العنوان السودان: العسكر يَحِنـُّـون للسلطة
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1989
مشاهدات 77
نشر في العدد 907
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 07-مارس-1989
* توقيت المذكرة المطلبية يشي في حملته إلى أهداف ودوافع خارجية.
* السودانيون يربطون بين صدق التوجه الإسلامي والمحاولات الانقلايبة.
في سابقة تعد الأولى من نوعها، أقدمت القوات المسلحة السودانية على رفع مذكرة مطلبية في العشرين من شهر فبراير المنصرم إلى القيادة السياسية العليا «مجلس رأس الدولة، ورئاسة الوزراء»، ضمنتها عدة بنود تعلقت في معظمها بمقترحات إصلاحية في شئون السياسة الخارجية والوضع الاقتصادي والميزانية الدفاعية، كما طالبت فيها بتكوين حكومة إنقاذ وطني تضم أغلب الفعاليات السياسية، بالإضافة إلى اشتمالها على تقويم جزئي لأداء الحكومة في المرحلة السابقة. وبالرغم من أن المذكرة حاولت أن تضفي على لغتها السمة القانونية كما أنها وصفت الدوافع التي أدت إلى رفعها بأنها مبادرة تمليها المسؤولية وتحض عليها واجبات الدستور، إلا أن حكومة المهدي استقبلتها كعمل خارج على تقاليد الأداء والانضباط العسكري، لاسيما وأن المذكرة تتضمن بندًا توقيتيًّا لتنفيذ تلك المطالب وحددته لفترة أسبوع من استلامها.
وقد برز ذلك من خلال الرد الذي ساقه مجلس الوزراء على بنود المذكرة العسكرية، والذي أقر مجلس الوزراء نشره على الرأي العام مصحوبًا بنص المذكرة. وقد تطرق الصادق المهدي في رده بأن حكومته سعت وما زالت تسعى لضم كافة الأحزاب الرئيسية في الساحة السودانية، كما أوضح بأن سياسته تجاه مشكلة الجنوب التزمت على الدوام بتذليل سبل السلام ونبذ الحرب، وهذا توجه مبدئي وما كان ليتغير لولا أن الطرف الآخر كان أشد حرصًا على تأجيج الفتنة وإشعال أسباب الحرب. وبشأن السياسة الخارجية ذكر المهدي بأن حكومته ابتعدت عن سياسة المحاور وركزت على سياسة خارجية ملتزمة بآفاق عدم الانحياز وتوطيد العلائق مع كل الأطراف المتصلة بالسودان لا سيما السعودية ومصر وليبيا وإثيوبيا. ومن جانب آخر أصدرت الأحزاب السودانية بمختلف توجهاتها بيانات سياسية ردت فيها على مذكرة القوات وتراوحت الردود بين الرفض والتأييد.
الدوافع والتوقيت
ربما كانت الدوافع وراء تحرك الجيش السوداني تتصل بمقتضيات وطنية أصيلة، فالجيش يحس أنه مشارك في صناعة الديمقراطية السائدة حاليًا بدءًا بدوره في الثورة الشعبية التي أطاحت بالرئيس المخلوع نميري، والتي كانت مساهمته فيها سببًا رئيسيًّا في حقن الدماء وتجنيب البلاد مزيدًا من الهزات على الصعيد الداخلي. بالإضافة إلى أن الجيش تحت قيادة سوار الذهب أحسن صنعًا حين ترك مقاعد القيادة السياسية مختارًا للمدنيين بعد إجراء انتخابات نزهية ومشرفة. كل هذه الإيجابيات تجعل القوات المسلحة السودانية في موضع مميز داخل التركيبة القيادية، وإن كانت لا تعطيه صك الوصاية على مسيرة الحياة السياسية في السودان.
ومن جانب آخر ربما كانت الأوضاع العسكرية السائدة في جنوب السودان دافعًا قويًّا لتحرك القوات المسلحة، فالمعروف عنها أنها ليست في مستوى النشاط المكثف لقوات المتمردين وهي تعاني من نقص مزرٍ في العتاد والمعدات وآلة الحرب، ويزيد من سلبية تلك الأحوال أن الإمدادات العسكرية تكاد تنقطع تمامًا عن القوات المقاتلة خاصة بعد أن أوقفت كل الدول الغربية تزويد السودان بالأسلحة فلا بيع ولا إعانات، كما رفضت الولايات المتحدة إمداد السودان بقطع الغيار بعد أن طردت قوات الانتشار السريع الأمريكية -النجم الساطع- من الأراضي السودانية. وقد ساعدت تلك الأوضاع العسكرية المرهقة لخسائر متكررة في جانب القوات السودانية، فيما دخلت قوات التمرد مدينتي الكرمل وفيسان العام الماضي واستعادتهما القوات السودانية بجهد بالغ، كما سقطت مدينة الناصر الحدودية في مطلع الشهر المنصرم بعد حصار طويل، وواقعة الناصر بكل المقاييس تعد دافعًا عمليًّا للفت الأنظار تجاه الأوضاع التي يعيشها الجيش في الجنوب.
