العنوان السفير المصري في سويسرا.. ومفهوم الإرهاب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 72
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-مارس-2000
هنأت الجالية الإسلامية في سويسرا السفير المصري بها بعيد الفطر الماضي وحيته أحسن تحية، ودعته مع غيره من سفراء الدول العربية والإسلامية والأوروبية ورجال الدولة إلى حفل عشاء في أحد فنادق العاصمة السويسرية.. لكن سفير أكبر دولة عربية لم يكتف فقط بعدم رد التحية بأحسن منها وبعدم حضور الاحتفال، بل دعا إلى عقد اجتماع طارئ للسفراء العرب ودعوتهم في وثيقة رسمية إلى مقاطعة جماعية لاحتفال الجالية الإسلامية.
ولما بلغ اتحاد المنظمات الإسلامية تصرف السفير المصري ودعوته لمقاطعة الاحتفال المقرونة بحملة من التشهير ضد المنظمة والقائمين عليها، كلف المهندس إبراهيم صلاح بإرسال احتجاج إلى السفير المصري بسبب تصرفه، وقد أخذ السفير المصري هذه الرسالة كوثيقة في يده ضد المهندس إبراهيم صلاح، حيث اجتمع مع المستشار القانوني للسفارة لبحث إمكان اتخاذ إجراءات قانونية ضد صلاح على اعتبار أن رسالة الاحتجاج المذكورة هي رسالة إرهابية تهدد أمن السفير وأمن مصر، واستخدام عبارة «رسالة إرهابية»، هو من إنجازات السفير المصري الذي أدخل هذا التعبير لأول مرة في قاموس المصطلحات القانونية، ولما أبلغه المستشار القانوني أنه لا يجد أي مأخذ في الرسالة، ولا يمكن اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد كاتبها، طلب السفير استشارة قانوني آخر خبير في مثل هذه المسائل، وقد أخبره هذا الأخير أنه بعد دراسة رسالة الاحتجاج المذكورة تبين له أنها رسالة شديدة اللهجة، ولكنه لا يستطيع عمل أي شيء ضد كاتبها، وأن مجرد إبراز هذا الخطاب أمام القضاء سوف يوقع السفير المصري في مشكلات كثيرة مع السلطات، ومنها قضايا القذف والتشهير التي يمكن أن تقام ضده من مسؤولي الجالية الإسلامية، كما أبلغه أيضًا أن القاضي السويسري لن ينظر في عبارة واحدة وردت في نهاية الخطاب تقول إننا نعتقد أنك من الذكاء والحكمة لتعرف أهمية هذا الأمر والضرورة الملحة ولمصلحتك الخاصة، حل هذه المشكلة والتي خلقتها بنفسك بأسرع ما يمكن، وإنما سوف ينظر إلى القضية كلها فضلًا عن أن الاحتجاج جاء ردًا على حملة التشهير التي قام بها السفير ضد رؤساء الجالية الإسلامية، وفي ذلك كل الضرر للسفير ولسمعة حكومته، ونصح الخبير القانوني السفير المصري بحل الموضوع بالحسنى والتفاهم والتصالح مع كاتب الرسالة دون تدخل القضاء الذي لن يحكم له بل عليه.
سعادة السفير لم يكن ليقبل بهذه النصيحة ولهذا فقد تفتق ذهنه عن عبقرية جديدة، وهي محاولة تطبيق قانون الإرهاب الذي وافق عليه وزراء الداخلية العرب أخيرًا في الجزائر، على هذه الرسالة وصاحبها، ولهذا فقد دعا إلى اجتماع للسفراء العرب، وخاطبهم من منطلق التضامن العربي لمحاربة الإرهاب من ناحية، والحفاظ على كرامة السفراء العرب من ناحية أخرى، وقدم لهم وثيقة مكتوبة مضمونها أن السفراء العرب قد درسوا رسالة الاحتجاج المرسلة للسفير المصري وأنهم يعتبرونها بالإجماع رسالة إرهابية تهدد أمن مصر وأمن السفير المصري، كما أنها تحط من قيمة وهيبة مصر والبلاد العربية وكرامتها، وأنهم يطالبون بالإجماع الحكومة السويسرية باتخاذ الخطوات القانونية لمعاقبة كاتب الرسالة بتهمة إساءته للعلاقات الطيبة بين سويسرا والعالم العربي... إلخ.
وقد اندهش السفراء العرب من تصرف السفير المصري -حتى هؤلاء الذين تخلفوا عن حضور احتفال الجالية ليس عن قناعة وإنما مجاملة له- ورفضوا التوقيع على المذكرة لما تخلقه من أوضاع سياسية وقانونية لها أبعادها الضارة على السفارات العربية وحكوماتها، بالإضافة إلى إفساد العلاقات على الجالية الإسلامية وتحطيم سمعة البلاد العربية أمام سويسرا.
ولهذا لم يجد السفير الذي خيب السفراء العرب أمله في التضامن معه، إلا أن يقدم مذكرة احتجاج ضد المهندس إبراهيم صلاح إلى الخارجية السويسرية -مصحوبة بنسخة من الرسالة التي أرسلت له من قبل رئيس الاتحاد- وهي وثيقة تفضحه وتضره هو نفسه، ولم تعر الخارجية السويسرية مذكرة احتجاجه أي اهتمام، وبهذا جعل السفير من نفسه وسفارته أضحوكة أمام الحكومة السويسرية والسلك الدبلوماسي العربي والأجنبي والجالية الإسلامية.
هذا تصرف سفير أكبر دولة عربية، فماذا كان تصرف سفراء الدول الأوروبية لقد حضر الاحتفال بعضهم، ومن تخلف منهم اعتذر لضيق الوقت، ومنهم السفير لوكس من سفارة ألمانيا الذي اتصل بالمهندس إبراهيم صلاح تليفونيًا، وقال إنه تألم لعدم تمكنه من الحضور، ولما كانت الجالية الإسلامية في ألمانيا كبيرة فهو يريد أن يعرف نشاط الجالية في سويسرا، وخاصة أن هناك من لا يزال يتخوف من الإسلام في الغرب ودعا المهندس إبراهيم صلاح لمناقشة الحضور الإسلامي في أوروبا، وكيفية تبرير مخاوف الغرب من المسلمين والتعاون بين الجاليات الإسلامية في ألمانيا وسويسرا، وهكذا يظهر التفاوت بين عقليات وتصرفات سفراء دول العالم.