العنوان السلام المستحيل مع عدو إرهابي
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1787
نشر في الصفحة 24
السبت 02-فبراير-2008
يتساءل المصريون والعرب ومعهم الفلسطينيون: وماذا بعد؟
لقد قامت النسوة الفلسطينيات بما لم يقدر عليه الزعماء العرب مجتمعين، فقد فجرت مظاهرتهن أمام معبر رفح النخوة في أبناء الشعب الفلسطيني الذي أحجم عن تنفيذ تهديده باقتحام السور الذي يفصل بين بلدين عربيين والشارع الذي يقسم رفح بين مصر وفلسطين، ففجروا أجزاء عديدة من السور وانطلقت حشود من مئات الآلاف ليتنفسوا حياة جديدة ببعض الحرية عبر الحواجز التي أراد لها العدو وحلفاؤه أن تكون أسوار سجن حديدي.
إن رمزية تفجير السور بالمتفجرات ثم بالجرافات تعبر عن مكنون الشعب العربي المسلم، الشعب الواحد الذي يريد إزالة كل الحواجز بين الدول العربية التي صنعتها واصطنعتها اتفاقيات «سایکس بیكو» فرقت العرب إلى دول حقيقتها قبائل، ومزقت العرب، فتوز هوا إلى أغنياء لا يعرفون كيف يبددون أموالهم، وفقراء لا يجدون القوت اليومي.
لقد فشلت كل محاولات الوحدة بين الدول العربية من المشرق إلى المغرب وتعاني الدول التي توحدت مشكلات لا حصر لها، وحتى الدول الوطنية التي صنعتها الاتفاقات الاستعمارية فقد باتت مهددة بالتقسيم والتمزيق ولم تصمد إلا دولة الإمارات العربية لأسباب في صالح رعاة التقسيم كما لم يصمد قليلًا إلا الاتحاد الخليجي للأسباب نفسها. لكن لهذا حديث آخر.
اليوم يطل علينا السؤال الصعب: ماذا بعد كل محاولات التسوية والاستسلام لمطالب العدو الصهيوني والراعي الأمريكي لذلك العدو الإرهابي؟!
لقد وضح لكل ذي عينين أن هذا العدو الإرهابي لا يمكن أن يسمح بإقامة دولة فلسطينية، ولا يقبل إلا بإدارة محلية كالحكم الذاتي مهمتها الرئيسة تحقيق أمن العدو الصهيوني، والتخفيف من مسؤوليته كدولة احتلال عن المطالب المعيشية للفلسطينيين، وهذه الإدارة الفلسطينية. كما حدث خلال سنوات أوسلو- ستكون خاضعة وتابعة له تمامًا، وسيسعى إلى إفسادها بكل طرق الإفساد وعزلها عن شعبها الفلسطيني.
هذا العدو الإرهابي العنصري لا يمكن أن يسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلدهم، أو حتى منحهم الحق في العودة، وإن فضلوا البقاء في أماكنهم، ويسعى بكل الطرق إلى تمزيق الشعب الفلسطيني وزرع الشقاق بين فئاته المختلفة، فبعد أن فصل فلسطينيي الداخل في أرض ١٩٤٨م عن هؤلاء في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م، يسعى الآن إلى تكريس الانفصال التام بين اللاجئين في الشتات في لبنان والأردن وسورية واللاجئين في غزة والضفة الغربية، ونجح في استمالة مجموعة «رام الله» اليوم والملتفين حول «محمود عباس» إلى هذا الموقف، فتنازل بعضهم علانية عن حق العودة، ويمهد الرئيس عباس إلى إعلان ذلك الموقف قريبًا من أجل تصديرهم إقامة دولة فلسطينية منزوعة السيادة على بعض الضفة الغربية يديرها «رجال أعمال» وليس قيادات وطنية تناضل وتجاهد من أجل تحقيق المطالب الوطنية وتحافظ على الثوابت الفلسطينية، بل يسعى هذا العدو الإرهابي إلى طرد فلسطينيي ١٩٤٨م وتوطين اللاجئين في البلاد العربية، إما في مخيماتهم البائسة ليتحولوا إلى قنابل متفجرة في كل البلاد التي يعيشون فيها، أو ترحيلهم من جديد إلى بلد عربي يعيشون فيه، وكان المقترح سابقًا كوطن بديل هو «الأردن».. ثم فشل لأنه إلى الجوار المباشر مما يهدد الكيان الصهيوني، ثم كانت المؤامرة على العراق، ونجحت المقاومة العراقية الجسورة في إرهاق الاحتلال وإفشال مخططاته.
واليوم تهديد مصر «بسيناء» التي فشلت كل الحكومات المصرية في تنميتها ونقل كتل سكانية إليها لتعميرها، وها هو العدو الصهيوني يصدر مشكلاته إلى مصر التي توهم قادتها منذ اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة أنهم خرجوا من الصراع واستعادوا «سيناء» إلى حضن الوطن، فإذا بنا اليوم أمام مؤامرة واضحة المعالم تهدف إلى أن تكون سيناء هي الوطن البديل للفلسطينيين لتصبح مصدر تأمين يتوهمه العدو، ومصدر قلق لمصر.
لقد قدم العرب كل ما يمكن التنازل عنه لذلك العدو الخطير، كما صرح وزير الخارجية السعودي، وكان آخر ما قدموه المبادرة العربية، وقدم عرفات قبل قتله كل ما يمكن التنازل عنه فلسطينيا، فكان جزاؤه القتل مسمومًا، ولا يمكن للعرب ولا حتى لـ «عباس» وزمرته أن يتنازلوا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولا التفريط في الثوابت التي أجمع عليها الشعب الفلسطيني لأنه كما صرح عرفات قبل وفاته: «لأن أقتل بيد صهيونية أفضل من أن أقتل بيد فلسطينية»، ولكن المفارقة كانت أنه قتل باليدين المتحالفتين معًا ضد رمزيته كحاجز في وجه الأطماع الصهيونية التي اشترت بعض النفوس الضعيفة فلسطينيًا حتى انحازت إلى المشروع الصهيوني للاستسلام.
اليوم: المؤامرة ليست على فلسطين فقط، ولا على غزة فقط، ولا على حماس فقط، ولا على المقاومة نفسها فقط، بل هي أكبر من ذلك بكثير.
المؤامرة واضحة وهي على فتح نفسها، وعلى العرب جميعًا، على مصر نفسها. نحن أمام حصار التجويع الذي رفضته الشعوب العربية، وأعلن الرئيس المصري أن مصر لا يمكن أن تسمح بتجويع الفلسطينيين في غزة وكان ذلك أمام انهيار الحاجز الذي يفصل الفلسطينيين عن الشعوب التي تساندهم وتؤازرهم.
وها هي أمريكا تمنع إصدار مجرد بيان من مجلس الأمن يدين الحصار وتطالب في مقابل ذلك بإدانة المقاومة المشروعة ضد الاحتلال.
هذا يلخص المطلوب من العرب الاستسلام التام والرضا الكامل بالمؤامرة، بل والمشاركة في تنفيذها، ولا أعتقد أن هناك مسؤولًا عربيًا يقبل المخاطرة بحياته وأمته في مقابل الاستسلام للمطالب الصهيونية والأمريكية، ولا يمكن حتى للأجيال الجديدة من الزعامات المصنوعة أوروبيًا وأمريكيا وصهيونيا أن تستمر في الحياة السياسية، بل مجرد الحياة، إذا قبلت بذلك الخيار الانهزامي، ولن تقدر على تسويقه للشعوب العربية، وسنكون أمام خيارات الفوضى أو الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية إذا نجحت هذه القيادات الشابة في البقاء في مواقعها، وستكون الكوارث أشد على الأمة العربية، وستنهال أيضًا على الكيان الصهيوني والمصالح الغربية والأمريكية.
ليس هناك مشروع للسلام، بل هو إذلال واستسلام والبديل الوحيد أمامنا هو الصمود والصبر والثبات على نهج المقاومة المشروعة.. المقاومة التي يأمرنا بها ديننا وكل الأديان، ويشرعها لنا القانون والمواثيق والأعراف الدولية، والتي هي حق من حقوق الإنسان، بل هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق أجمعين.
وعلينا أن ندرك أنه بدلًا من الجري وراء أوهام السلام المستحيل مع ذلك العدو الإرهابي أن نحصن جبهتنا الداخلية ضد كل الاختراقات، وأن نقوي رجال فصائل المقاومة الذين يضحون بأنفسهم ودمائهم في سبيل الله من أجل الحرية والاستقلال والكرامة للأمة العربية جميعها.
وعلى المخدوعين بخيار التسوية أن يراجعوا أنفسهم قبل أن يجرفهم الطوفان أو أن ينكل بهم العدو الخائن الذي لم يرحم كل من تعاونوا معه على مدار التاريخ.