غير أن التوقيت الذي وافق تحرك القوات المسلحة يشي بأن تلك الدوافع ربما ينقصها العنصر الفعال المتمثل في كثافة الضغوط الغريبة على الحكومة السودانية، خاصة بعد أن أصبحت الجبهة الإسلامية مشاركًا ثانيًا في صناعة القرار السياسي. وهو ما يعيد للأذهان قصة قيام الجمهورية الشورية الإسلامية التي تتطلع لها توجهات حزب الأمة والاتجاه الإسلامي، والتوقيت يأتي بعد خروج حزب الاتحاد الديمقراطي «الميرغنية» من الحكومة، وهو معروف بارتباطاته الخارجية مع بعض الدول والتي تتضارب مصلحتها مع التوجهات الإسلامية للحكومة، ومما يجعل التوقيت محسوبًا أيضًا لدوافع الغير هو ارتباطه بقرب إجازة القوانين الجنائية الإسلامية، والتي سوف تحسم آخر خط التراجعات أمام دعاة العلمانية وتؤكد مصداقية التوجه الحضاري الإسلامي للسودان، وهو ما يزيد من درجة تسارع الخطوات من أجل وضع نهاية سريعة لحكومة الصادق المهدي. وقديمًا توحدت قوى الأمريكان مع جهود عبد الناصر فأسدلت الستار على إجازة الدستور الإسلامي في عام 1969م عندما نفذت انقلاب الأحرار الذي جاء بالنميري للسلطة، مما جعل السودانيين يربطون بين التوجه الإسلامي والانقلابات العسكرية.
أدوار سابقة
من الطبيعي أن يكون الحضور العسكري للجيش في السودان أكثر من مجرد ضبط وحماية الأمن القومي، فالجيش السوداني مثله مثل بقية جيوش العالم الثالث تستهويه السيطرة على زمام الأمور وعلى أقل تقدير المشاركة في تسييرها، وقد استأثرت القوات المسلحة السودانية بالحكم أكثر من 23 عامًا وهي تساوي ثلثي فترة الحكم بعد الاستقلال، فقد حكم الجيش بعد فترة الديمقراطية الأولى من سنة 58- 64 تحت قيادة عسكرية خالصة حولت السودان إلى الأحضان الأمريكية -ربما عن حسن نية- وجاء العسكر مرة أخرى للحكم بعد الديمقراطية الثانية في 1969م، وهو مجيء ارتبط بالأمريكان من أول يوم، وإن كان وجه الحكم يبدو للناظرين كأنه وجه شيوعي متصلب الملامح. وكانت نتائجه أيضًا الارتهان الكلي للأمريكان والدول التي تدور في فلكهم بدءًا من السادات وانتهاء بنقل الفلاشا للكيان الصهيوني.
ملامح النظام العسكري في السودان اتضحت سوءاته في فترة حكم النميري، وقد أضر بالسودان أيما ضرر وحوله من دولة دائنة إلى مدينة بـ 11 مليار دولار،ٍ ومن دولة لها فائض في الميزان التجاري إلى عجز مزرٍ في تجارتها الخارجية، ومن دولة تتمتع بالاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء إلى دولة تعيش حالة مجاعة حقيقية في عام 1985م. وكان سوء الإدارة وفسادها قضية يسمع بها السودان ولا يحسها، فلما جاء عسكر النميري أحالوا الإدارة المدنية إلى كومة فاسدة لا تحمل رصيدًا فنيًّا سوى إجادتها لفن النفاق. وهكذا فقدت الإدارة السودانية وجهها المشرق تطبيقًا لمقالة السوء التي تجعل أهل الثقة فوق أصحاب الكفاءة، وبذلك أضحت إنتاجية العالم واحدة من أضأل الإنتاجات العالمية، وقد ساعد على ذلك قوانين العمل التي سنها النميري إرضاء للعمال متضمنة حقوقًا كثيرة دون أن توازيها الواجبات، فمصانع السكر مثلًا، والتي خطط لها لتضيف فائضًا يساوي 200 ألف طن للطاقة القصوى، لم تستطع أن تحقق الاكتفاء الذاتي والبالغ تقريبًا 500 ألف طن. وفي المجال العسكري فقد أضاع النميري فرصة سانحة لبناء جيش حديث مقتدر طيلة السنوات 16 من حكمه، إلا أن الاستنامة والاطمئنان للخطط الأمريكية حوَّل جيش السودان إلى مؤسسة عسكرية من الدرجة الثالثة.
أحزاب العسكر
على الرغم من أن مشكلة الحكم في السودان لا تُحل بواسطة الخوذة العسكرية، إلا أن بعض الأحزاب لا تجد مناصًا من دخول جحر الضب مرة أخرى، وما إن أقدمت القوات المسلحة على رفع المذكرة المطلبية، حتى تحركت أحزاب الهامش السياسي تنادي وتبارك عبقرية القوات المسلحة، رامية بمبادئها خلف ظهر الشرعية السياسية، وفي مقدمة تلك الأحزاب الاتحادي الديمقراطي «الميرغنية»، الذي ذكر أن أهدافه تتطابق وبنود المذكرة العسكرية، لا سيما وأن المذكرة ركزت على إشكالات الحرب في الجنوب، ولم تتطرق إلى التمسك بالتوجه الإسلامي.
