العنوان السودان: الغارة على الأمة من بوابتها الجنوبية!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1989
مشاهدات 91
نشر في العدد 923
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-يوليو-1989
المؤامرة تزداد ضد الشعب السوداني.
على غير موعد مسبق كان الأسبوع الماضي هو أسبوع
السودان في الصحافة العربية بلا منازع، إذ ما إن شرع القراء في تناول وجبة الصباح
الصحافية، صباح الاثنين 19 يونيو 1989، حتى فوجئوا بالأخبار تتحدث عن إحباط محاولة
انقلابية أوشكت أن تقع في الخرطوم، وعن يد الرئيس السوداني السابق جعفر النميري في
ذلك!! وهكذا أضيف خبر جديد إلى سجل أخبار الكوارث التي ظلت تشكل صفة ملازمة لأخبار
ذلك البلد الذي ظل لأكثر من أربعة قرون يلعب دور شرطي الحدود الجنوبية للأمة العربية
الإسلامية، وإذا كان السؤال حول لماذا يحدث هذا الترابط الشرطي بين السودان
والكوارث يفرض نفسه، إلا أن هذه الرغبة في التأمل الفلسفي لا تقوى أمام سؤال آخر
أكثر إلحاحًا حول ما يجري الآن في السودان، وماهية أسبابه وأبعاده وآثاره
المحتملة؟
وإذا كان كثير من المهتمين بالشؤون السودانية
يجعلون من المحاولة الانقلابية الأخيرة منطلقًا ومحورًا للحديث عن السودان إلا أن
تلك المحاولة في حد ذاتها ليست سوى نتيجة لأسباب أخرى جوهرية هي التي تشكل الآن
ملامح الوضع الراهن واحتمالات المستقبل، وإذا كانت تلك المحاولة قد طرحت بقوة وعنف
سؤالًا حول مستقبل الديمقراطية في السودان إلا أن الحرب الدائرة في السودان، منذ
منتصف عام 1983، والتي تصاعدت بشكل خطير في فترة ما بعد انتفاضة رجب - أبريل 1985،
لا تشكل فقط المهدد الرئيسي للنظام الديمقراطي في السودان بل تتجاوز هذه الجزئية
لتلعب دور المهدد الرئيسي لهوية البلاد الإسلامية ككل وهذا - بالطبع - بيت
القصيد... وفيما يلي نحاول بالمعلومة والتحليل الوقوف على حقيقة الوضع في السودان.
- حمى بالسودان ولكن سائر الجسد لا يتداعى !!
أولى الملاحظات التي تقفز إلى مخيلة المراقب
للشؤون السودانية هي أن فريضة المساندة السياسية للسودان من قبل أشقائه المسلمين
والعرب تتضاءل قامتها إزاء المساندة الاجتماعية والإنسانية له.
صحيح أن أول من اعتاد أن يقف مع السودان حين
تفاجئه الكوارث الطبيعية كالجفاف أو السيول والفيضانات هم أشقاؤه العرب، وبهمة
تثير الكثير من الإعجاب، إلا أن السودان وهو يخوض معركة وجود وهوية الآن تتهدده
القوى الشيوعية والرأسمالية والكنسية عبر بعض الوكلاء الداخليين، فلا أحد يقف إلى
جواره، في حين توشك تلك القوى أن تجهز عليه.
وما يجري في السودان لا يمكن فهمه خارج إطار موقف
القوى الكبرى بمؤسساتها المختلفة إزاء ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة، فإذا كانت
تلك القوى تراهن على القضاء على ظاهرة الصحوة الإسلامية بخاصة حيث تهدد مصالحها
السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بالانقضاض العنيف بعد أن اتسمت الصحوة بكثير
من العناد والصبر والمثابرة، فإن السودان هو أحد أقطار معدودة يرشحه المراقبون
لبناء نظام إسلامي بكثير من الوعي وسعة الأفق... ومن هنا بدأت عملية الاستهداف
تارة بالتعويق الجزئي وتارة أخرى محاولات القضاء، ولعل ما يجري في السودان الآن هو
محاولة للقضاء قضاء مبرمًا على حركته الإسلامية الناهضة.
- تمرد تغذيه دول وكنائس وشركات !!
بدأت حركة التمرد من قبل ستة أعوام في رقعة صغيرة
من إقليم أعالي النيل «أحد أقاليم السودان الجنوبي»، وما لبثت طويلًا حتى تلقفتها
أثيوبيا الاشتراكية ذات الجذور الكنسية الراسخة بالرعاية والاهتمام، وقدمت لها
واجبات الاستضافة، ورغم أن الحركة قد كتبت ميثاقًا لها أسمته «المانيفستو» أكدت
فيه على رغبتها في تحرير السودان «ولقد أطلقت الحركة على نفسها اسم الحركة الشعبية
لتحرير السودان وأسست جيشها الجيش الشعبي لتحرير السودان»، وإقامة دولة علمانية
اشتراكية في كل السودان تقوم على أنقاض البرجوازية العربية في الشمال والبورجوازية
الجنوبية، رغم ذلك فقد سارعت المؤسسات الكنسية والشركات الغربية وبعض أقطار الجوار
الموغلة في النصرانية وقوى دولية أخرى تقدم الدعم والمساندة الأدبية والمادية
لها... أما اتفاق هؤلاء الفرقاء المتشاكسين فهو رغم غرابته إلا أنه يملك مبرراته،
فأثيوبيا وحدها من جهة ظلت على مر التاريخ تسعى للاحتفاظ بورقة سودانية تضغط بها
على النظام السوداني في الخرطوم، وفي هذا الاتجاه ظلت تستثمر كل الخلافات الثانوية
داخل السودان مهما صغرت وتضفي عليها ما تشاء من المهيجات، حتى تكبر فتقوم من بعد
برعاية الطرف الخارج على الشرعية.. وأثيوبيا وبقية دول المعسكر الاشتراكي الأخرى
«الاتحاد السوفياتي وكوبا»، تنطلق في دعمها لحركة التمرد في المقام الأول من وعي
بالأهمية الأستراتيجية لتسجيل حضور ما في منطقة القرن الأفريقي التي يقع السودان
في طرفها الغربي وربما - بدرجة أقل - لعاطفة اشتراكية تجاه حركة تمرد ترفع شعارات
اشتراكية، وأما أقطار الجوار الأفريقي فهي تتحرك مستجيبة لإملاءات الكنيسة التي
تعمل بنشاط عال لجعل أفريقيا أرضًا خاصة بها ،وربما كذلك بعاطفة زنجية تجاه حركة
اعتادت أن تخاطبهم بذكريات من تاريخ الصراع العربي الزنجي في ساحل شرق أفريقيا.. ومع
كل هذا الخليط من القوى تقف الشركات الغربية التي تريد كذلك أن تحتكر ثروات
أفريقيا المعدنية والغابية والزراعية، الأمر الذي دعاها أن تعجل بالوقوف إلى جانب
حركة التمرد منذ أيامها الباكرة.
وتقف إسرائيل والولايات المتحدة وغرب أوروبا في صف
الداعمين للحركة بالسلاح والغذاء والمساندة الدبلوماسية، وهي تعي جيدًا خطورة قيام
نظام إسلامي في السودان أو حتى مجرد وجود نظام سوداني يلعب دورًا فاعلًا في
المنظومة العربية على مصالحها في المنطقة... وأخر عقد القوى المتآمرة على السودان
هي بالطبع الكنيسة التي تلعب دورًا كبيرًا في تهيئة الدعم لحركة التمرد... اجتمعت
كل هذه القوى ذات المشارب المتباينة على تجميد خلافاتها الثانوية والعمل على دعم
حركة تحقق لها مجتمعة الحد الأدنى من أهدافها في بلد كالسودان متمثلًا في طمس
الهوية الإسلامية للبلاد والعمل على فك ارتباطها بالكيان العربي.
