; السودان: الإنقاذ والمعضلة الاقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان السودان: الإنقاذ والمعضلة الاقتصادية

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 944

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

-        الاعتماد على الذات يعني تنمية الطاقات الوطنية والالتزام بالاستهلاك في إطار الإنتاج

اختتم في ٢١ نوفمبر المنصرم بالعاصمة السودانية الخرطوم المؤتمر الوطني للإنقاذ الاقتصادي والذي كان قد افتتح أعماله في نهاية أكتوبر الماضي وقد ضم المؤتمر في عضويته ألف عضو فضلًا عن المراقبين واستمرت المداولات 21 يومًا امتدت ساعات العمل فيها أكثر من 10 ساعات وبهذا يعتبر المؤتمر الأول من نوعه في السودان كمًا ونوعًا في إطار المشكلة الاقتصادية وقد كان تقدير اللجنة المنظمة للمؤتمر قد حددت العضوية بـ700 شخص غير الإقبال من قبل المهتمين بالقضايا الاقتصادية استجابة لرغبة جمهرة من المؤتمرين في إضافة طاقات وطنية أخرى جعلت العضوية ترتفع إلى 1000 عضو مما يدلل على الحماس الكبير لدى المؤتمرين بأن تكاليف المؤتمر ومصاريف أعضائه قد تكفل بها الأعضاء إلى درجة لم تتحمل معه الخزينة العامة «مليمًا» واحدًا.. كما أن نسبة الحضور كانت 100٪ بالإضافة إلى أن الأعضاء جمعوا كثيرًا من الوثائق والإحصاءات التوضيحية بجهدهم الخاص مما وفر مكتبة أرشيفية اقتصادية رفيعة المستوى..

وقد ترأس المؤتمر العقيد صلاح الدين محمد أحمد كرار- ماجستير اقتصاد وتنموي جامعة الخرطوم- ويناوبه د. سيد علي زكي وزير المالية ود. لورنس وول كما قام بأعمال الأمانة العامة العميد بابكر محمد التوم.. ويشار إلى أن التخصصات التي ضمها المؤتمر شملت متخصصين في الاقتصاد وأساتذة جامعيين ووزراء سابقين ورجال أعمال وشاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية وخبراء المالية وبعض النقابيين بالإضافة إلى المهتمين بالقضية الاقتصادية مما أثرى الحوار وأضفى أجواء منبسطة من التفتح والنظر الواقعي للأوضاع الاقتصادية، وكما لم تقتصر العضوية على طبقة أو فئة معينة فكذلك كانت مستوعبة لكل ألوان الطيف السياسية من جنوبيين وحزبيين سابقين ومستقلين وتقول مصادر المؤتمر إن الدواعي لعقد المؤتمر تتلخص في أن الاقتصاد السوداني بلغ حدًا من التدني في الإنتاج والإنتاجية بحيث أصبح معدل نمو الناتج القومي سالبًا، علاوة إلى الاختلال الكبير في الموازنة العامة للميزان التجاري باضمحلال الصادرات وتصاعد الاتفاق في جانب الاستيراد، وتراكم المديونية الخارجية إضافة إلى ضمور العون الخارجي.. ووفقًا للمقاييس السياسية والفنية فإنه يمكن القول إن الثورة استطاعت تحقيق نجاحات ومكاسب عالية بعقد مثل تلك المؤتمرات حيث تتكامل الصورة الإيضاحية للمشكلة بكل أبعادها إضافة لوضع تصورات وخيارات متقدمة وناضجة نسبيًا من أجل الحلول المستقبلية والحاضرة.

- لب المشكلة

أكدت التوصيات الصادرة عن مؤتمر الإنقاذ الاقتصادي بأن المشكلة الاقتصادية لها حقيقة ومظاهر أسباب وتتلخص الحقيقة في الآتي:

١- التدهور الكبير في الطاقات الإنتاجية وقصور البنيات الأساسية والخلل الذي صاحب الأجهزة المالية للدولة.

٢- عجز الدولة عن توفير القدر الكافي من الضروريات من السلع المعيشية والخدمات وذلك لندرة العملات الصعبة.

٣- عدم العدالة في توزيع الثروة والخدمات الاجتماعية والاقتصادية بين الريف والحضر ما أشاع الهوة الكبيرة بينهما كما أحدث خللًا فاحشًا في مجال الخدمات.

أما مظاهر المشكلة الاقتصادية فهي عديدة ومتداخلة كما أن التراكم الزمني أضاف إليها قدرًا هائلًا من التعقيد والكثافة مما جعلها وكأنها معضلات مستعصية العلاج.. فالنمو السالب للناتج القومي والتضخم والعطالة واتساع الفجوة في الميزان التجاري وازدياد المديونية الخارجية تعد مظاهر مشكلة كما تشكل في الوقت ذاته بيئة صالحة لنمو مزيد من الإشكالات والتدهور الاقتصادي مما يحاصر الاقتصاد الوطني داخل دوامة الحلقة الملعونة كما يقول اختصاص التنمية فلا ادخار بلا وفرة ولا وفرة بلا إنتاج ولا إنتاج بلا استثمار ولا استثمار بلا ادخار «وهكذا»، حلقة مفرغة.. ولذا فإن الارتقاء بالاقتصاد السوداني وإصلاح مساره يقتضي تكوين فلسفة مرجعية تؤطر انطلاقات الوسائل ومدارج الأهداف وقبل مناقشة الفلسفة التأطيرية للاقتصاد فلابد من تشخيص دقيق لمسببات الإخفاق الاقتصادي والعناصر الداعمة لتلك الأسباب وهو ما اجتهدت في صياغته استقصاء لجنة المواجهات والسياسات المنبثقة من المؤتمر وجاء حصرها في تقريرها كالآتي:

- انعدام الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد وتبدل السياسات الاقتصادية من ثم مع تعديل كل نظام.

- سيادة أنماط استهلاكية غير رشيدة والاعتماد على قاعدة إنتاجية ضيقة بالرغم من توفر الإمكانيات في التوسع الرأسي والأفقي في القواعد الإنتاجية سواء كان ذلك في المجال الزراعي أو الصناعي أو الزراعي أو في مجال الخدمات.

- تدهور البنيات الأساسية وعدم صياغتها مع التوسع في استخدامها بتطور الزمان إضافة إلى الترهل والعجز الإداري في ملاحظة الالتزامات المحتمة من جراء اتساع القدرة الاستهلاكية.

- تخبط السياسات الاقتصادية وعجز القطاع العام وتزايد الاعتماد على العون الخارجي وضعف التخطيط في القطاع العام وانعدامه في القطاع الخاص مما ساعد في إنتاج سلع هامشية وأدى بالتالي إلى إفراز الظواهر الاستهلاكية.

- خيارات

إن غياب المنهجية الحدية للاقتصاد السوداني أضرت الوضع الاقتصادي المنهار الحالي بتداخلاته التقليدية والفوضى والتضارب بين الأهداف والأجهزة والقنوات التوجيهية ولذا فلا يمكن أن يسترد الوضع الاقتصادي عافيته ما لم يتخذ الإجراءات الكفيلة بالإصلاح النوعي في إطار فلسفة منهجية وقد ساقت توصيات المؤتمر معالم رئيسية لصياغة الإطار المرجعي للنشاط الاقتصادي مداخل ومنطلقات في توجيه السياسة الاقتصادية ضمن اتساق يحدد الأسبقيات والأولويات عند التعارض وأشارت التوصيات إلى ضرورة استيطان الفلسفة الاقتصادية من قيم الحركة التاريخية للحياة السودانية واستيحاء السلوك المجتمعي في إطار الحرية المسؤولة والملتزمة بتحقيق أفضل النتائج لحاجات الفرد والأمة ومع مراعاة التكافل والتعاون دون احتقار وحفظ كرامة الأمة والفرد وتحقيق العدالة ونبذ العادات الضارة والتقاليد غير الكريمة المستورد منها والمكتسب كالاكتناز مع الاحتراف والأنانية والانطواء والتعالي.

وأبرزت لجنة المواجهات والسياسات عدة نقاط مركزية تشكل في مجموعها تحديد الأهداف الكلية للعملية والنشاط الاقتصادي وركزت على ضرورة الاعتماد على الذات في تنمية الطاقات الإنتاجية ورفع الإنتاج وصياغة الإصلاح الاقتصادي معتمدة في ذلك على التخطيط والمراجعة العلمية ومعالجة الخلل المتراكم في القطاعات المنتجة كما صاغت أسسًا تعد برنامجًا تأسيسيًا لتحديد السياسات المالية والنقدية والتنمية ودور الدولة في منع التناقضات ومشروعية التدخل في النشاط الاقتصادي والتنسيق بين قطاعات الإنتاج ومنع الاحتكار مع تشجيع المنافسة في الاستثمار وما إلى ذلك.

ومن جانب آخر تقدمت لجنة التنمية بتوصيات وافرة في تحديد العملية التنموية والقطاعات التي تمثل المرتكز الأساسي لها كما صاغت الإشكالات التي تواجه الإنتاج حاليًا وكيفية التغلب عليها وقد عززت اللجنة دراساتها بإحصائيات دقيقة أضفت بها كثيرًا من الموضوعية العلمية في المعالجة وتطرقت إلى مجالات الإنتاج الأساسية في زراعة القمح والحبوب والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية وصناعة السكر وإنتاج الخضر والفواكه والنقل والمواصلات والطاقة وأبانت نصيب كل واحد من تلك القطاعات من الإسهام في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتكوين فائض من أجل التصدير ويشار هنا إلى أن الحكومة بدأت مشروع التخريج العام ضمن الهيئة العامة للغابات وذلك بالتعاون مع الحكومة الفنلندية... لزراعة أكثر من مليون شتلة في شارع کردفان وأواسط السودان من أشجار الكافور وألبان المسكيت.

- الإنجاز

بالرغم من الاعتداد بمؤتمر الانقاذ الاقتصادي باعتبار أنه نقطة تحول لامعة في تجاوز إشكالات السودان الكبرى إلا أن المتابعة من أجل وضع تلك التوصيات والمقررات موضع التنفيذ تبقى المحك العملي للإنجاز، فالمؤتمر يعد تشخيصًا موضوعيًا للمشكلة الاقتصادية كما أنه يمثل خلق البدايات الموصلة للحلول الناجعة والواقعية فالقضية تبقى أكثر شمولية من صياغات مستقبلية مما يستوجب الانطلاق في أكثر من اتجاه للسيطرة على الإخفاق السابق وإيجاد البديل الناجع له وصياغة تقاليد إدارية متفتحة وناضجة ومنسقة مع التخطيط العام لرفع المستوى الفني للعمالة كما يتطلب بناء مراكز للبحث العلمي والتخطيط وقد ساق البروفيسور أحمد عبد الرحمن العاقب ذلك بكل وضوح وقال لا بد من تطوير اقتصادنا في ضوء الاستقلال الأمثل للتقنيات الحديثة المتقدمة، فالهند أقامت ٧٤٦ مركزًا للبحوث و١٥٠ مدينة علمية وهي التي كانت حالة ميؤوس منها اقتصاديًا حتى مطلع الستينيات وما أن انقضى عقد واحد حتى تحولت إلى دولة راسخة القدم في إيجاد البدائل العلمية للتنمية وهو ما تم في ألمانيا الاتحادية في وقت سابق ولهذا لابد من تطوير الأنظمة والقنوات الإنتاجية حتى توفر إنتاجية مرتفعة في أمد أقصر.. وبالطبع مازال الوقت مبكرًا على إصدار أحكام إجمالية على نتائج المؤتمر إلا أن المؤشرات توحي بأن ما تمخض عنه يعد خطوة إيجابية وكلما اقتربت التجارب المستقبلية من تحقيق شعارات المؤتمر انقشعت سحب التراكم في المسار الاقتصادي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8