; السودان- ثورة الإنقاذ والتحديات الصعبة | مجلة المجتمع

العنوان السودان- ثورة الإنقاذ والتحديات الصعبة

الكاتب محمد اليقظان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989

مشاهدات 139

نشر في العدد 925

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 25-يوليو-1989

 

  • مع حكم الجيش هل يتوفر السكر والعيش؟
  • تطبيق الشريعة الإسلامية أمانة في رقاب الجيش.

ما حدث في السودان لم يكن أمرًا مفاجئًا للمراقبين والمتابعين لمجريات الأحداث هناك. ما حدث كان لا بد أن يحدث بعد أن تحولت الحياة في السودان في ظل الحكم الطائفي المتحالف مع الشيوعيين وأعوان المتمرد جون قرنق إلى فوضى وفساد سياسي واقتصادي وعدم انضباط عسكري وبعد أن أفرزت الحياة الحزبية الضيقة صراعات قبلية ضاعت فيها كثير من الأموال والأنفس والثمرات ولم يستطع الصادق المهدي صاحب الأغلبية في البرلمان قيادة الأمة رغم أنه شكل في مدى ثلاث سنوات خمس وزارات تحالف من خلالها مع كل القوى السياسية الموجودة على الساحة

ولكن هل حقًّا اغتيلت الديمقراطية في اليوم الثلاثين من يونيو؟ أم أن عمر البشير أطلق رصاصة الرحمة على المخلوق المشوه الكسيح في ذلك اليوم؟ بعد أن أعلن عن موت الديمقراطية طبيًّا عندما أصيبت بالشلل الدماغي يوم 20 فبراير الماضي، حين قدمت قيادة القوات المسلحة مذكرتها الشهيرة التي بموجبها تم تغيير تركيبة الحكم القائم آنذاك، وتم تجاوز كل المؤسسات الدستورية الشرعية بما فيها الجمعية التأسيسية

على كل حال فإن شهادة الوفاة الرسمية حررت يوم 30 يونيو، وهذه سنة الله في ديمقراطية أهل السودان. ديمقراطية يحكم فيها الحلف الطائفي ثم تقع أخطاء فادحة تؤدي إلى انقلاب عسكري ثم ثورة شعبية يفجرها الإسلاميون، ثم انتخابات تؤدي إلى فوز الطائفية ثم ائتلاف بين الطائفتين ثم ائتلاف وتحالف ثم أخطاء وفوضى ثم انقلاب.. سنة من سنن الله في العباد لا بد أن تجري. المشهد والسيناريو هو هو يتكرر بحذافيره في عام 58 و69 و89 ولله في خلقه شؤون

هل هناك علاقة بين مذكرة الجيش في 20 فبراير وما حدث من ثورة في الثلاثين من يونيو؟

يبدو من النظرة العجلى أن هناك علاقة ما لأن الحدثين خرجا من مصدر واحد ولكن النظرة الثانية والثالثة والقراءة المتأنية للأحداث تقول إن مذكرة القوات المسلحة في فبراير كان بطلها قيادة القوات المسلحة. يقول الفريق عمر البشير لصحيفة الاتحاد الظبيانية: جاءت مذكرة القوات المسلحة في 20 فبراير الماضي واعتقدنا أن قيادة القوات المسلحة ستتحمل مسؤولياتها ولكن القيادة السابقة فشلت وتقاعست عن استلام السلطة. قررنا من جانبنا أن نستلمها وبدأ التحضير الجاد والتخطيط النهائي للاستيلاء على السلطة وذلك بعد خطبة القائد العام التي ذكر فيها أن كل ما جاء في المذكرة قد تم تنفيذه ولم يعطِ أي فرصة للنقاش بعد نهاية الخطاب. بعدها قررنا فعلًا الاستيلاء على السلطة.

  • الخبز قاصم الظهر:

كانت حكومة السيد الصادق الأخيرة المكونة من أحزاب برنامج القصر تسمى حكومة الجبهة الوطنية المتحدة وكانت بحق أضعف حكومة مرت على السودان منذ الاستقلال حيث عجزت تمامًا- رغم تأييد كل الأحزاب لها ما عدا الجبهة الإسلامية القومية والإخوان المسلمين- عجزت عن توفير القوت الضروري، وعجز المواطن عن شراء السكر من 15 قرشًا إلى 70 قرشًا ونسيت حكومة الصادق المهدي أن الخبز قاصم ظهر الإمبراطوريات والحكومات. فكلنا يذكر ثورات الخبز في مصر أيام السادات وفي تونس أيام الطاغية بورقيبة وثورة الخبز في السودان أيام نميري، ولكن الصادق المهدي لم يتعظ هو والميرغني حليفه وكأنهم أصبحوا كـ «ماري أنطوانيت» التي طلبت من الجوعى أكل الجاتو والبسكويت إن لم يجدوا الخبز الرخيص

خرج الشعب قبل انقلاب البشير يهتف «السكر السكر أو حكم العسكر» «العيش العيش أو يحكم الجيش»، وها قد جاء العسكر وحكم الجيش فهل يتوفر السكر والعيش؟

  • التحديات الثلاثة:

هناك تحديات ثلاثة خلقتها الحكومة المنهارة وهذه التحديات هي: مشكلة الجنوب والمشكلة الاقتصادية ومشكلة الدستور الدائم. وهذه المشكلات الثلاث مزمنة وقبرت بسببها كل الحكومات ديمقراطية كانت أم عسكرية، فكيف سيواجه الحكام الجدد هذه التحديات؟ وهل في جعبتهم حلول جاهزة لها؟

كبرى المشكلات وأكبر التحديات هي مشكلة الجنوب بلا شك، فهي مشكلة قديمة لازمت السودان منذ أن جاء الاستعمار الصليبي البريطاني وقفل الجنوب وجعله وقفًا للإرساليات والمنصرين الأوروبيين، وعمد الاستعمار إلى إضعاف الجنوب لخلق مثل هذه المشكلة اليوم، وكان أن بدأ التمرد في الجنوب قبل رحيل الإنجليز بشهور قليلة عام 1955م، ولم تتوقف حركة التمرد منذ ذلك التاريخ إلا فترة محدودة وجاء التمرد الأخير لأسباب معروفة ليس من بينها تطبيق الشريعة الإسلامية كما يشيع المرجفون في المدينة والذين في قلوبهم مرض؛ وذلك لسبب بسيط جدًّا ألا وهو أن تاريخ التمرد بما فيه التمرد الأخير الذي يقوده جون قرنق سابق لتاريخ من القوانين الإسلامية وتطبيقها، وقرنق نفسه كان يقول هذا الكلام أيام نميري ولكن الآن ولأنه دوَّل التمرد وأصبح رهنًا لأعداء الإسلام ووجد عونًا من الذين يخافون الشريعة في الداخل جعل شرطه الأول إلغاء الشريعة، وذلك في تلك الاتفاقية المشؤومة التي وقعها الميرغني معه لتعطيل الشريعة.

كل الحكومات والأنظمة السابقة أخفقت في حل مشكلة الجنوب وكانت المشكلة سببًا في الإطاحة بالحكومات العسكرية والمدنية، فهل تفلح جهود النظام الجديد في حلها من الجذور؟ 

لقد بادرت القيادة الجديدة بمبادرات مشجعة حيث أعلنت عفوًا عامًّا عن المتمردين وأعلنت وقف إطلاق النار من جانب واحد لمدة شهر وأرسلت وفدًا رفيع المستوى إلى أديس أبابا وطلبت من جون قرنق فتح صفحة جديدة لوضع حد لمأساة الجنوب. وما زالت القيادة في الخرطوم تنتظر ردًّا إيجابيًّا من قيادة التمرد في أديس أبابا.

وحسنًا فعلت القيادة الجديدة بإلغائها مبادرة الميرغني- قرنق واعتبارها وكأنها لم تكن، ومطالبة جون قرنق للحضور والجلوس للمفاوضات بدون شروط مسبقة.

وحسنًا فعلت أيضًا حين رفضت إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية لأنها ليست السبب في التمرد وأن قطاعًا كبيرًا من السودانيين لا يرضون بإلغائها هكذا بجرة قلم، كما أن إلغاءها لا ينهي التمرد إطلاقًا والذين يظنون ذلك واهمون ولم يدرسوا مشكلة الجنوب أبدًا.

