; السنغال.. ماذا بعد سقوط ضيوف وصعود المعارضة؟ | مجلة المجتمع

العنوان السنغال.. ماذا بعد سقوط ضيوف وصعود المعارضة؟

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1395

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 11-أبريل-2000

بعد فوز عبد الله واد في الانتخابات الرئاسية السنغالية وسقوط عبده ضيوف فإن هناك العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول انعكاسات هذه الانتخابات على المسلمين في السنغال الذين تبلغ نسبتهم ٩٥% من عدد السكان الذي يقدر بعشرة ملايين نسمة.

أثارت الانتخابات الرئاسية في السنغال- إحدى البلدان المسلمة في غرب إفريقيا- عدة تساؤلات حول مدى وجود ديمقراطية حقيقية في الدول الإفريقية بصفة عامة، مدى وجود معارضة قوية قادرة على لتغيير من ناحية ثانية؟

ويبدو أن السنغاليين قد سئموا من نظام الحكم الدكتاتوري المتسلط، لذا قرروا السعي نحو التغيير، وخاصة أن الرئيس الحالي هو ثاني رئيس يحكم السنغال منذ استقلالها عن فرنسا عام ١٩٦٠م إذ كان نائبًا للرئيس سنجور «الكاثوليكي الديانة»، والذي حكم البلاد لمدة ٢١ عامًا متصلة، ثم قرر التنازل عن الحكم لنائبه آنذاك عبده ضيوف والذي كان يحظى هو الآخر بدعم باريس- الدولة المستعمرة الأم-، ومنذ ذلك التاريخ وضيوف متربع على حكم البلاد وهو يعتمد في شرعية حكمه على الدعم الفرنسي بالأساس، كما وطد العلاقات بينه وبين الصهاينة الذين يرغبون في الاستفادة من موقع السنغال الاستراتيجي في غرب إفريقيا، الوضع قدم لهم في هذه المنطقة، لذا لا غرابة في أن تنهم المعارضة الرئيس السنغالي يسعيه إلى طبع البطاقات الانتخابية المزورة- في «إسرائيل»- وهو ما دفعها إلى الوقوف بحسم ضد محاولة الاختراق هذه، وخاصة أن فوز ضيوف معناه مزيد من التغلغل الصهيوني في البلاد «إسرائيل» ترغب في إقامة مشروع زراعي كبير في السنغال في الوديان الجافة اعتمادا على مياه نهر السنغال».

توحدت المعارضة (۱۹ حزبًا) في تحالف أطلق عليه «جبهة تنظيم وشفافية الانتخابات»، وطالبت بالمشاركة في الإشراف على عملية طبع البطاقات وقيد الناخبين، وهو ما أضطر الحكومة والحزب الاشتراكي الحاكم إلى الموافقة على ذلك، الأمر الذي انعكس على نتائج الانتخابات.

الوضع السياسي قبل الانتخابات

قبل الانتخابات الرئاسية- التي تمت جولتها الأولى أواخر فبراير الماضي- ساد جو من التشاؤمبسبب الأساليب التي يتبعها الحزب الاشتراكي الحاكم ورغبته في استمرار ضيوف في الحكم، وخاصة أن سيناريو التزوير كان يتكرر في كل انتخابات، وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت عام ۱۹۹۸م فاز الحزب الاشتراكي بـ ٩٣ مقعدًا من إجمالي ١٤٠ مقعدًا، أي حوالي ٦٧%، مما يعد مؤشرًا مهمًا على تصاعد قوة المعارضة التي فازت بالمقاعد الباقية، وإن كان الحزب الديمقراطي بزعامة عبد الله واد «المنافس الرئيس لضيوف» فاز بنصيب الأسد (۲۳ مقعدًا)، وهذا يعطي مؤشرًا آخر، ولكنه في حقيقته مؤشر سلبي، إذ يلاحظ أن هناك حالة من التفتت في أصوات المعارضة، وعدم وجود تنسيق بينها إلا في أوقات الأزمات، الأمر الذي من شأنه المساهمة في قوة الحزب الحاكم.