- وقائع وأرقام في مسيرة المؤامرة:
ست سنوات من التآمر على السودان هيأت لحركة التمرد
تكوين جيش قوامه - حسب تقديرات مصادر مقربة - أربعون ألف مقاتل، تلقى عدد كبير
منهم دورات تدريبية في كوبا وإسرائيل، كما أنها - الحركة - استطاعت في الأربع
سنوات الأخيرة «يونيو 85 – يونيو 1989» أن تضع يدها على كل الريف الجنوبي ومعظم
مدن الأقاليم الجنوبية.. يضاف إلى ذلك تمكنها من نقل نشاطها العسكري إلى الشمال في
مناطق جنوب النيل الأزرق «الانقسنا» وجنوب كردفان «جبال النوبة»، كما أنها
استطاعت أن تفرض نوعًا من الحصار الدبلوماسي حول النظام الشرعي بالبلاد من خلال
كسبها لتعاطف العديد من أقطار الجوار الأفريقية والعربية ومخاطبتها للمجتمع الغربي
عبر أجهزته ومؤسساته المختلفة.. وفي مجال الإغاثة والتموين استطاعت حركة التمرد أن
تحصل على دعم إغاثي تحت غطاء منظمة الأمم المتحدة تجاوز إجمالي قيمته مائتا مليون
دولار.
أما على مستوى التعبير عن أهدافها فإن الحركة قد
ظلت حريصة خلال كل جولات المفاوضات التي أجرتها معها الحكومة والأحزاب السودانية
أن تؤكد على حرصها على إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية، والعودة للعمل بقوانين
1974 غير الإسلامية وإلغاء كل اتفاقيات الدفاع المشترك والبروتوكولات العسكرية
التي سبق للحكومات السودانية المتعاقبة أن وقعت عليها مع بعض الأقطار العربية
الشقيقة.
وفيما تومئ حركة التمرد للمجتمع الدولي برغبتها في
السلام من خلال إعلانها لوقف إطلاق النار وإبداء استعدادها للجلوس على مائدة
مفاوضات مع الحكومة السودانية إلا أنها ستظل وفية لأهدافها مستثمرة في ذلك عزلة
حكومة الخرطوم وغياب المساندة العربية لها.. فالمتمردون يعلمون أنهم إنما يستفيدون
من حالة وقف إطلاق النار لاسترداد أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم والاستعداد لحرب
طويلة غايتها الاستيلاء على السلطة في الخرطوم.. ولعل أكبر الشواهد على وفاء
الحركة لأهدافها هو تمسكها بشروط تعجيزية لعقد ما اصطلح على تسميته بالمؤتمر الدستوري
الذي يفترض أن تطرح بداخله المسألة السودانية برمتها...
كما أن الحركة - فيما يبدو - تشعر بكثير من
الاطمئنان على مستقبلها على ضوء الدعم الأدبي والمادي والعسكري المتزايد الذي تجده
من القوى المختلفة التي تراهن عليها... هذه الحالة من الشعور بالاطمئنان ربما شجعت
الحركة على المضي في خط التصعيد العسكري والحسم بالقوة.
إزاء هذه الصورة ليس صعبًا أن يتم تصور مشكلة
السودان الراهنة.. فمستقبل الديمقراطية يأتي سابقًا له من حيث الأولوية والإلحاح
مستقبل السودان كله، فحركة التمرد تأتي على الأرض العربية والوطن الإسلامي في السودان
تنقصه من أطرافه وتوشك أن تقتطعه كلية، والعالم الغربي بطوائفه وألوانه ومذاهبه
ومؤسساته المختلفة يتهاوى على البلاد كتهاوي الأكلة على القصعة، والقوى الإسلامية
في السودان تبذل الوسع لحد إعلان الجهاد وتبني الدعوة لتسليح الشعب ويبقى مجهودها
محدودًا طالما ظلت تقاتل وحدها، شأن قتالها شأن اليد الواحدة التي لا تصفق.. ومن
المفارقات المحزنة أن يكون الضمير الشيوعي والكنسي والرأسمالي أسبق في الاستجابة
لذويه من الضمير العربي الإسلامي.. أما اقتطاع السودان فليس بأي حال مشكلة سودانية
بمقدار ما هو مشكلة عربية إسلامية إذ حينئذ ستكون العروبة والإسلام قد خسرت
امتدادها الأفريقي وليس صعبًا من بعد أن تدخل الخيل الأزهر!!
- عند مثول هذا العدد للطباعة تناقلت وكالات الأنباء خبر
الانقلاب العسكري الذي تم في الخرطوم، وهنا ننوه بأن المجلة سبق وأن توقعت
تبدل الوضع السياسي في السودان، وسوف نوافيكم بالتفاصيل في العدد القادم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل