العنوان السنة النبوية.. المصدر الثاني للثقافة الإسلامية
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012
مشاهدات 1
نشر في العدد 2028
نشر في الصفحة 51
الجمعة 30-نوفمبر-2012
السنة النبوية.. المصدر
الثاني للثقافة الإسلامية
السنة المطهرة المصدر
الثاني للتشريع وقد جاءت مفسرة وموضحة ومؤكدة ومفصلة ومخصصة لآيات القرآن الكريم،
وهي رافد أساس من روافد تشكيل وعي المسلم وثقافته ورسم سلوكه وتحديد نهجه.
السنة في اللغة تعني السيرة حسنة كانت أو قبيحة،
ويقال: سُنن الطريق، وسننه نهجه، وقيل: إن السنة في الأصل سنة الطريق، وهو طريق
سنه أوائل الناس فصار مسلكًا لمن بعدهم، قال تعالي: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)﴾ (فاطر: 43).
أي إنما ينتظرون العذاب
الذي نزل بالكفار الأولين، فقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة فيهم،
فهو يعذب بمثله من أستحقه، لا يقدر أحد أن يبدل ذلك، وفي الحديث الذي رواه مسلم
وغيره عن جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من
سن في الإسلام سنة حسنةً، فله أجرُها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من
أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده،
من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، وبهذا يتبين ضعف قول الخطابي: إن السنة في اللغة
للطريقة المحمودة خاصة.
وإذا ما أطلق لفظ السنة
في الشرع، فإنما يراد به ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونهى عنه وندب إليه
قولًا وفعلًا، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث.
ويختلف معنى السنة في إصطلاح العلماء حسب إختلاف
إختصاصاتهم وأغراضهم فهي عند الأصوليين غيرها عند المحدثين والفقهاء، ويظهر مدلول
معناها من خلال أبحاثهم.
فالسنة في إصطلاح المحدثين كل ما أثر عن الرسول
صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلُقية، أو سيرة،
سواء أكان ذلك قبل البعثة كَتَحنثه في غار حراء أم بعدها، والسنة بهذا مرادفة
للحديث النبوي.
وهي في إصطلاح علماء أصول الفقه كل ما صدر عن
النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح
دليلًا لحكم شرعي، وهي في إصطلاح الفقهاء كل ما ثبت عن النبي، ولم يكن من باب
الفرض ولا الواجب، وتطلق السنة كذلك على ما يقابل البدعة ومن هنا إستعمل الإصطلاح المشهور:
(أهل السنة).
يروي أحمد وغيره بسند
صحيح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوصيكم
بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى إختلافًا
كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها
بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة«.
وفي القرآن الكريم وردت
آيات كثيرة تنص على وجوب طاعة الرسول.. منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)﴾ (النساء: 59)، فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا
بأن طاعة الرسول تجب إستقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت
طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله
معه.
ولم يأمر بطاعة أولي
الأمر إستقلالًا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانًا بأنهم إنما
يطاعون تبعًا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف
ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا سمع له ولا طاعة.
وقوله سبحانه: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ
الْمُبِينُ (92)﴾ (المائدة: 92)، وقوله جل شأنه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ
تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)﴾ (النساء: 80)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى
نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا (10)﴾ (الفتح: 10)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا
مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء: 65)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ
وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾ (النور: 52).
ومن هذه الآيات - وهي
قليل من كثير - يتبين وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها طاعة لله، وأن
طاعته هي الإذعان له في حياته والعمل بسنته والإقتداء بهديه حتى بعد وفاته.
وممتنًا على نبيه محمد:
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾ (النساء: 113)، وهنا قال الشافعي ذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر
الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول اللهصلي الله
عليه وسلم، وقال قتادة: «الحكمة: السنة وبيان التشريع«.
ومن ثم يتبين أن الحكمة
شيء خاص متميز كان يتعلم كما يتعلم القرآن وعلى ذلك تكون الآية دليلًا على
حُجَيَّة السنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل