العنوان السنغال.. استقالة سنغور بين ظروفها السياسية والدينية
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1981
مشاهدات 106
نشر في العدد 511
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 13-يناير-1981
سنغور خليفة فرنسا في حكم السنغال بواسطة الفرنسيين السود
سقط سنغور وسط ظروف المعارضة الدينية والسياسية المتشعبة.
تنامي الاتجاه الإسلامي ومواجهة الحكم على أنه حكم صليبي يحكم أكثرية إسلامية.
تغيير سنغور هو تعديل الواجهة الحاكمة لتحقيق حدة المعارضة المتنامية.
طيلة قرن ونصف رزحت السنغال تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الذي ترك البلاد بعد أن امتص خيراتها في تلك الفترة ليحكمها فيما بعد عملاؤه الذين يسميهم الصحافيون «الفرنسيون السود».
• فعندما خرج الفرنسيون من السنغال عام (١٩٦٠) رتبوا الأوضاع السياسية بحيث تكون الغلبة الحكومية في السنغال للنصارى الذين لا يزيد عددهم على ٥٪ فقط من نسبة السكان. وقد عين الفرنسيون «ليوبون سنغور» رئيسًا للجمهورية وهو نصراني.
• استمر سنغور في تنفيذ السياسة الفرنسية المرسومة له. فكانت حكومته في الفترة الأخيرة تضم (١٦) وزيرًا. تسعة منهم من المسلمين. يشغلون الوزارات الثانوية التي لا دخل لها في تسيير الأمور السياسية في الداخل والخارج السنغالي.
• يستمد «سنغور» منذ خروج الفرنسيين وحتى يوم استقالته قوته من الجمعيات والهيئات التبشيرية المنتشرة على أوسع الأشكال في أنحاء السنغال، وهذه الجمعيات تملك امتيازات غريبة في نشر العقيدة النصرانية في صفوف المسلمين. ولها نشاطات ممتدة في جميع أنحاء السنغال.
هذه هي الطبيعة التي كان يعتمد عليها «سنغور» طيلة فترات حكمه التي امتدت أعوامًا طويلة.
الصراع بعد خروج الفرنسيين:
بعد خروج الفرنسيين بدأ الوعي الوطني يأخذ دوره لدى بعض طبقات الشعب السنغالي التي شكلت بعض أحزاب للمعارضة.
إلا أن أشكال المعارضة بعد خروج الفرنسيين في السنغال لم ترقَ إلى حالة تتمكن فيها من الإطاحة «بسنغور». غير أنه لا بد من الإشارة إلى الصراع الذي نشب عام (١٩٦٢).
فقد حاول السيد «محمد ضيا» - وهو رئيس وزراء السنغال آنذاك يدين بالإسلام- حاول أن يتمرد على سلطة الرئيس سنغور النصراني.
إلا أن اعتماد سنغور على مؤسسات التبشير التي تشكل نوعًا من الاستعمار السياسي داخل السنغال... وضعف معارضة رئيس الوزراء المسلم جعل الصراع يميل لمصلحة «سنغور» الصليبي ومؤسساته الفرنسية النصرانية؛ لتنام المعارضة الحيوية بعد ذلك سنوات وسنوات.
الصراع مع المسلمين:
صحيح أن الفرنسيين فشلوا في تنصير المسلمين في السنغال... لكن هل وقف العمل التبشيري بعد خروجهم؟ قلنا إن سنغور يعتمد على خلفية صليبية في حكمه.. فقد تركت فرنسا جيلًا من الصليبيين يتحكمون في تقاليد البلاد، فوضعوا دستورًا علمانيًّا حاربوا فيه الإسلام بعد فشل الطريقة النصرانية المباشرة، وفُرضت اللغة الفرنسية على جميع الهيئات الداخلية لغة رسمية، وجُعل الاحتفال بالأعياد النصرانية مواسم رسمية. كما جعلت إجازة الشعب المسلم محصورة في يوم الأحد.. إلى جانب هذه المظاهر النصرانية دخل النصارى في صراع مع المسلمين لاستمالة الأقلية الوثنية إلى أن حدثت صراعات كثيرة لهذا السبب؛ مما جعل أحد المبشرين وهو الأب «كوبك» يقول عن تجربة ومعاناة: «إن كل الجماعات الإفريقية قابلة لاعتناق الإسلام.. ليس فقط الجماعات الوثنية، بل حتى الجماعات المسيحية».
الظروف التي استقال فيها سنغور
على غير الشكل الذي أرادت حكومة السنغال تصويره.. تنحى الرئيس السنغالي «ليو بولد سنغور» عن رئاسة الحكم في بلاده، تاركًا زمام الأمر لخليفته «عبده ديوف».
• فقد حاولت الإدارة السنغالية تصوير الاستقالة بأسبابها وطبيعتها، بالشكل الذي يوحي لشعوب العالم بأن الرئيس المستقيل تنحى عن كرسيه لأسباب شخصية تعود إلى اتفاق بحث بينه وبين زوجته.
• كذلك فقد روجت الصحف الأوروبية ولا سيما الصحف الفرنسية أن استقالة الرئيس السنغالي «سنغور» ومجيء خلفه لم تكن نتيجة لأوضاع سياسية معينة، وإنما هي رغبة شخصية لدى «سنغور» نفسه.
لندع الآن الصحف الأوروبية والترويج الإعلامي «السنغالي»... ولنذهب إلى قلب العاصمة السنغالية «داكار»؛ لنقف من خلال تلك الجولة على حقيقة الأوضاع التي ذهبت «بسنغور» في استقالة نحسبها غير طبيعية.
• تعيش العاصمة «داكار» والمدن السنغالية الأخرى في حالة مراجعة للحسابات السياسية وذلك طيلة شهور عديدة سبقت استقالة الرئيس «سنغور»، وتنصب الحسابات السياسية على أمور عدة لعل أبرزها:
١- المعارضة السياسية بأحزابها المختلفة واتجاهاتها المتنوعة ووصولها في الشهور الأخيرة إلى حالة قريبة من الائتلاف السياسي في مواجهة الطبقة الحاكمة.
٢ - تنامي الشعور الديني وتأثيره في الاتجاهات السياسية لدى طبقات كثيرة من أبناء الشعب السنغالي المسلم، الذي يجد نفسه إزاء طبقة حاكمة لا إسلامية وعلى رأسها النصراني الصليبي «سنغور».
٣ - تمكن بعض رجالات المعارضة من شمول بعض الضباط الكبار الموجودين في الجيش السنغالي في اتجاهاتهم وأحزابهم التي تقف في مواجهة «سنغور».
٤ - التدهور الاقتصادي الناجم عن سياسة حكومة «سنغور»؛ بحيث وصل الأمر بالطبقات المثقفة في السنغال إلى مواجهة سنغور بالأمر الواقع، حيث تم وضع البيانات التي طالبت سنغور بتقديم بيان عن الحالة الاقتصادية الخطيرة. على أن الوضع الاقتصادي المتدهور في السنغال وضع سنغور وسياسته في زاوية حرجة أمام الشعب، في الوقت الذي يجيد فيه رجال المعارضة استثمار هذا الجانب في مواجهة سنغور في الشارع السياسي، حيث بلغت ديون الدولة بليوني دولار، وهنا يحسن أن نعدد أبرز الأحزاب والاتجاهات الأساسية في الساحة السنغالية.
• أبرز الأحزاب والاتجاهات السياسية
١ - الحزب الحاكم... وهو الحزب الاشتراكي ويسيطر عليه النصارى. وهم أقلية لا تزيد على ٥٪ من سكان السنغال، الذين يصل نسبة المسلمين فيهم إلى ٩٥٪ من نسبة السكان. ومن أبرز رجالات هذا الحزب «أمادو سيس» رئيس الجمعية الوطنية «البرلمان».
٢- الحزب الديمقراطي السنغالي.. وهو من أحزاب المعارضة في السنغال. ويرأسه السيد عبد الله واد، وهو حزب يحمل اتجاهات قومية علمانية.
٣- حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه «شيخ أنتاديوب»، وهو يعتبر من قوى المعارضة، وهذا الحزب يعيش مع كوادره الشعبية في حالة من السرية السياسية لعدم حصوله على ترخيص بإعلان نفسه.
٤- التجمعات القبلية.. وهي بيئة لتصارع الاتجاهات السياسية، وقد كان سنغور المستقيل قد استجلب بعض زعمائهم إليه في بعض الفترات الماضية، إلا أن الزمن الذي طرح على بساط الصراع السياسي في السنغال قضية «صليبية» سنغور جعل كثيرًا من رجال القبائل يقفون على خط المعارضة لتقوى بعض جماعاتها في أجنحة الأحزاب المختلفة.
الاتجاه الإسلامي الحركي
ويعتبر هذا الاتجاه جديدًا على الساحة السياسية في السنغال، ذلك أن البعث الإسلامي الذي شمل المنطقة الإسلامية كلها في السنوات الخمس الأخيرة امتد إلى السنغال ليحصل على مكاسب في الشارع السياسي جليلة... ويرأس هذا الاتجاه الشيخ «أحمد خليفة نياس» الذي شكل اتجاهًا سياسيًّا إسلاميًّا، يعتمد فيه على جمع الشباب الإسلامي المتحمس لدينه في مواجهة الصليبية والعلمانية. وينادي هذا الاتجاه بإسقاط الحكم العلماني سواء أكان سنغور على رأسه أم «عبده ديوف». وقد لاحظ بعض المراقبين أن الشيخ «أحمد خليفة نياس» جذب أنظار الشعب المسلم في السنغال؛ بحيث بدأ الكثيرون ينظرون إليه على أنه المعارض السياسي الأول للحكم السنغوري، وهنا يحسن بنا أن نعطي لمحة عن الدعوة الإسلامية في السنغال.
• الدعوة الإسلامية في السنغال
على الرغم من أن الاتجاه الصوفي هو السائد بين صفوف معظم المسلمين في السنغال فإن الدعوة الإسلامية تشق طريقها في بيئة دعوية خصبة لا تكفي معارضة شعبية من قبل طبقات المسلمين واتجاهاتهم، ولهذه الدعوة مظاهر وعوامل تساعد على انتشارها.
ففي السنغال تنتشر الجمعيات الإسلامية، وينضوي بعضها تحت لواء اتحاد الجمعيات الإسلامية الذي أسس قبل حوالي 20 عامًا.
وكان يُنتظر منه أن يلعب دورًا فعالًا في بث الوعي الإسلامي في غرب أفريقيا... وقد تمكنت الحكومة السنغالية من احتوائه، إلا أن الشباب المسلم تمكن من وضع نفسه ضمن استقلالية سياسية خاصة.
ويعتبر التمويل عقبة كبيرة أمام النشاط الإسلامي الذي يعمل لمواجهة النشاط التبشيري الذي تمده الدول الغربية بما يلزمه من أجل حركة التنصير. ومع ذلك فإن الدعوة الإسلامية التي تأخذ أشكالًا عدة في السنغال هي الحائل الأول في وجه التنصير حتى الآن.
• لماذا استقال سنغور؟
لقد أتينا بوصف كامل للأوضاع السياسية والإسلامية في السنغال.. كما بينا الظروف السياسية التي قدر سنغور أن يستقيل في وسطها. والتي بمجملها أن سنغور:
١- يقوم على رأس حكومة تتحكم في أكثرية إسلامية معارضة بينما يدين بالنصرانية ويعمل لأجلها.
٢- كان يعيش في ظرف اقتصادي متدهور، ولهذا منعكس سياسي أساسي في أي تغيير.
٣- ظهور شخصية إسلامية تقود المسلمين في مواجهة الصليبية والعلمانية، وهي شخصية الشيخ «أحمد خليفة نياس». وهنا لا بأس من اقتطاع ما ذكرته مجلة جان أفريك في عددها الصادر يوم ۱۹۸۰/ ۱۲/ ۱۷. تقول المجلة: أحمد خليفة نياس يعتبر نفسه وراء ذهاب الرئيس السنغالي سنغور عن السلطة لأنه يخاف من وقوع انقلاب إسلامي ضده... ثم تضيف المجلة: من الواضح أن أحمد خليفة نياس المعروف بآية الله «كالاوك» يقيم كلاجئ منذ فبراير الماضي «خارج السنغال»، وقد لعب دورًا محدودًا في قطع العلاقات بين السنغال «وغيرها» من دول أفريقيا.
ولعل هذا النص يمدنا بما يلي:
١ - الاتجاه الإسلامي الحركي المعارض يعتبر نفسه وراء استقالة الرئيس سنغور الأخيرة.
٢ - يمتد نشاط الاتجاه الإسلامي سياسيًّا من داخل السنغال إلى خارجها بحيث وصل إلى بلدان أفريقية مجاورة.
٣ - وصل الاتجاه الإسلامي إلى قوة سياسية معينة أدت إلى تعطيل العلاقات بين حكومة «سنغور» وبعض البلدان الأفريقية.
٤ - وهو العنصر الأهم... أن استقالة سنغور وهو نصراني إنما هي عملية تطمين للمسلمين الذين يتزايد وقوفهم مع المعارضة الإسلامية المواجهة لنصرانية سنغور؛ لذا فإن الخليفة المعين لسنغور وهو «عبده ديوف» الذي يدين بالإسلام جاء ليكمل سياسة سنغور ومشواره.
وأمام هذه العناصر لا بد بعد أن اطلعنا على الظروف السياسية والدينية التي استقال سنغور في وسطها أن نقف على حقيقة الأسباب التي جعلت سنغور يستبدل «عبده ديوف» به. ونحن نعتقد أن تنامي الاتجاه الإسلامي الحركي بدأ يتنامى في السنغال... ولعل المؤسسات الصليبية المرتبطة بفرنسا في السنغال تعرف تمامًا أن المعارضة الإسلامية تستقطب المسلمين من رجال المدن ورجال القبائل إلى صفها مستغلة وجود نصراني على رأس الحكم؛ لذا فإن المراقبين الإسلاميين يميلون إلى الاعتقاد بأن المؤسسات الصليبية هي التي رسمت استقالة «سنغور» لتضع بدلًا منه رجلًا يدين شكلًا بالإسلام.
ويعتقد المراقبون الغربيون أن «عبده ديوف» الذي احتل مكان «سنغور» مؤهل لأن يقود السنغال حسب سياسة خارجية قريبة من السياسة الفرنسية.
نعم... إن ظهور جمعيات الشبيبة للدفاع عن الإسلام في السنغال- وهي جمعيات حديثة تحمل رؤية سياسية- هي من أهم العوامل التي حملت المؤسسات الصليبية للتفكير بتغيير سنغور منذ البدء.
ودعوة «أحمد خليفة نياس» التي تدعو إلى شمولية الإسلام والدعوة لقيام الدولة الإسلامية ولو بالعنف - وله مؤيدون بالداخل والخارج وبخاصة من الشباب - هو الذي عجل أيضًا بقرار سنغور السياسي، الذي نعتقد أنه قرار متخذ من الهيئات الصليبية المتحكمة بالسنغال ومن ورائها فرنسا.
وهنا يطرح سؤال نفسه:
إذا استمرت سياسة الحكومة السنغالية بعد استقالة سنغور على سياسته الصليبية.. فهل سيكون الصراع القادم في السنغال بين الإسلام والنصرانية على شكل الجهاد الإسلامي لإسقاط المؤسسات الصليبية وطردها من السنغال؟
هذا ما يجيب عنه المستقبل القريب. وكلنا أمل بأن تقف الحركة الإسلامية في السنغال على توجيهات العقيدة الإسلامية من خلال الكتاب والسنة... مع بناء الشخصية الإسلامية المستقلة التي يمكن لها أن تنفتح على العالم أجمع ولا سيما على الحركات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.