; السلطة الفلسطينية..و "وعد بوش" | مجلة المجتمع

العنوان السلطة الفلسطينية..و "وعد بوش"

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2001

مشاهدات 78

نشر في العدد 1476

نشر في الصفحة 44

السبت 10-نوفمبر-2001

  • قصة العرب والمسلمين مع الوعود الغربية من أغرب القصص في التاريخ الحديث

غطت الحملة الأمريكية البريطانية على أفغانستان وقبلها تفجيرات سبتمبر على الأحداث الخطيرة في فلسطين، وممارسات الاحتلال الصهيوني الوحشية ومسلسل الاغتيالات، إذ تراجع الاهتمام الدولي السياسي والإعلامي بما يجري داخل فلسطين والانتفاضة.

ولكن القضية الفلسطينية عادت مرة أخرى من الباب الواسع، بسبب الأزمة الجديدة التي دخلها العالم بعد التفجيرات، لتثبت للجميع أنها جوهر الصراعات الدولية وقلب الأزمات في القرن الماضي ومستهل هذا القرن إلى أجل غير معلوم، وأنها أداة للحل والعقد في العلاقات المتحركة بين العالم الإسلامي والغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا.

ففي غمرة التحرك الأمريكي لتشكيل تحالف دولي لمحاربة ما تسميه الإدارة الأمريكية بالإرهاب، وفي إطار الحاجة إلى تأييد عربي وإسلامي يبرر توجيه ضربات عسكرية إلى افغانستان، ويمنح لها التغطية الإسلامية اللازمة، برزت الورقة الفلسطينية كمعزوفة في الغزل الأمريكي العربي وأعلن الرئيس الأمريكي ما يمكن أن يسمى به وعد بوش للسلطة الوطنية الفلسطينية. 

الخطوط العريضة والرئيسة في الوعد الأمريكي الجديد - الذي رحب به العرب والفلسطينيون بشكل فاق التصور دون أن يتساءل أحد أين ذهبت خمسون عامًا من التحيز الغربي - تتحدد في العناصر التالية.

- إن إقامة دولة فلسطينية هي جزء من التصور الأمريكي لأزمة الشرق الأوسط، ما دام أن حق الكيان الصهيوني في الوجود محترمًا .

-إن القدس سيتم وضعها ضمن إعلان خاص على أساس اعتبارها عاصمتين لدولتين . - دعوة الطرفين إلى وقف العنف وتطبيق خطة ميتشل التي تشكل أساس الحل المقترح.

- اعتبار قراري الأمم المتحدة ٢٤٢ و ٢٣٨ أساس التسوية الجديدة .

سارعت القيادة الفلسطينية إلى الترحيب بينما رحبت الحكومة الصهيونية بتلك التصريحات بطريقتها الخاصة من خلال تصعيد عدوانها العسكري على الفلسطينيين وغزو الأراضي الخاضعة لحكم السلطة.

 وبدوره التحق رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بالتصريحات الأمريكية، ووجه دعوة لياسر عرفات لزيارة لندن، وصرح بأن هناك حاجة إلى وجود دولة فلسطينية قابلة للاستمراره بما في ذلك القدس، وليس جديدًا أن يطلق رئيس أمريكي تصريحات مثل هذه، لكن الجديد هو ألا تستيقظ القيادة الفلسطينية لتكشف ما وراء مثل هذه التصريحات وتعي الدروس السابقة بعد حرب الخليج الثانية التي لم تجن من ورائها سوى الجولات الماراثونية والوعود والسراب ففي عام ۱۹۹۰م بعد غزو العراق للكويت ظهرت الحاجة إلى حشد المواقف العربية، وكان الطعم هو الإعلان عن قيام نظام عالمي جديد يرتكز على معالجة أزمة الشرق الأوسط التي تعتبر قلب الأزمات في العالم.

وطرح بوش فكرة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعد طرد العراق من الكويت، وجاء مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر ۱۹۹۱م ليدخل الفلسطينيون نفقًا لم يخرجوا منه.

 وربما كانت قصة العرب والمسلمين مع الوعود الغربية في القرن العشرين من أسوأ وأغرب القصص في التاريخ الحديث، لأن العرب دخلوا القرن العشرين بوعد بريطاني بالاستقلال عن الامبراطورية العثمانية مقابل وقوفهم مع بريطانيا ضد دولة الخلافة، فجنت لندن النفط والمكاسب الاقتصادية والاستراتيجية وجنى العرب الخيبة والنكد.

 ثم جاء وعد بلفور بعد ذلك بعام واحد (۱۹۱۷م) ليعطي اليهود حق تأسيس كيان قومي لهم في فلسطين. 

ومنذ ۱۹۹۰م تسير السلطة الفلسطينية خلف الوعود بنوع من الاستغفال وهي الوعود التي تتبدل بتبدل الحكومات الأمريكية والصهيونية، دون أن تتبدل ثقة القيادة الفلسطينية فيها !

 لقد أرادت أمريكا أن تضمن تأييد العالم العربي لحربها ضد طالبان، لأنه ليس من العدل أن يضرب بلد إسلامي في وقت يعاني فيه بلد إسلامي أخر من ظلم طويل، فكان لابد من كسب العرب إلى جانبها وإعلان تصريحات لها قوة الفعل السيكولوجي بالدرجة الأولى، ونيل تعاطف الأنظمة العربية مع الأهداف الأمريكية في أفغانستان، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

 فالرئيس الأمريكي لم يعط ضمانات، ولم يحدد جدولاً زمنياً، بل إن تصريحاته من الغموض بشكل يدعو إلى التخوف على مصير القضية الفلسطينية والوحدة الوطنية بين فصائل المقاومة والسلطة لا إلى التفاؤل .

إن أول عناصر هذا الحل المقترح هو الانطلاق من مشروع ميتشل الذي يتركز على التعاون الأمني، وملاحقة من يصفهم الكيان الصهيوني بالمتطرفين واعتقالهم وتسليمهم للصهاينه، وقد تم وضع القدس ضمن إطار حل غريب يقضي بتقسيمها بين اليهود والفلسطينيين، وهذا يفيد أن مطلب الفلسطينيين والعرب والمسلمين بكون القدس الموحدة عاصمة لفلسطين لم يعد وارداً، ويعني اعترافًا أمريكيًا يكون القدس الغربية عاصمة للكيان الصهيوني ونية واشنطن في نقل سفارتها إليها، أما الدولة الفلسطينية فقد علقها بوش بالمفاوضات، فهي نتيجة لها وليست مبدأ ثابتًا قبلها .

 إن المرحلة الحالية بالنسبة للولايات المتحدة هي مرحلة انتقالية، تتوقف على الانتهاء من حملتها على افغانستان، وفي هذه المرحلة الانتقالية، يحاول الكيان العبري تحقيق أقصى المكاسب، واستغلال الصمت العالمي لقتل الفلسطينيين، بينما المطلوب من القيادة الفلسطينية إثبات حسن النية لتكون في مستوى الوعد الأمريكي وذلك بملاحقة المقاومة في انتظار انتهاء واشنطن من مهمتها في أفغانستان للتفرغ للمهمة الأخرى دعم الكيان الصهيوني حتى النهاية، وجرجرة السلطة الفلسطينية وسحبها على أرض الوعود من جديد في مسلسل مفاوضات آخر .

الرابط المختصر :