  • حل مسألة الجنوب:

على مجلس ثورة الإنقاذ أن يدرس مشكلة الجنوب دراسة متأنية والوقوف على أسبابها التاريخية والعرقية، ووضع حل ناجع وشافٍ يقتلع المشكلة من جذورها تمامًا إذ إن المسكنات والاتفاقات العرضية التي تهدئ ولكن لا تحل بل تفجر الأزمة من جديد بشكل أعنف.

إن تحديد هوية السودان بما يحفظ للأغلبية حقوقها وللأقلية حقوقها دون إجحاف لأحد الطرفين فإن منح حقوق أو امتيازات إضافية لأي فريق سيؤدي إلى تفاقم المشكلة أكثر وأكثر، والحل هو أن يجلس كل فريق على حدة، والجنوبيون كلهم بمختلف اتجاهاتهم وأديانهم وقبائلهم وانتماءاتهم العرقية يجلسون ويتحاورون ويحددون ما يريدون بالتحديد، ويوضحون الحقوق التي يجب أن ينالوها من الدولة، وأقول هذا لأن كل الجنوب ولا حتى معظمه ليس مع جون قرنق فحل المشكلة معه وحده يأتي بمتمردين آخرين

وكذلك تحدد القيادة الجديدة ما يريده أهل الشمال ثم يجلس الطرفان لحل المشكلة في حوار جاد

  • المشكلة الاقتصادية:

إن أَوْلى واجبات أي حكومة هي توفير الأمن والقوت والصحة والخدمات الضرورية للمواطن العادي حتى يتفرغ للإنتاج، ونهمس في أذن القيادة الجديدة أن «ويل لشعب لا يأكل ما يزرعه» فإن رهن البطون لدول كبرى تتحكم في القوت جريمة لا تغتفر بل هو ما أودى بالأنظمة وأنهاها. والسودان لا تنقصه الثروات الظاهرة والباطنة ولكن لا بد من تفجير طاقات السودانيين للإنتاج المثمر في صبر وقناعة، وحسنًا رفعت شعارات مثل «الإنتاج واجب وطني وبالإنتاج ستحمي الثورة» والهدف النهائي يجب أن يكون الوصول للاكتفاء الذاتي وعدم استيراد ما يمكن إنتاجه داخل السودان خصوصًا المواد الغذائية. ولن تتحقق وفرة في الإنتاج إلا ببناء الإنسان من جديد بعد أن جعله الولاء الطائفي إنسانًا اتكاليًّا لا يقدر على شيء

كما أن التعامل الصحيح مع التجار ونشدان التعاون بين كافة الأطراف لحل الضائقة التموينية ومحاربة السوق الأسود سيؤدي إلى الانفراج ولا يجب أن ننسى قيم الدين ووازعه في هذا التعامل مع التجار.

  • المشكلة الدستورية:

نال السودان استقلاله في أول يناير 1956م ومنذ ذلك التاريخ وإلى اليوم وهو بلا دستور دائم. فهو إما يحكم بدستور مؤقت أو يعيش ظرفًا استثنائيًّا وكلما تحاول الجمعية التأسيسية أن تضع دستورًا تراعي فيه تطلعات الأغلبية دون المساس بحقوق الأقلية تحل الجمعية أو يقوم انقلاب عسكري أو مدني ويقبر المشروع حتى أصيب السودان بشؤم دستوري.

ولن يستقيم أمر السودان أبدًا إلا إذا تمكن أهله من وضع دستور دائم ينظم شؤون دولتهم ويعطي كل ذي حق حقه وليس ضروريًّا أن يلتزم السودان بمبدأ مركزية القانون أو شموله المطلق وأن يكون الحكم أيضًا لا مركزيًّا.

  • مستقبل الديمقراطية في السودان:

يتساءل الكثيرون ما هو مستقبل الديمقراطية في السودان؟ 

يجيب عن هذا السؤال الفريق عمر البشير فيقول: «نحن لم نأتِ من أجل إنشاء تنظيمات سياسية ولم نأتِ لنحكم إلى الأبد وبمجرد أن نشعر أن شعبنا أصبح قادرًا على أن يأتي بممثليه الحقيقيين وعلى اتخاذ القرارات السليمة بدون الوصايات الطائفية والحزبية بأشكالها القديمة فإنه في ذلك الوقت سنخلي السبيل ونتنحى عن السلطة ونعود إلى بيوتنا. فنحن لا نريد كتجربة حكم عسكري تعقبه أحزاب يعقبها حكم عسكري مرة أخرى- هذه الدورة الجهنمية- الاتحاد في 5 يوليو. لا أحد يتعاطف مع نوع الديمقراطية الذي كان سائدًا قبل ثورة الإنقاذ إذ إن الديمقراطية قد أفرغت من مضمونها بفعل الطائفية التي تتحكم في النواب والناخبين، وليس أدل على ذلك من أن الجمعية التأسيسية المنتخبة صارت ألعوبة في أيدي الطائفتين وكادت أن تكون ألعوبة في يد جون قرنق، فالجمعية ناقضت نفسها مرتين مرة حين اقترعت مع القانون الجنائي الإسلامي ضد اتفاقية قرنق- الميرغني، ومرة حين فعلت العكس، فاقترعت ضد القانون ومع الاتفاقية بأمر السيدين وابتدأ قرنق يرسل للحكومة أوامر بأن تستصدر من الجمعية قرارات معينة تخدم اتجاهه وتمرده وكاد السادة أن يستجيبوا لأوامره لولا ثورة الإنقاذ.

ولكن مع هذا فإن الشعب السوداني يطالب بنوع آخر من حكم الشورى بدل التفكير الأعمى لنوع الديمقراطية الليبرالية الغربية التي جعلتنا ندور في حلقة مفرغة منذ الاستقلال.

نريد ديمقراطية ليس السيد الطائفي هو المسيطر أو المتجبر.. نريد ديمقراطية الأمة التي هي المرجع في كل سلطان- إلا سلطان الله- وكل سياسة، ونريد حاكمًا يطيع قبل أن يطاع ويكون الأمر بينه وبين أمته على المشاورة ومكارم الأخلاق. نريد ديمقراطية ليس لأحد فيها حق التعسف والطغيان، وليس لأحد حق الفتنة والعصيان

نريد ديمقراطية لا سيادة فيها لنسب ولا لطائفة ولا لمال ولا لعلم ولكن كل الناس وكل الطبقات بنية واحدة، تنوع في وحدة ووحدة في تنوع، ينتظم قوامها على التعاون والمؤازرة لا على التنازع والتباغض

وليس صعبًا على أحد يريد الخير لأمته أن يبني مجتمعًا على ديمقراطية من هذا النمط يجد في كنفها المرء الحرية والأمن والقوت والصحة والتعليم لتحاز له الدنيا بحذافيرها

نريدها تعالج مشكلات الشعب بما يرضي الله سبحانه وأن تهتدي بما أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

  • إعادة بناء الدولة:

شرعت الثورة الجديدة في إعادة بناء الدولة وبدأت بترميم العلاقات المتردية نتيجة سياسات المحاور الخاطئة مع الأشقاء ودول الجوار، فأرسلت الوفود رفيعة المستوى لكافة الدول العربية الشقيقة لبناء الثقة التي ضاعت من قبل. وفي الداخل حضر العميد فيصل أبو صالح وزير الداخلية مؤتمر الصلح بين القبائل في دارفور وتوصل المؤتمر إلى حل نهائي وأخمدت الفتنة العرقية بين القبائل المسلمة العربية منها وغير العربية.

وفي مجال الخدمات شرعت الحكومة المدنية الجديدة التي شكلت من فنيين عرفوا بالاستقامة والنزاهة والكفاءة لتولي الإصلاح وإعادة البناء كل في وزارته والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه بسرعة حتى لا يداهم الناس موسم الخريف فيصعب علاج المشاكل. والعمل بسرعة على ترتيب البيت السوداني فهل يتعاون مجلس الثورة العسكري ومجلس الوزراء المدني والـ22 مليون سوداني في الداخل والخارج لبناء سودان جديد موحد لا فرق فيه لشمالي على جنوبي ولا لجنوبي على شمالي ولا لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالعمل والإنتاج والتجرد ونكران الذات؟

نأمل ذلك لنرى سودانًا موحدًا قويًّا لا تتنازعه الأهواء ولا تمزقه الأطماع.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8