; السنوسية في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان السنوسية في الميزان

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980

مشاهدات 104

نشر في العدد 483

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 03-يونيو-1980

إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة

-كانت الزاوية جامعة إسلامية ونقطة تجارية وثكنة عسكرية.

- أمنت السنوسية طرق القوافل في مجاهل الصحراء الكبرى في أفريقية، وأخضعت لها القبائل المتمردة.

-رسم السنوسي منهجه على ضوء الكتاب والسُنة وعاب على بعض الطرق الصوفية اهتمامها بالجانب الروحي فقط.

إن تقويم الحركة ينبغي أن يكون تبعًا لمنهجها وأسلوبها في العمل والتربية وفي اتخاذ المواقف الحاسمة التي قد تضطر إليها الحركة، وفي قدرتها على الحفاظ على تماسكها وسط الظروف المتقلبة والسياسات الماكرة، ولا شك أن الوصول إلى الهدف مرتبط بهذا كله.

والحركة السنوسية كأي حركة جهادية كانت تهدف كما سبق- إلى إعادة الخلافة الإسلامية إلى سابق عهدها ومجدها وهيبتها، لأنها السياج الوحيد الذي يحمي هذه البلاد الإسلامية المترامية الأطراف من أطماع الدول الاستعمارية.

ولقد كانت الخطوة الأولى للسنوسي أن يوجد الإسلام الصحيح قويًا في أرضه ومنه يكون الانطلاق إلى غيرها وبالتالي يكون عونًا لدولة الخلافة الإسلامية التي كانت آخذة في الضعف والاضمحلال، وهذا يدعوها إلى التماسك والأخذ بأسباب النهوض، وتلك استراتيجية سليمة من قبل السنوسي ثم إن تقويم الحركة لا بُد فيه من النظر في مدى تنفيذ المنهج وأساليب العمل التي اتبعت للوصول إلى هذا الهدف وتلك الاستراتيجية أو المقدار الذي استطاعت الحركة تحقيقه من ذلك الهدف وهو مساندة دولة الخلافة والحيلولة دون سقوطها ويتمثل المنهج وأساليب العمل الحركي في الزاوية والمنهج الفكري والعقدي فقد كان من أهم أسباب نجاح الحركة السنوسية إقامة الزاوية وتحديد مهمتها، فبدلًا من أن تكون الزاوية سببًا لإماتة الإسلام وقتله في نفوس الشباب كما كانت الطرق الصوفية تفعل.

رسم السنوسي منهجًا للزاوية جعل منها مكانًا لصياغة الشباب صياغة إسلامية هادفة، وربط هذا المنهج بالهدف النهائي الذي من أجله قام بالحركة، فاهتم بالجوانب الفكرية والعقدية والجوانب العسكرية وتربية الشباب على الخشونة والتحمل مع توضيح هدف ذلك كله لهم وهو الاستعداد لحرب الاستعمار وإعادة المسلمين إلى سابق قوتهم، وهذا الربط بين المنهج والهدف جعل الشباب يقدم على الدعوة وهو يبتغي وجه الله -عز وجل-.

ولم يكتف بهذا بل جعل الزاوية نقطة الحركة التجارية في المنطقة فأنشأ فيها كل ما يحتاجه الأهالي من أسباب المعيشة التي توثق الرباط بينهم وتوجد أسباب التعارف والتآلف والمشاركة في كل ما يهم منطقتهم.

واستطاع السنوسي أن يأسر قلوب الأهالي معه بما كان يقدمه من أعمال إيجابية لهم، فكان السنوسيون يجتمعون في ليلتي الجمعة والاثنين من كل أسبوع إلى جانب أيام المواسم والأعياد الإسلامية فيطعمون الفقراء والمحتاجين، ثم يجتمع شيخ الزاوية بهم ويقرؤون بعضًا من آيات القرآن الكريم وإلى جانب ذلك كان اختيار أماكن الزاوية اختيارًا مربوطًا بالهدف وبالتوقعات المستقبلية للحركة، مما يدل على حسن تدبير وبعد نظر حركي عسكري، إلى جانب أسلوب نشر الزوايا في كثير من الأقطار الإسلامية حتى بلغت أكثر من مائة زاوية، مع ربط هذه الزوايا بالمركز الرئيسي في الجغبوب.

ولقد كانت الزاوية بتنظيمها السابق تفصيله في مقالات سابقة- بمثابة حكومة لدولة متكاملة الأركان.

أما منهج الطريقة السنوسية فقد أعطاه السنوسي جل اهتمامه لإدراك ضرورته لصياغة الشباب المسلم في جانب العقيدة والفكر السليم، وكان منهجه خلاصة لرحلاته وأسفاره العلمية التي التقى فيها بشيوخه وبأقرانه من التلاميذ وبأصحاب الطرق الصوفية، فكون من خلال ذلك تصورا عقديا وفكريا وسلوكيا دونه في كتبه التي ألفها وجعلها متداولة بين تلاميذه، وهذه الخطوة من حيث هي ضرورية لإيجاد الترابط الفكري بين الأستاذ وتلاميذه أو بين القائد وجنوده وليضمن للحركة عنصر الاستمرارية والحيوية دون التأثر بشخص المؤسس ما دام الربط بالمنهج لا بالشخص، وهذا ما مكن ابنه وتلميذه محمد السنوسي الاستمرار بالحركة بقوة وحكمة رغم الصعوبات الكثيرة التي ورثها واستطاع محمد بن محمد أن يسير بالحركة بعد ذلك بخطى صحيحة مدروسة.

أما منهج الطريقة السنوسية نفسه فكان خاليًا في الجملة مما كان متداولًا ومستساغًا في تلك الفترة بين الطرق الصوفية المنتشرة والمتغلغلة في حياة الأمة.

فقد عاب السنوسي على هذه الطرائق اهتمامها بالجوانب الروحية فقط اهتمامًا مشوشًا لما يصحبه من بدع الأقوال والأفعال، ولذلك رسم منهجه على ضوء الكتاب والسنة فقال: اعلم أن سبيل القوم اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجليل والحقير، وأعمالهم موزونة بميزان الشريعة، ولعل زيارته إلى مكة والمدينة والتقاءه بعلمائها ومشايخ الحركة الوهابية أفاده في هذا الجانب كثيرًا.

إلا أن السنوسي لم يستطع التخلص من شوائب الصوفية كلية، فمن ذلك أنه كان يهدف من طريقته في ما يسمى بالوصول للكمال الأعلى واتبع فيه الطريقة البرهانية كما سبق بيانها، واعتقاده بإمكان إقامة الصلة بين الفرد والرسول -صلى الله عليه وسلم- صلة مباشرة، وهذا ما سموه بالوصول ومعنى هذا إمكان الاتحاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يتجاوز هذا الهدف إلى الاعتقاد بإمكانية الاتجاد مع الله عز رجل كما تعتقد بعض الطرق الصوفية.

وكان أتباع السنوسي يؤمنون بأن السنوسي كان متصلًا بالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة.

ويؤخذ على طريقة السنوسي أيضًا أنه رسم طريقا لهذا الوصول والاتحاد مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو طريق المسلسلات وهي أحاديث متصلة السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتم الاتحاد إلا بالعمل بهذه الأحاديث، والشبهة في هذا هينة غاية ما فيها أن المريد يتلقى الحديث من شيخه ويصافحه، وهذا أشبه بالإجازة عند علماء الحديث.

ويؤخذ على منهج الطريقة أيضًا بعض الأعراف والتقاليد التي قد تكون بابا للذريعة كتناول السبحة ومن يسمى بالحزب السيفي وغيرها.

أما الأوراد التي كان يرددها أتباع السنوسي فهي على قسمين: قسم منها عبارة عن آيات من القرآن الكريم، وذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مقبول فيما صح كونه وردًا غاية ما هنالك أن الشبهة قد تكون في طريقة وهيئة ترداد الذكر.

أما القسم الثاني فعبارة عن أوراد من تأليف أحمد بن إدريس يرددها الأتباع وهذه مردودة لأنها تؤدي إلى الاعتقاد بأقوال وأوراد لم تأت عن طريق الكتاب والسُنة وهو باطل.

ومن هذا يتبين أن منهج الطريقة السنوسية في جملته مقبول إذا ما تحاشينا ما ذكر والحقيقة أن تصور الجو والظروف التي نشأ فيها السنوسي وانتشار الطرق الصوفية المنحرفة تجعل السنوسي- إلى حد ما- معذورًا في بقاء هذه القشور التي لم تؤثر على سير الحركة.

فالطريقة السنوسية كانت المنهج والزاد العقدي والفخري إلى جانب منهج التربية العسكرية والسلوكية كل ذلك يتم بناؤه في الزاوية التي اكتسبت بذلك احترام الناس والقبائل لها وثقتهم بها فأمنت طرق القوافل في قلب الصحراء الكبرى في أفريقية.

ولم تكن قافلة تأمن على أموالها وتجارتها ورجالها إلا إذا أخذت محررات من شيوخ الزوايا السنوسية تكون بمثابة جوازات مرور كي تتمكن من اجتياز أرض قبائل الطوارق وتبوك وغيرها دون أن يتعرض لها أحد لاحترام هذه القبائل الشيوخ السنوسية وإعطائهم الولاء والثقة علمًا بأن هذه القبائل معروفة بتمردها وشدتها ولم تكن تعطي هذا الأمان لغير محررات السنوسية.

فالسنوسي قد نجح نجاحًا كبيرًا في اعتماده على الزاوية وفي المنهج الذي جعل منها جامعة يرتادها الشباب وثكنة عسكرية تخرج بالتالي شبابًا مسلمًا بسلاح الإيمان والقوة.

فالزاوية ومنهجها في نظر السنوسي تمثل المرحلة الأولى وهي الإعداد والتربية والتكوين، وتتبعها المرحلة الثانية وهي نشر الدعوة في البقاء وتهيئ للمرحلة الثالثة وهي مرحلة الصدام المرتقب.

الرابط المختصر :