; (فلسطين المحتلة)السلطة الفلسطينية.. وعقدة الممثل والبديل | مجلة المجتمع

العنوان (فلسطين المحتلة)السلطة الفلسطينية.. وعقدة الممثل والبديل

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998

مشاهدات 88

نشر في العدد 1303

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 09-يونيو-1998

المتتبع لتصريحات وتصرفات بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية والإعلامية للسلطة الفلسطينية لا يجد صعوبة في إدراك أنهم يعانون من حالة نفسية مرضية حادة لعلها نجمت عن المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد أن طارت أوراق التوت التي كانت تستر عورة مشروع التسوية، وانقشع السراب الذي توهم البعض بسببه- لبعض الوقت- أن طريق التحرير يمر من خلال واشنطن ولندن، تلك العواصم التي صنع فيها الكيان الإسرائيلي ومنها يتلقى من الدعم ما يبقيه على قيد الحياة ولعل بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية- التي تستمد شرعيتها من اتفاق صاغه المحتل الإسرائيلي- بدأوا يدركون ما آلت إليه صورهم في أعين الآخرين فأصيبوا بالاكتئاب، وانطلقوا جاهدين لا في سبيل تحسين صورهم بل لتشويه صور المجاهدين الثابتين على العهد الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يفت في عضدهم أو يرعبهم أن يقال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.

لقد كشفت مؤامرة اغتيال الشهيد محيي الدين الشريف وما تبعها من مسرحية هابطة أنتجتها المخابرات الإسرائيلية وأخرجها بعض أجهزة السلطة، عن سيطرة مشاعر الغل والحقد على بعض المتنفذين في السلطة حتى لجأوا إلى محو آثار جريمتهم باتهام من زهدوا في الدنيا ووهبوا أنفسهم لبارئها جهادًا في سبيله، وزاد من درجة الغل والحقد في نفوس هؤلاء أن تضبط حركة حماس أفرادها، وتحملهم على تفويت فرصة على العدو الأول- إسرائيل- ما زال يترقبها منذ أمد ألا وهي أن ينشغل الفلسطينيون عنه بأنفسهم ويحولوا حاراتهم وشوارعهم إلى ساحات معارك لا تبقي ولا تذر، فضبط النفس والدفع بالتي هي أحسن زاد صورة حماس ورجالها نصاعة، وزاد صورة بعض رجال السلطة قبحًا على قبح بعد أن زجوا بالمئات من شباب حماس وقادتها في السجون، حيث يتعرضون للتعذيب والامتهان لا لشيء سوى إصرارهم على أن إسرائيل هي المدبرة لاغتيال الشريف، وأنها هي التي تتحمل تبعات ذلك.

وتهتز صورة السلطة وتمتهن كرامتها؛ إذ يهرول مسؤولها إلى لندن تلبية لنداء أولبرايت ولعقد لقاءات عقيمة لا يخرجون منها سوى بالتأكيد على أنهم يسلمون الأمور لأمريكا «التي تملك كل المفاتيح» أملين أن تشفق عليهم إدارتها بنظرة عطف وبقليل من الضغط على الإسرائيليين حتى يتنازلوا لهم عن بعض فتات مما سلبوه بمساعدة أمريكا، من أهل فلسطين بل من العرب والمسلمين، وفي تلك الأثناء، وبينما تظلم الدنيا حيث يجري اللهاث وراء سراب أمريكا، تسطع الأنوار في كل مكان يحل به الشيخ المجاهد أحمد ياسين، وتتجدد الآمال بتحقق وعد الله بالنصر لعباده المؤمنين مما زاد بعض رجال السلطة غيظًا وحقدًا، لم يقوَ هؤلاء على أن يعترضوا أو ينتقدوا جولة الشيخ ياسين، فحساباتهم النفعية لا تسمح بذلك، ولكن ما إن أعلن مسلمو جنوب إفريقيا عن دعوتهم للشيخ أحمد ياسين، وعن إعدادهم برنامجًا مكثفًا كان سيتضمن لقاء مع الرئيس نيلسون مانديلا- وذلك في تفاهم غير معلن مع بعض مسؤولي الدولة هناك- حتى تحركت آليات الضغط عن بعد وعن قرب، فالسلطة الفلسطينية والمؤتمر الوطني- وبالتالي الحكومة الحالية لجنوب إفريقيا- رفاق نضال، ورئيس السلطة له أصدقاء على أعلى المستويات ما زال بعضهم لا يدرك ما طرأ على رفاق الدرب القدامى من تحول وتغير. تدخل رئيس السلطة شخصيًا واتصل من مقر إقامته بلندن بصديقه نائب رئيس جنوب إفريقيا حاثًا إياه على عدم الزيارة بحجة أنها ستعطل عملية السلام، وتصادفت الاتصالات المحمومة مع وجود وزير للسلطة في جنوب إفريقيا لحضور مؤتمر دولي حول الاتصالات، فتحرك هذا بدوره- يعاونه بل يوجهه سفير السلطة في جنوب إفريقيا- ليحول دون تحقق الزيارة في موعدها بحجة أن عرفات سيزور جنوب إفريقيا في شهر أغسطس من هذا العام، وبأنه من غير اللائق أن يزور الشيخ أحمد ياسين البلاد قبله، نجحت جهود السلطة في تعطيل الزيارة أو تأجيلها، ولكن فات مسؤوليها أن تصرفهم اللا محسوب ستكون تكلفته باهظة، فقد اعتبر مسلمو جنوب إفريقيا تعطيل زيارة الشيخ ياسين إهانة لهم، وانتشرت في أوساطهم أنباء التدخل الخارجي فنقموا على أصحابه، بل هددوا بأن زيارة رئيس السلطة في أغسطس لن تجري ما لم تتعهد حكومة جنوب إفريقيا بتوجيه دعوة رسمية للشيخ ياسين لزيارة البلاد. 

ثم جاءت زيارة الشيخ أحمد ياسين للكويت والتي- في نظري- تعتبر من أهم الزيارات لأنها تفتح الباب لمصالحة بين الشعبين الكويتي والفلسطيني بعد سبعة أعوام من الجفاء، أكل الغيظ قلوب البعض فأخذوا ينفثون الحقد ويرددون عبارات الكراهية والغل، ولمز البعض ولام الشيخ ياسين على زيارته للكويت قبل أن تصافح حكومتها يد الممثل الشرعي، بل زاد غيظهم أن يشترط الشيخ ياسين مقابل تلبية دعوة تلقاها لزيارة العراق أن يوافق النظام العراقي على فتح ملف الأسرى الكويتيين وكأنما قضية هؤلاء الأسرى- في اعتبار البعض- لا تستحق الإثارة ولا البحث. لقد فاقمت جولة الشيخ ياسين في دول الخليج من الحالة المرضية لدى بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية، وكأنما نجاحات الشيخ تذكرهم بإخفاقاتهم، وقد تبدى ذلك في الفترة الأخيرة من تكرار الحديث عن الممثل الشرعي والوحيد، وعن السلطة التي لا تعلوها سلطة. فرغم أن حركة حماس لم تعلن نفسها بديلًا لمنظمة التحرير، ولا ندًا للسلطة الفلسطينية وليس هذا من استراتيجيتها ولا برنامجها، إلا أن بعض مسؤولي السلطة ما زال يقض مضاجعهم- منذ الثامن من ديسمبر ۱۹۸۷م يوم تفجر الانتفاضة وانطلاق حماس- هاجس البديل، وبخاصة بعد أن انكشفت سوءاتهم أمام الشعب الفلسطيني وأمام الشعوب العربية والإسلامية، وتحولوا من مناضلين إلى جلادين ومن مقاومين للاحتلال إلى وكلاء وممثلين له. ولذلك رغم تجنب حركة حماس لكافة أشكال التصعيد، يلجأ رئيس السلطة الفلسطينية- وبعض رجالاته- إلى التهديد والوعيد مذكرين بألا سلطة تعلو على سلطتهم، في خطاب يذكر بخطاب فرعون مصر الذي طغى، ثم قال: ﴿أَنا رَبُّكُمُ الأعلى (النازعات: ٢٤) وتزداد حدة هذا الخطاب كلما تجدد الفشل، وكأنه مرآة يرى فيها مسؤولو السلطة ما آلت إليه صورهم من قبح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

121

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

134

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

94

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)