وصحيح أن نسبة الحزب الحاكم من مقاعد البرلمان قد تراجعت في انتخابات عام ١٩٩٨م عنها انتخابات عام ١٩٩٣م (٦٧% مقابل ۷۱%)، إلا أنه في المقابل تراجعت نسبة الحزب الديمقراطي من ٢٠% في انتخابات عام ١٩٩٣م إلى ١٦% فقط في انتخابات عام ۱۹۹۸م لحساب الأحزاب الهامشية.

وإذا كان التعدد ظاهرة ديمقراطية سليمة، فإن غياب التنسيق قد يحولها إلى ظاهرة سلبية، وهذا ما لاحظناه في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، إذ تقدم سبعة مرشحين لها في مواجهة ضيوف، لذا كانت النتيجة أن حصل ضيوف على ٤١.٦٤% من الأصوات، وكان من المفترض وفقًا لهذا الرقم فوز مرشح المعارضة الذي كان سيحصل على النسبة الباقية ٥٨.٣٦%، لكن غياب التنسيق أسهم في إضعاف فرص فوز أقرب المنافسين لضيوف، وهو عبد الله واد الذي حل في المرتبة الثانية برصيد ۳۰.۹ % من الأصوات.

  كان نظام ضيوف يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الفرنسي، وخاصة أن إمكانات السنغال محدودة، وتعتمد في دخلها القومي على الزراعة بصفة عامة، لذا كان لتراجع الدعم الفرنسي بسبب سياسة فرنسا الراغبة في تقليص الدعم المقدم للدول الإفريقية خاصة منذ عام ١٩٩٧م، ووجود حالة من الاستقرار في المنطقة- إلى حد كبير- دوره في إصابة الاقتصاد السنغالي بعدة اهتزازات، وهو ما انعكس بدوره على الوضع السياسي والاقتصادي السنغالي، ومع تراجع الأهمية النسبية لداكار بالنسبة لفرنسا وتقلص الدور الإقليمي لها، وفشل داكار في تحقيق أهدافها المنشودة في التنظيمات الإقليمية بالمنطقة، خاصة تلك التي كانت تحتل فيها دورًا مركزيًا، ومن أبرزها منطقة استثمار نهر السنغال التي تضم إلى جانبها موريتانيا- مالي- غينيا، وكذلك منطقة الفرنك الغرب إفريقي، مع حدوث ذلك كان البديل الأمثل- من وجهة نظر السنغال- يتمثل في الشمال العربي المسلم، لذا تقدمت العام الماضي بطلب للانضمام إلى الاتحاد المغربي، بالرغم من أنها دولة غير عربية، ولقد اعتمدت داكار في تزكية مطلبها على عدة أشياء:

- العامل الجغرافي، إذ إنها تشكل الحد الجنوبي لدول الشمال الإفريقي.

- العامل الديني، إذ إن هناك تواصلًا بين دول الشمال والسنغال، خاصة وأن الإسلام دخل البلاد من خلال الشمال.

- وجود جالية لبنانية وأخرى موريتانية في السنغال، ولقد كانت هذه الجاليات تعامل معاملة طيبة باستثناء فترة الأزمة مع موريتانيا عام ۱۹۸۹م.

هذا الموقف قد أثار استغراب العديد من المراقبين لعدة أسباب:

1- العامل الجغرافي وعدم انتماء السنغال لشمال إفريقيا.

2- العامل اللغوي.

3- الميراث التاريخي، وكيف كان بعض السنغاليين يقاتل في صفوف المستعمر الفرنسي ضد إخوانهم في المغرب العربي.

لذا كان على السنغال البحث عن دوائر إقليمية أخرى، ووقع الاختيار هذه المرة على تجمع الساحل والصحراء الذي أنشئ في ۱۹۹۸م بمبادرة من ليبيا، وضم في بدايته ست دول هي: ليبيا- السودان- تشاد مالي- النيجر- بوركينا فاسو، وبالفعل تم قبول السنغال في هذا التجمع في اجتماعه الأخير الذي عقد بتشاد في فبراير الماضي.

الوضع الأمني في السنغال

إذا كان الوضع السياسي والاقتصادي في السنغال بشكل نقطة سوداء في تاريخ النظام، فإن العامل الأمني يسهم في تعقيد هذه الأمور، ونقصد به أزمة إقليم كازامانس الذي يطالب بالاستقلال عن البلاد، ويقود هذا التيار الحركة الديمقراطية لتحرير کازامانس، والتي ترى أن النظام يستغل موارد الإقليم الزراعية والسياحية بدون استفادة أبناء الإقليم من أي عوائد اقتصادية، لذا ظلت هذه المشكلة تؤرق حكومة داكار، التي فشلت في وضع حلول تضمن احتواء مطالب أبناء الإقليم، ولقد قدمت الحركة الديمقراطية مبادرة للحوار العام الماضي خلال مؤتمرها العام، الذي أخفى في بيانه كلمة الاستقلال، وطالب بأمرين:

الأول: وقف العداء بين الجانبين، ومن ثم انسحاب القوات السنغالية من الإقليم.

والثاني: رفع الحراسة عن القس دياما كون سنجو- الأمين العام للحركة.

لكن بالرغم من ذلك فإن الأزمة لم تنته، ولقد دفع ذلك حكومة السنغال إلى الدخول في تحالفات أمنية مع دول الجوار «جامبيا- غينيا بيساو»، بل وتورط القوات السنغالية عام ١٩٩٨م في أزمة غينيا بيساو، حيث وقفت ضد محاولة الانقلاب الفاشلةالتي تمت ضد النظام الحاكم هناك، الذي كان ملتزمًا بدعم السنغال في مواجهة متمردي کازامانس، وخاصة أن هناك حدودًا بين غينيا بیسار وكازامانس تبلغ ۲۰۰كم³، الأمر الذي أدى إلى قيام الانقلابيين بدعم متمردي كازامانس في المقابل، ولم ينته الأمر إلا بتدخل قوات الايكو موج التابعة لمنظمة الأبكواس والسيطرة على الموقف هناك.

لكن يبدو أن هذه الأزمة أسهمت في زعزعة نظام الرئيس ضيوف، إذ إن تعامل الحكومة المسلح مع الإقليم أدى إلى سخط الشعب السنغالي، ولعل ما أثار استياءهم تعيين النظام للجنرال لامين سيس وزيرًا للداخلية عام ۱۹۹۸م، وهو الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان، واعتمد سياسة الذراع الطويلة بمعنى القضاء على المتمردين في أي مكان، خاصة في الأدغال والغابات الاستوائية.

أين القوى الإسلامية؟

انتشر الإسلام في السنغال في القرن التاسع الميلادي من خلال التجار المسلمين القادمين من الشمال، لكن أسهم مجيء الاستعمار الفرنسي في زيادة حملات التنصير بالبلاد، مما أدى إلى ارتفاع نسبة النصارى ليشكلوا ١٥% من السكان، لكن بعد الحرب العالمية الأولى تراجع المد التنصيري، بفضل الجهود الدؤوبة لعلماء المسلمين في مجال الدعوة إلى أن وصلت نسبة المسلمين إلى ٩٤% وتراجعت نسبة النصارى إلى ٥%، والنسبة الباقية ١% للادينيين «الوثنيين».

ويلاحظ أن الإسلام ينتشر هناك من خلال عاملين هما: الدعوة من ناحية، والتعليم الديني من ناحية ثانية، والذي يتم من خلال ثلاث وسائل:

الأولى: حلقات التعليم في المساجد.

الثانية: المدارس والكليات التي تشرف عليها الحكومة.

الثالثة: المدارس الدينية الأهلية المنتشرة في البلاد، والتي تخضع لإشراف الأهالي أو الجمعيات والمؤسسات الخيرية.

وبالرغم من انتشار الإسلام بصورة كبيرة- بين السكان- إلا أن المسلمين مازالت تواجههم بعض العقبات، منها على سبيل المثال عدم وجود مطابع خاصة بهم، حيث إن كل المطابع مملوكة للنصارى الذين لا يقومون بطبع الكتب التي لا تتماشى مع أهدافهم، كما أن أوضاع المسلمين في

الريف السنغالي سيئة للغاية، الأمر الذي يحتاج إلى تقديم الدعم لهم من قبل العالم العربي والإسلامي.