كما أنها أشارت إلى الخلل في السياسة الخارجية وهو توجه لصيق بأماني وإحساس الاتحاد الديمقراطي الذي يبتعد كثيرًا عن التقارب مع ليبيا، ودرجت لمذكرة أحزاب سياسية صغيرة طمعًا في تحقيق مكاسب مبدئية ولو اقتصرت تلك المكاسب على تجميد الشريعة الإسلامية، فقد نشر الحزب الشيوعي السوداني -3 أعضاء- مباركًا للعسكريين خطوتهم تلك، كما تابعه حزب البعث العربي وبعض الأحزاب الجنوبية. وعمومًا إن الأحزاب العلمانية والتي تقف خارج السلطة تجد في مذكرة القوات المسلحة ضالتها ولو جزئيًّا، وتحس بأن حالة اليأس والإحباط التي لازمتها ربما تشمل الجميع بعد انشطار الجبهة الداخلية، ومن ثم انشطار الحكومة، وهو ما يدفع بالوضع إلى هاوية ربما تؤدي في خاتمة المطاف إلى سقوط حكومة المهدي وقيام نظام آخر أيًّا كان نوعه. والأحزاب اليسارية والعلمانية بما فيها الاتحادي الديمقراطي تخشى المستقبل القريب، تخشاه في إسلاميته الثابتة كما تخشاه في نتائجه الانتخابية، التي قد تُفقد تلك الأحزاب كثيرًا من دوائرها، ولهذا فالإحساس باليأس يدفع بها إلى إيجاد حليف قوي -كالجيش- يستطيع أن يساوم من مصدر قوة، فهل يفعلها الجيش مرة ثانية؟
سباحة ضد التيار
أصدر الصادق المهدي بيانًا رفض فيه الرضوخ لمطالب القوات المسلحة، كما أدان فيه التدخل غير الدستوري في الشؤون المدنية الخالصة، وقال أمام الجمعية التأسيسية «البرلمان» بأنه وعلى مدى أسبوع إذا لم يتعهد الجيش بأنه سوف يلتزم بالدستور ويبتعد عن أساليب التدخلات، فإنه سيترك منصبه كرئيس وزراء لأحد أتباعه. والمهدي في ذلك يريد أن يحدد العلاقة بين السلطة التنفيذية والقوات المسلحة، وهو حق أفاضت به كل دساتير العالم، ومهما كانت وطنية الجيش السوداني إلا أنه بتدخله على تلك الصورة ربما يؤدي بالحياة الديمقراطية إلى الزوال.
إضافة على أن مثل تلك التدخلات تجعل السلطة التنفيذية تعمل في أجواء تسودها إشهار سيف العسكر، وهو ما يتناقض مع الشرعية المتكسبة للسلطة التنفيذية بواسطة الانتخاب الشعبي. وأغلب الظن أن القيادة العسكرية لا تطمع في إقامة حكم عسكري في السودان، إلا أن خطوة التدخل في الأوضاع المدنية ربما يغري صغار الضباط بإحداث انقلاب في المرحلة القادمة، خاصة وأن الاستقطاب الدولي للجيش يمتد عبر قنوات داخلية منها أحزاب العلمانية «من الاتحادي إلى الشيوعي»، إلا أن كل توجه عسكري في السودان يُعد من قبيل السباحة ضد التيار، فالأوضاع السائدة لا تمكِّن العسكر على الإطلاق من السيطرة على مجريات الأحداث، فالشعب السوداني رغم شعوره ببعض الإخفاق من حكومة الأحزاب إلا أنه ما زال يرى أن الخيار الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية هو أهون الشرور، كما أنه افتقد كل حماس لعودة العسكر للحكم. ويشاركه في ذلك الأحزاب السياسية الرئيسية والنقابات والطلاب والهيئات العلمية والعمالية. كما أن السودان حاليًا بإشكالاته وتطلعاته يبدو أكبر من أن يحكم بقبضة حديدية لا تمتلك قوة سياسية فاعلة على الساحة، وحتى لو جاء العسكر إلى دست الحكم فإنه لا يسعهم إلا أن يغادروه ما لم يكن هناك تبنٍّ صادق للتوجه الإسلامي.
وتبقى مذكرة القوات المسلحة المطلبية مدخلًا متوقعًا للفتنة إذا ما أقرت أو رفضت؛ لاتصالها بالقوة التي يوجب الدستور أن تبقى بمنأى عن صراع التيارات السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى انقسام داخل تلك القوى، فيتعرض السودان بذلك لويلات هو في غنى عنها. وتبقى الأطماع الخارجية نشطة ما دامت الأحداث الداخلية تساعد في بذر نبتة الانقلاب العسكري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل