العنوان السودان: فرص ضئيلة لنجاح المفاوضات بين الحكومة وحركة التمرد
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 79
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 28
السبت 20-يوليو-2002
على عكس التفاؤل الذي يُبديه البعض بقُرب التوصُّل إلى اتفاق سلام بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، عبر المفاوضات الجارية بين الفريقين- فإن تحريات «المجتمع» الخاصة تؤكد أن هذا التفاؤل لا أساس له من الواقع، مصدر التفاؤل هو أن الولايات المتحدة تقدَّمت بمُبادرة قد تقود إلى اتفاق.
المُرتَكَز الأساس لهذه المُبادرة هو: «سودان مُوَحَد بنظامين: الشمال يُطَبَق فيه الإسلام كشريعة ومنهج حياة، والجنوب يُشَرِّع تشريعاته وِفق منظور علماني».
الحقيقة الماثِلة والأخبار المُتَسَرِبة من الغُرَف المُغلَقة، تؤكد أن توقيع اتفاق مبدئي أو نهائي في نهاية جولة المفاوضات الحالية- التي تَقَرَّر لها العشرون من يوليو الجاري- أمر بعيد المنال؛ لأن الوفد الجنوبي المفاوض أبدَى اعتراضات وتحفظات على المقترحات الأمريكية بشأن المشكلة السودانية لوضع حد للحرب الأهلية التي بدأت منذ عام ١٩٥٥م، في دورتها الأولى، وتسعة عشر عامًا في دورتها الثانية.
الخلافات بين الجانبين كبيرة والهُوَّة سَحيقة بينهما في أهم القضايا، وهي علاقة الدين بالدولة ومعه تقرير المصير، حركة التمرُّد التي يقودها جون جارانج تُصِّر على حق تقرير المصير؛ ليؤدي في النهاية إلى انفصال الجنوب عن الشمال، ويكون هو الحاكم هناك؛ للسيطرة على منابع النيل، وِفق الخطة اليهودية الصليبية، كما تُصِّر حركة التمرُّد على عِلمانية الدولة وإلغاء الشريعة الإسلامية، إن أرادت الخرطوم السودان المُوَحَد، أما في حالة الدولة بنظامين، فإن الحركة تريد أن تجعل العاصمة القومية الخرطوم، مُستثناة من تطبيق الشريعة الإسلامية، أي أن تكون عاصمة علمانية، رغم أن الخرطوم ولاية شمالية تسكنها أغلبية مسلمة ساحقة من الشمال والجنوب، وفي حالة الرفض يتم التفكير في إيجاد عاصمة بديلة للخرطوم في مناطق لا تُشَكِّل حرجًا إن طُبِقَت فيها القوانين العِلمانية، مِثل مُدُن في خطوط التماس مع الجنوب كمدينة كادقلس، أو كوستي، ولكنها اقتراحات غير عملية؛ لأن هذه المدن أيضًا تُشَكِّل أغلبية مسلمة.
تهديد كيني لحركة التمرد
الرئيس الكيني دانيال أراب موي، ألقى بثُقله يريد إنجاح المفاوضات هذه المرة، لذلك هَيَّأ للمفاوضات مناخًا مُلائمًا بعيدًا عن العاصمة نيروبي، ورتَّب لها جيدًا، وضَرَبَ حولها سِياجًا من السريَّة والتَكَتُّم.
وتُفيد تحرياتنا أن الرئيس الكيني يؤيِّد المُقترحات الأمريكية، وحدَث خلاف كبير بين كينيا وحركة التمرُّد؛ لأن كينيا ترى دولة بنظامين تستثني الولايات الجنوبية من تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن يتمَدَّد هذا الاستثناء إلى حد إعفاء العاصمة الخرطوم- ومعظم سُكانها مسلمون- إلا أن حركة التمرُّد ترى عكس ذلك، فهي تقول إن الحَد الأدنى في دولة واحدة بنظامين يستوجب أن تكون العاصمة علمانية.
كِينيا هدَّدَت بطرد حركة جارانج من كينيا، إذا واصلت تَعَنُّتها, ورفضها حتى للمقترحات الأمريكية، وربما سَعَت كينيا إلى تأجيل المفاوضات حتى تتمكن من إيجاد صيغة توافقية مع الجنوبيين.
حركة التمرُّد لم يُعجِبها التهديد الكيني، واتَّهَمَت الرئيس الكيني أنه تَخَلَّى عن مبادئ «إيجاد» التي تُعطِي جنوب السودان حق تقرير المصير في حالة عدم الاتفاق على الدولة العِلمانية، ويرى جون جارانج أن كينيا بموقفها الجديد تريد تحقيق مصالحها الخاصة، فضلًا عن إرضاء أمريكا، وكينيا بدورها ترى أن عجلة السلام- المُندَفِعة بقوة دفع دولية خاصة بعد وصول الأمين العام للأمم المتحدة للخرطوم- يجب ألَّا تَتَعَطَّل بسبب تَعَنُّت جون جارانج الذي يرى مستقبله في الحرب لا في السلام.
زيارة كوفي عنان
وصل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى الخرطوم، وغادرها بعد أن التقى رموز الحكومة وعددًا من السودانيين، وتفاءل بقرب إنهاء الحرب الأهلية بإبرام اتفاق سلام، وبني الأمين العام تفاؤله هذا قائلًا: إن كل من التقيته داخل السودان وخارجه أبدى استعداده لدفع عملية السلام، وإنه قد حان الوقت لنقوم من جانبنا بدفع هذه الروح حتى يتفرَّغ السودان للبناء والتعمير.
إزاء مواقف جارانج وتمنُّعه من الوصول إلى اتفاق سلام ووضعه شروطًا تعجيزية، ستقوم كينيا بدعوة عدد من الشخصيات القيادية الجنوبية من حركة التمرُّد، ومن خارج الحركة لمؤتمر تشاوري مُوَسَّع بهدف تقريب وجهات النظر، وتكوين رأي جنوبي مُوَّحَد ثم الدعوة مرة أخرى لجولة مفاوضات, فُرَص نجاحها أكبر من فرصة الجولة الحالية.
مصدر مُقَرَّب جدًا من المفاوضات أكَّد أن التهديدات الكينيَّة بطرد حركة جون جارانج من كينيا تهديدات جدية ومدعومة من الولايات المتحدة بعد رفض الحركة التوقيع على مقترحاتها.
ويُلاحِظ المراقبون أن رغبة أمريكا في إنهاء الحرب في السودان نابعة من مصالحها الخاصة، وطمعها في نفط السودان بعد أن تأكد لديها أن السودان يقوم على بحر من النفط في الشمال والجنوب على حد سواء، وأنَّ الشركات الأمريكية راغبة في الاستثمار في النفط, وفي غيره في هذا البلد القارة، لولا القوانين الأمريكية التي شَرَّعَّت بضغط من جماعات الضغط اليميني المُتَطَّرِّف التي تدعم حركة التَمَرُّد وتقف حجرة عثرة دون الوصول إلى سلام في السودان.
من ناحية أخرى، أكَّد علي عثمان محمد طه، النائب الأول لرئيس الجمهورية، أنَّ الحكومة لن تتراجع عن تطبيق الشريعة، ولن تستجيب لأي جهود أو ضغوط تَستَهدِف أثناءها عن تطبيقها.
جاء هذا التأكيد عندما خاطب الجلسة الختامية للمُلتَقى الدَّعَوِي الأول الذي نَظَّمَته وزارة الإرشاد والأوقاف، وأبان في خطابه أن الحكومة تعمل على ترتيب العلاقة بين الإسلام والمِلَل الأخرى، وطالَب العلماء الذين شاركوا في المُلتَقَى بتقديم مشروعات لتحقيق التعايُش بين الأديان في السودان، ووَعَد أنَّ الدولة سترعى مِثل هذه المشروعات، ويُستَنتَج مِن حديث الرجل الثاني في الدولة, أن دولة واحدة بنظامين لا يمكن أن تلغي تطبيق الشريعة الإسلامية في عاصمتها التي تُمَثِّل قلب الدولة.
وكان الدكتور عصام أحمد البشير وزير الإرشاد والأوقاف، أكَّدَ وهو يخاطب المُلتَقَى في الجلستين الافتتاحية والختامية، أنَّ الإسلام عقيدة ومنهج حياة، ونظامه يُحَقِّق العدل للناس جميعًا، ودعا إلى حوار بناء إسلامي إسلامي، وإسلامي مسيحي، يَتَحَقَّق من خلاله التعايُش بسلام بين جميع العقائد والمذاهب والاتجاهات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل