخمر والفساد وأوكار العصابات، وبعض المنازل التي تتحرك منها بعض الأحزاب المشبوهة،وقد وصلت الحالات التي نظرت فيها محاكم الطوارئ أكثر من مائتي حالة تفاوتت إحكامها بين التعزير والغرامة والسجن والجلد، كان منها جلد بريطاني وجد مخمورًا بعد محاولات القنصلية البريطانية للتدخل والحيلولة دون ذلك ولكن دون جدوى.

لم توجه هذه القوانين والمحاكم ضد المواطنين المسالمين كما يسوغ الإعلام الغربي بأسلوبه المثير للفتنة والمنحرف بالحقائق.. وليس أدل على دحض هذا الزعم من قيام المهرجان الإسلامي الضخم الذي أقامته اتحادات الطلاب بالجامعات والمدارس الثانوية بعد إعلان قانون الطوارئ وحظر التجمعات، ومع ذلك فإن سمعة قانونالطوارئ ليست طيبة عند المواطنين، وحبذا لو طبق القانون بجدية دون إعلان الطوارئ.

ختامًا لا يمكن الزعم بأن التوجه الإسلامي في السودان قد اكتمل وصح مساره إذ ما زال هناك الكثير الذي يحتاج للنظر والتقويم، ولكن مثل هذا التغيير الحضاري الكبير لا يتوقع حدوثه كاملًا في غضون أشهر بل وسنين... ولكن مرور السنين والأيام سيهيئ الفرصة لتجميع الإصلاحات إذا ما خلصت النيات وصدق العزم ووجد النصير المسلم ليوازن مقاومة العدو الكافر، ومن معه من المخدوعين الذين يتربصون الدوائر لكل خطوة نحو الإسلام ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (الرعد:17).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8