; السلطان عبد الحميد أسباب الحملة عليه وآراء الأدباء المعاصرين له بشخصه وأعماله | مجلة المجتمع

العنوان السلطان عبد الحميد أسباب الحملة عليه وآراء الأدباء المعاصرين له بشخصه وأعماله

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974

مشاهدات 79

نشر في العدد 211

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 30-يوليو-1974

لم يلق أي من سلاطين آل عثمان ما لقيه عبد الحميد من حملات شرسة وتهجم قاس على مدار ثلاثة أرباع القرن تقريبًا. فما السبب في هذا الهجوم وهذا التحامل؟ لكي نعرف السبب لا بد لنا أن نعرف أولئك الذين تولوا كبر هذه الحملات وهذا الهجوم. الذين تولوا ونظموا الحملات ضد السلطان عبد الحميد، سلطان المسلمين، ثلاث فئات: • الأولى: الدول الأوروبية المسيحية، وهذه الدول كانت تخطط مجتمعة ومنفردة لاقتسام أملاك الدولة العثمانية التي بدت أنها في اللحظات الأخيرة من حياتها، ولكن هذه الدول فوجئت بتولي سلطان قوي الشخصية واسع المدارك مخلص للدولة، جند نفسه وما يملك في سبيل إعادة مجدها وعظمتها، فأعاد للمسلمين ثقتهم بدولة الخلافة، فالتفوا مرة أخرى حول هذا الأمل الذي لمع في حالك الظلمات، فكان للشعار الذي أطلقه «يا مسلمي العالم اتحدوا» وما أتبعه من عمل جاد مخلص في هذا السبيل اثره علـى المسلمين ووحدتهم، وكان للأعمال التي قام بها الخليفة ما يدل على جديته فيما ذهب إليه، مما زاد الناس التفافًا حوله، ومما زاد مركزه قوة ومتانة. إن هذه المفاجأة أذهلت الدول المسيحية وخاصة إنجلترا التي كانت قد استولت على مصر، فأسفرت عن وجهها وجندت كل إمكاناتها ضد هذا الخطر المفاجئ، وليس هناك من تعبير أدق من ألفاظ جلادستون زعيم حزب الأحرار الحاكم آنذاك في بريطانيا في وصفه للسلطان عبد الحميد «بالشيطان» و «عدو المسيح» في خطبه، من تصوير مدى الحقد والغضب اللذين سيطرا على الدول النصرانية آنذاك. ولقد أدرك المسلمون في ذلك الوقت أن العداء القائم بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية إنما هو حرب صليبية جديدة، أو هو بالتعبير الأدق امتداد للحروب الصليبية التي لن تنتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها، يدلنا على هذا أقوال الأدباء المعاصرين للسلطان عبد الحميد، نورد منها مثالًا واحدًا من قصيدة للشاعر «أحمد الكاشف»، ونحيل الراغب في المزيد على دواوين الشعراء المعاصرين لهذه الفترة: يقول الكاشف مخاطبًا مسيحيي أوروبا: صليبية يا قوم أم عنصرية              حروبكم؟ والدين هذا أم الشرك؟ أقر بأضغان النفوس ملوككم              ومن كان في شك فقد ذهب الشك! • أما الفئة الثانية فهم اليهود، وقد ظهر اليهود ذلك الوقت بمظهر الوحدة الشاملة تحت قيادة الحركة الصهيونية، وقد فوجئوا بالسلطان عبد الحميد يقف كالطود أمام تحقيق مشاريعهم في فلسطين، فاستعرت في نفوسهم أحقاد السنين لتنصب فوق رأس هذا السلطان الذي لم يغره ذهبهم على فقره وحاجته، فكان من تدبيرهم ما يعرفه الناس أجمعون. وأما الفئة الثالثة، فهم المأجورون للفئتين السابقتين، وكانوا في البداية ينحصرون في النصارى من رعايا الدولة العثمانية، ومنهم أرباب الصحافة في مصر في ذلك الوقت، ومن منا لا يذكر المقطم والأهرام والهلال والمقتطف. كما كان من هؤلاء المأجورين اليهود الذين أسلموا لمآربهم، وكان معظمهم من مؤسسي حزب أتاتورك، أما في البلاد العربية فأبرزهم من دعى بفيلسوف القومية العربية ساطع الحصري، ومن عجب أن يفلسف القومية العربية رجل لا يجيد النطق بها، ونود أن نلفت في هذا المجال إلى أن الدراسات عن شخصية الحصري وكثير من أمثاله ممن تبوأ سدة التوجيه الثقافي في البلاد العربية في هذه الفترة التي نتحدث عنها وما بعدها إلى يومنا هذا ستطلعنا على حقائق مذهلة إذا أخلص الدارسون ولم يقعوا تحت طائلة الضغوط المريبة ثم نجم من بعد ذلك من تلامذة هؤلاء وهؤلاء من أبناء المسلمين من أطلق القول دون تحقيق، ومن نقل أقوال أساتذته تعصبًا وجهلًا دون أن يكلف نفسه عناء البحث والدرس ودون أن يولي الأمانة العلمية حقها، ذلك لأنه لم يتعلمها من أساتذته الذين لا يعرفونها. هؤلاء هم الذين قادوا الحملة على السلطان عبد الحميد، ومن خلال الحملة عليه حملوا على الإسلام وأهله المتمسكين بعراه، ودوافع هؤلاء قد بيناها وأوضحناها، فهل آن لنا أن نفي هذا السلطان حقه وأن ندفع عنه كيد الكائدين. حديثنا هذا يدفعنا إلى سؤال جوهري، ترى إذا كان هذا هو موقف أعداء المسلمين من عبد الحميد فماذا كان موقف الكتاب والشعراء الذين عاصروه؟ إن أصدق حكم يمكن أن نأخذه على السلطان ينطلق من أفواه هؤلاء الأدباء، وهم نخبة الأمة المفكرة والذين أجمع الناس في كل عصر على وطنيتهم الصادقة، نذكر منهم: مصطفى كامل زعيم مصر المعروف، وأحمد شوقي أمير الشعراء المنفي من قبل الإنجليز إلى الأندلس، وحافظ إبراهيم المبعد من الجيش لوطنيته، وأحمد محرم الشاعر المسلم صاحب الإلياذة الإسلامية، ومحمد عبد المطلب وأحمد الكاشف وعلي الغاياتي المشهود بإخلاصهم جميعًا. وجميع هؤلاء وغيرهم من أدباء العصر، أشادوا بالسلطان عبد الحميد وبالأعمال التي يقوم بها ويسعى لتحقيقها، علما بأن جميع هؤلاء من أبناء مصر العزيزة التي كانت هذه الفترة التي نتحدث عنها تحت السيطرة البريطانية، والإنجليز هم ألد أعداء السلطان عبد الحميد والدولة العثمانية. لقد أدرك كتاب وشعراء هذه الفترة سبب عداء الأول الصليبية للسلطان عبد الحميد، وهو عزمه على جمع شمل المسلمين وتقوية الدولة العثمانية حتى تعود كما كانت حاكمة مهيمنة. يقول مصطفى كامل في كتابه «المسألة الشرقية»: «والذي يبغض الإنجليز على الخصوص في جلالة السلطان عبد الحميد هو ميله الشديد إلى جمع كلمة المسلمين حول راية الخلافة الإسلامية». ويقول في مكان آخر من نفس الكتاب «إن أعظم سلطان جلس على أريكة ملك آل عثمان ووجه عنايته لأبطال مساعي الدخلاء وتطهير الدولة من وجودهم هو جلالة السلطان عبد الحميد». ويشير أحمد محرم إلى هذا المعنى بقوله: عبد الحميد أتاح في أيامه      للملك ما ذهبت به الأيام لولا حزامته وشدة بأسه       ومضاؤه لتضعضع الإسلام ويمدح الشعراء عبد الحميد ويشيدون بحكمة الذي يسعى لعزة الإسلام وأهله. يقول أحمد الكاشف: يا ناصر الإسلام أن زماننا          بك صار في عز وفي استكبار ويقول أحمد نسيم: أقمت عرشك بین الحق والسدد            فزاده الله تثبيتًا إلى الأبد فكيف نفزع في الدنيا لطارئة         وأنت تحمي ذمار الفازع الخضد وقد أعدت إلى الإسلام نضرته        حتى زهى بك واستذري إلى سند ويقول محمد عبد المطلب: يا عيد حي وأنت خير نهار           عبد الحميد بدولة الأحـرار ملك أقام على الخلافة فهم          حرمًا وقاهًا صولة الأشرار من بعد ما كاد الزمان يحيلها          بالجور دار مذلة وبوار وعندما تلفت هؤلاء إلى وطنهم مصر وجدوها قد وقعت بيد الإنجليز، فلم يجدوا أحق من عبد الحميد بنصرهم وتأييدهم لأنهم يعلمون أنه يسعى لذلك. يقول أحمد شوقي : نستميح الإمام نصرًا لمصر          مثلما ينصر الحسام الحسام فلمصر وأنت بالحب أدرى         بك، يا حامي الحمى، استعصام وإلى السيد الخليفة نشكـو        جور دهر أحراره ظلام ويقول أحمد الكاشف: يا آل مصر وفي الحوادث عبرة          فتصفحوها اليوم معتبرينا فدعوا القضية للخليفة علكم         بعد الوداد إليهم ناجونا ويقول علي الغاياتي: أمير المؤمنين مضت قلوب         إليك يحثها الحب المكين تؤمل أن تراك لها معينا          وأنت لها على الدهر المعين رأتك أمامها الأمل المرجي         وفيك لدائها البرء المبين. ولو درسنا دواوين هؤلاء الشعراء لوجدنا أنهم كانوا يمنحون التأييد المطلق للدولة العثمانية وسلطانها عبد الحميد منطلقين في هذا التأييد من مشاعرهم الإسلامية الصادقة ومن إدراكهم الواعي أن عزتهم واستقلالهم ومجدهم منوط ببقاء هذه الدولة وسلطانها المخلص، وهم في كل مناسبة يشيدون بها، وفي كل حرب يستنصرون بها ويشيدون بانتصاراتها ويأسفون لانتكاساتها، فهم يشعرون أنهم منها ومصابها مصابهم. ولقد عبر مصطفى كامل عن هذا الإدراك عندما سأله أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني عن جنسيته بقوله: «أنا مصري عثماني»، فهو بالرغم من سيطرة الإنجليز على مصر لا يزال يعتبر مصر جزءًا من الدولة العثمانية ولا يزال يعتبر نفسه من رعايا الدولة العثمانية. وبعد، إن شدة الحملة علـي السلطان عبد الحميد من أعداء الأمة الإسلامية تدعونا إلى الاطمئنان أن السلطان عبد الحميد كان الرجل الذي وقف في وجه أعداء الإسلام محاولًا إحباط مخططاتهم لالتهام بلاد الإسلام، وعلى امتداد ثلاثين عامًا من حكمه استطاع أن يثبت أنه جدير بأن يعيد للإسلام مجده وللمسلمين عزتهم لولا الظروف التي أحاطت بالدولة العثمانية آنذاك﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)                                                                            أحمد لطفي عبد اللطيف
الرابط المختصر :