ويلاحظ انتشار الطرق الصوفية بصورة كبيرة ومن أبرزها: التيجانية والمريدية والقادرية، وتنتشر الطرق بين الجماعات العرقية في البلاد، والتي تعد كل منها جماعة مستقلة عن الأخرى، لها ثقافتها وانماط معيشتها الخاصة، ومن أهمها:

1- جماعة أولوف، وهي التي ينتمي إليها الرئيس ضيوف، وهي أكبر وأهم جماعة وتعمل بالزراعة والتجارة، ويشغل أنصارها ۸۰٪ من الوظائف العليا في الجهاز الإداري والسياسي للدولة، ودخلت الإسلام منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وتنتمي إلى التيجانية والمريدية،وبينها عدد قليل متمسك بالقادرية.

2- جماعة السرير، وتتمركز في الساحل الغربي والوسط، وتعمل بالزراعة، ودخلت في الإسلام حديثًا، وينتسب مسلمو السرير إلى الطريقتين التيجانية والمريدية.

3- جماعة بوو تكلور «رعاة البقر» وتميل بشرتهم للبياض، ويتكلمون لغة بولارا وأسلموا قبل وصول المرابطين إلى البلاد، ويتبعون الطريقة التيجانية.

4- جماعة جولا، نسبة المسلمين فيها ٧٠٪ وتعمل بالزراعة، وتنتمي الجماعة إلى الطريقة القادرية، وبدأت التيجانية تشق طريقها نحوهم.

5- جماعة وجاخانكي، ويشكلون ٧% من مجموع السكان ويعملون بالزراعة والتجارة، ويتبعون الطريقة القادرية، ولهم ماض في الإسلام، حيث إنهم أسسوا مملكة غانا التاريخية في القرون الوسطي.

ولقد أدى انتشار الطرق الصوفية بهذه الصورة الكبيرة إلى ظهور بعض البدع والخرافات، الأمر الذي استتبع ظهور بعض الجماعات الأخرى التي تدعو إلى تنقية الدين من الشوائب، علاوة على بروز بعض الجماعات الإسلامية داخل صفوف النخبة المثقفة، خاصة الطلبة، ومن أبرز هذه الجماعات جماعة حركة الفلاح التي تأسست عام ١٩٤١ م بالعاصمة داكار، وحاربت البدع والخرافات، والحركة ١٨ مركزًا، ٥٣ مدرسة بها أكثر من ١٢ ألف طالب، وهناك جماعة عباد الرحمن التي عملت على نشر مفهوم شمولية الإسلام، فقامت بتنظيم مخيم إسلامي سنوي للشباب، وإلقاء المحاضرات الأسبوعية في الأحياء الشعبية، والدروس المسائية للكبار، وإقامة مدارس إسلامية تدرس باللغتين العربية والفرنسية، وقامت بإصدار صحيفة المسلم باللغة الفرنسية بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع اقتصادية واستثمارية.

وهناك أيضًا جمعية الطلبة المسلمين التي في جامعة داكار في الثمانينيات وكان لها نشاط ملحوظ بين طلاب الجامعة.

ومن أبرز الحركات الإسلامية حركة المسترشدين والمسترشدات الإسلامية التي يرأسها الشيخ أحمد تیجان سي، وهي الحركة التي أوقفت الحكومة أنشطتها في فبراير عام ١٩٩٦م ثم رفعت الحظر عنها بعد أشهر وسمح لها بعقد لقاء ديني أسبوعي يتحمل نفقاته الحزب الحاكم، وقد فسر المراقبون آنذاك هذه الخطوة، بأن الهدف منها ضمان حصول النظام على أصوات الحركة في الانتخابات.

وبالرغم مما سبق، فإن هناك بعض الملاحظات حول الحركات الإسلامية في السنغال.

1- أن هذه الحركات لا تزال تفتقر إلى التنظيم الجيد، علاوة على مجابهتها مشكلة التمويل.

2- غياب التنسيق- إلى حد كبير- بين هذه القوى، صحيح أنها منتشرة على المستوى الشعبي، إلا أنها ليس لها تأثير كبير على المستوى السياسي.

3- انتشار الطرق الصوفية- بصورة كبيرة- أسهم في إضعاف دور هذه الجماعات، فضلًا عن سياسة القبضة الحديدية التي يتبعها النظام ضدها.

الرابط المختصر :