العنوان السعدون ود. الخترش يحاوران المجتمع حول المديونيات
الكاتب ناصر المطيري
تاريخ النشر الأحد 08-ديسمبر-1991
مشاهدات 76
نشر في العدد 979
نشر في الصفحة 6
الأحد 08-ديسمبر-1991
· السعدون: كلفة البرنامج أكبر بما بين بليونين إلى 3.5 بليون دينار
من كلفة حرب تحرير الكويت.
· د. الخترش: الحرص الشديد من الهجمات المعنية في إخفاء الأرقام
والبيانات، وإحاطة المشكلة بستار السرية يثير نفوس الناس، ويبعث الريبة في مصداقية
الحل.
حرصًا من «المجتمع» على إطلاع القارئ العزيز على كافة جوانب النقاش
المثار حول موضوع حل مشكلة المديونيات المطروح بقوة هذه الأيام، وإسهامًا منها في
بلورة رأي عام مستنير تجاه هذه القضية الهامة، فإنها تنقل القارئ عبر هذه الصفحات
للالتقاء بعدة شخصيات اقتصادية وذات علاقة تخصصية بهذه الشؤون؛ لتسمع آراءهم
وطروحاتهم حول شكل ومضمون الحل المقترح لمشكلة المديونيات، والشخصيات التي سيلتقي
معها قراؤنا في هذا التحقيق هم الأستاذ جاسم السعدون - الخبير الاقتصادي -،
والدكتور سامي الخترش - دكتور الاقتصاد بجامعة الكويت -.
المجتمع: البرنامج المقترح من
البنك المركزي لمواجهة مديونيات البنوك والشركات الاستثمارية، قد يعني صرف مبالغ
من الاحتياطيات المالية للكويت تفوق تلك التي صرفت على عمليات تحرير الكويت
عسكريًّا، هل تعتقد أن البرنامج سينفذ في النهاية بكل هذه التكاليف أم أن عقبات
سياسية أو اقتصادية ستحول دون ذلك؟
- السعدون: الإجابة
على هذا السؤال تكون من خلال 3 زوايا:
- فالزاوية الأولى: هي تحديد تكاليف المشروع، والتي تقدر حسب ما
ذكر في ورقة البنك المركزي، وبالإضافة إلى ديون بيت التمويل الكويتي، وكذلك
المديونيات غير النقدية بحوالي 7-7.5 بليون دينار كويتي أي حوالي 24-25.5
بليون دولار أمريكي، أي أكبر بما بين بليونين إلى 3.5 بليون دولار من تكاليف
حرب الكويت، فوجه الإشكال هذا هو أن هذه الكلفة الخيالية للمشروع كانت نتيجة
لتوجه البنك المركزي عندما اعتبر وبصورة غير مؤهلة ولاعتبارات سياسية
واجتماعية بحتة أن جميع هذه الديون ديون معسرة، وهذا الأمر مخالف للواقع؛ إذ
إن بعض هذه الديون إن لم يكن نصفها هي قابلة للسداد، وأن بعضها هو بمثابة
وديعة، ولكن مما يزيد من حجم هذه المشكلة هو ما قام به البنك المركزي وبقرار
غير معقول عندما اعتبر أصحاب هذه الديون مدينين غير قادرين على السداد.
- ثانيًا:
- يتضح لنا حجم المشكلة أكثر
عندما تعرف أن الفئة المستفيدة من هذا المشروع تكاد لا تمثل شيئًا، قياسًا
على مجموع أفراد الشعب الكويتي؛ إذ إن هذه النسبة، وعلى سبيل المثال يمكن
استنتاجها من معلومات سابقة ذكرت في إجابة على سؤال وجهه عضو من أعضاء مجلس
الأمة في سنة 1986، تشير هذه المعلومات إلى أن هناك فقط 202 حساب بمبلغ
إجمالي مديونياتها حوالي 60% من إجمالي المديونية عندما كان عدد المدينين 49
ألف، أي قبل شطب الديون الاستهلاكية، فبالتالي يفترض الآن أن يكون رقم
المدينين صغير جدًّا قياسًا على مجموع الشعب الكويتي.
- ثالثا:
إن قضية الكلام في حجم المديونية، وبأن علاج المديونية سيؤدي إلى تنشيط دورة الاقتصاد الكويتي، أمر غير حقيقي، وذلك لسببين: - الأول: هو أن الاقتصاد الكويتي مرتبط بقطاع النفط
ومرتبط بدخل الاستثمارات، وكلما زاد دخل النفط أدى ذلك إلى نشاط عملية الطلب
على السلع، والطلب على الخدمات، لكن عندما ينشط أي قطاع آخر عن طريق إسقاط
ديونه، فإنه في معظم الأحوال سيؤدي ذلك إلى تسرب هذه الأموال إلى الخارج، ولن
يكون لها أي أثر تنشيطي في الداخل.
ثانيًا:
- فإنني
أجادل دون خطأ أن الحل، كما يقترحه البنك المركزي سيؤدي إلى تعطيل الدورة
الاقتصادية، وجعل النشاط الاقتصادي شبه راكد، وربما متناقضًا، وذلك بسبب ما
يحدث الآن من محاولة الاقتطاع من القدرة الحالية والقدرة المستقبلية لقدرة
الحكومة على الإنفاق، أي عجزها على التقيد بحجم من الإنفاق العام
يؤدي إلى تحريك الدورة الاقتصادية، فيكون لذلك أثره العكسي على النشاط
الاقتصادي.
- هذا
بالإضافة إلى ما سينشأ من ذلك من مشاكل سياسية واجتماعية عديدة تتمثل في
ظاهرة عدم الالتزام، واحترام القوانين، وكذلك الشعور بالغبن، كما أنه يؤدي
إلى المطالبة بالتعويضات من قبل كل الناس؛ لأنه عندما تدفع هذه الأموال إلى
قلة قليلة، فإنه يصبح من المستباح أن تقوم باستهلاك بقية المال العام كسداد
حاجات صغيرة هنا وهناك إلى أن تتحول القضية وبتعبير مختصر إلى «قضية اقتسام
دولة»، وأرجو ألا يحدث ذلك، كما أرجو أن نقبل بالتضحية من أجل البلد بعد كل
ما أصابها لا أن نقوم بمقام من حاول سرقتها، كما فعل صدام العراق.
- الخترش:
لا شك أن تصورات البنك المركزي بشأن حل مشكلة المديونيات الصعبة ستكلف الدولة
أعباء ضخمة، فوفقًا للبيانات المتوفرة لدى البنك المركزي فإن أرصدة مديونيات
العملاء لدى البنوك المحلية وشركات الاستثمار بلغت 6,6 بليون دولار، يضاف إلى
ذلك مديونيات الحافظة الائتمانية لبيت التمويل الكويتي مما يزيد من حجم
المبلغ اللازم؛ لتحقيق حل البنك المركزي المقترح، كما ستتحمل الدولة تكلفة
فوائد السندات الحكومية المقترحة في الحل؛ حيث يقدر أن تصل هذه الفوائد بليون
دولار سنويًّا، مما يعني عبئًا سنويًّا يضاف إلى ميزانية الدولة على مدى
السنوات القادمة، هذا إذا ما أضيف إلى باقي أعباء التحرير، وإعادة الإعمار
فإن الأرقام تهدد بدخول الكويت في سلسلة من عجوزات الميزانية
المتواصلة سندفع نحن وأجيالنا القادمة ثمنها. هذا العرض السريع لتحديد حجم المشكلة
وخطورتها، أما الحديث حول إمكانية إيقاف مثل هذا المشروع التاريخي، فابتداء
ينبغي الإشارة إلى أن حجم الأرقام المذكورة أعلاه ينبغي أن يكون باعثًا
اقتصاديًّا كافيًا لمحاولة تقليل حجم الأعباء، وإعادة النظر بالمشروع.
المجتمع: يوصف البرنامج المذكور
بعدم العدالة؛ إذ إنه حسبما يقال فإن الجزء الأكبر من البلايين الخمسة، التي ستصرف
على مديونيات البنوك هي لتغطية عجز بضعة فئات من الفعاليات التجارية والسياسية، هل
يتوقف اقتصاد الكويت وازدهارها على إنقاذ هذه الفعاليات؟
الأستاذ جاسم السعدون:
يمكن الحكم
بعدم عدالة هذا البرنامج من خلال عدة أوجه:
فأولًا: نقول إن هذا البرنامج غير عادل؛ لأنه يتنازل عن
حقوق عامة في المال العام لصالح جيل حالي وأجيال عديدة قادمة لمجموعة قليلة من
الأفراد، فإذا كانت التكلفة تقدر بـ 7-7.5 بليون دينار، وإن لم تكن آنية ولكن مجرد
احتساب ما يمكن أن يدفعه هؤلاء الناس بعد 20 سنة مثلًا، وبعد افتراض أن يكون معدل
الفائدة السائدة على هذا النوع من القروض هو 9%، فيعني أنهم دفعوا فقط 18% حالًا،
وأنه تم التسامح معهم في 82٪، ولا عيب في ذلك في حالة إذا كان المدين فعلًا معسرًا
وغير قادر على السداد، ولكن الواقع غير ذلك، فيكون من غير العدل أن تقوم البلد
بالسداد عنه لإنقاذ هذا الفرد مهما كان هذا الفرد.
ثانيًا: هو غير عادل إذا ما أخذنا بحجم المشكلة على مستوى
البشر، وذلك إذا ما أخذنا بالتحديد الذي ذكره وزير المالية، وهو أن عدد المدينين
يصل إلى 2309 أو بالتحديد، الذي أراه شخصيًّا وهو أن عدد الأشخاص المؤثرين هو دون
الألف بكثير، فيكون الحل وبناءً على هذه المعلومات غير عادل؛ لأنه يركز على مجموعة
قليلة من البشر في ظل ظروف خروج من كارثة نحن بحاجة فيها إلى كل فلس للتهيئة لبناء
المستقبل.
ثالثًا: هو غير عادل نتيجة لوجود صفة التعميم، وذلك عندما
اعتبر البرنامج جميع المدينين منتجين ومؤثرين إيجابيًّا بالاقتصاد، في حين الواقع
على عكس ذلك فمعظم هؤلاء المدينين مؤثرين سلبًا على الأداء الاقتصادي، ومن ثم ووفق
الأنظمة المعمول بها عالميًّا، فإنه يسمح بإفلاس هؤلاء الناس والمؤسسات غير
المنتجة. إذًا فخلاصة
القول هي أن هذا البرنامج غير عادل من عدة جوانب سواء من ناحية التكلفة أو من
ناحية الأثر على المال العام أو من ناحية عدد المدينين أو من ناحية الزمن الحالي
والمستقبلي أو من ناحية بقاء أو عدم بقاء البلد، فإنها قضية غير عادلة، وما لم تكن
عادلة فلا بد أن تكون نتائجها غير عادلة.
- الدكتور
سامي الخترش:
أما
فيما يتعلق بموضوع مدى توقف الاقتصاد الكويتي على إنقاذ هذه الفعاليات، فلا
شك أنه على الرغم من رفضنا للأسلوب المتبع في الحل إلا أن معالجة المشكلة
وتسوية وضع القطاع النقدي أظنها على درجة كبيرة من الأهمية، غير أن
ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى أن طبيعة الاقتصاد الكويتي وارتباطه الشديد
بالإنفاق الحكومي يجعل أهم مؤشرات النمو الاقتصادي تعكس بصورة مباشرة السياسة
المالية للحكومة؛ لذلك فإن اهتزاز المركز المالي لشريحة ضيقة لن يؤثر على الأداء
العام للاقتصاد على النحو الذي تحذر منه أجهزة الدولة ووسائل إعلامها، ثم ما
المقصود بتنشيط الاقتصاد؟ والمطلوب حقيقة بالحل المقترح، هل ستوجه هذه
المبالغ الضخمة إلى قنوات تعيد الدم في شريان البلد الاقتصادي، أم أنها توجه
إلى فئة ضئيلة، دورها محدود في عجلة الاقتصاد هذا إن لم يكن سلبيًّا، أسئلة
كثيرة ينقصها غياب المعلومات ويعززها رصيد الثقة تتناقض بسياسات الإنفاق
المتبعة.
المجتمع: إذا تمكنت اتجاهات معتدلة
في الدولة من إيقاف برنامج البنك المركزي وإنقاذ أموال الدولة من الاستنزاف، ما
البديل الذي تقترحونه لتصفية مشكلة المديونيات بشكل عادل وغير مكلف؟
الأستاذ جاسم السعدون: بداية أتمنى أن
ينتصر صوت العقل؛ إذ ليس من مصلحتنا سياسيًا أن نتشرذم، وليس من مصلحتنا أن
نتصادم بعنف، ولكن أيضًا ليس من مصلحتنا أن يعبث بعض قليل ويودي بقدر
البلد خاصة إذا كان هذا البعض القليل غير معني أساسًا بالبلد أو عدمه. أما بخصوص البديل كحل لهذه المعضلة، أعتقد بأنه
يصبح من السهل علينا الوصول إليه إذا ما التزمنا بـ 3 مبادئ عامة أساسية تتمثل
بالآتي:
أولًا: تأكيد سيادة القانون، وتطبيقه على الكبير والصغير
بدءًا بالأول، وإذا ما تم ذلك فسوف نضطر إلى محاكمة عدد كبير من المدينين، وقدرات
معظم الممتنعين عن السداد سوف تظهر في حينها.
ثانيًا: يفترض أن نوظف مثل تلك الجهود التي وظفناها
للبحث عن الأموال، التي سرقها صدام حسين وأعوانه؛ إذ لا بد من توظيف كل الجهود
الممكنة للبحث عن سبل التهرب من رفع ومحاولات إخفاء الأصول والعمل بشكل كبير في
هذا الاتجاه عن طريق الاستعانة بشركات والمؤسسات الدولية القائمة في متابعة الكثير
من المدينين، والذين يدعون بأنهم لا يملكون أموالًا في الخارج أو بأسماء
أخرى أو أسماء وهمية، فأعتقد بأنه ومن خلال تلك الجهود سوف تتداعى أمامها
حجج الكثير، ومن ثم إعلان مراكزهم المالية الحقيقية، لا بأس بعد ذلك من التيسير
عليهم في السداد، ولكن في النهاية يجب ألا يكون هناك أي تسامح إذا كانت لديهم
القدرة على السداد. ثالثًا: هو أن نضع المعايير العامة لمعرفة من
نساعد ومن لا نساعد، وتتمثل هذه المعايير بالآتي:
أولًا: لتخفيف كمية الجهود المبذولة يفترض أن يقسم ما
تبقى من المدينين إلى مدينين مؤثرين ماليًا في حجم المديونية، ومدينين غير مؤثرين،
فيعزل الصغار منهم، ويتم التعامل معهم بشكل أقل تعقيدًا، ويقومون بتسديد ما
عليهم، أما الكبار منهم والمؤثرين في حجم المديونية يفترض أن يتم عزلهم ضمن
فئات أخرى؛ حتى يتم التعامل معهم بشكل أكثر حيطة وحذرًا.
ثانيًا: يصنف المدينون بعد ذلك حسب مساهمتهم في النشاط
الاقتصادي المنتج، فالمدين المنتج لا بأس أن يعطى فترة سماح، وأن تخفض عليه
الفوائد، وأن تجدول عليه عملية التسديد وفق أقساط مريحة بشكل يتفق والإيراد
المتوقع لنشاطه.
أما المدين غير المشارك في النشاط الاقتصادي
أساسًا وغير منتج، فيفترض أن يتم التعامل معه في حكم القانون، فيسدد ما عليه ويذهب
إلى التفليسة؛ ليبدأ هو في تكوين نفسه من جديد مستفيدًا من هذه التجربة.
ويفترض ثالثًا
وأخيرًا أن يتم تقسيم المدينين حسب
قدرتهم على السداد، إذًا فأنا أعتقد أنه ومن خلال تلك المبادئ العامة من الممكن أن
نضمن حل احتمال نجاحه أكبر وفرصة تحقيقه أوفر.
- الدكتور
سامي الخترش:
قبل
الدخول في الحديث حول البدائل المقترحة، ينبغي الإشارة إلى رفضي المبدئي
للأسلوب الربوي، الذي تدار فيه مؤسساتنا النقدية، وأن أمثال هذه الأزمة ما هو
إلا جزء من ثمن محاربة الله ورسوله بانتهاج المسلك الربوي في إدارة الاقتصاد،
ثمنًا ندفعه نحن وأجيالنا من بعدنا، غير أن هذا الرفض المبدئي لا يمنع من
إبداء الرأي حيال الحل المقترح. إن المطالبة بتقديم بدائل تستلزم توافر
المعلومات والبيانات؛ لتحديد هذه البدائل، ففي ظل غياب المعلومات يصعب على أي
طرف كان تحديد معالم مقترح بديل، فمن أجل توسيع دائرة الخيارات والبدائل يفترض
ابتداء أن تكون هناك وفرة في المعلومات فضلًا عن سهولة الوصول إليها، ومن ثم
تعهد الدراسة إلى أجهزة فنية محايدة ليس لها مصلحة قريبة مرتبطة بالحل، يكون
هدفها معالجة المشكلة لتحقيق استقرار ومصلحة البلد لا الالتواء برسم حلول
تخدم فئة محدودة وشريحة ضيقة كما هو واضح من أسلوب المعالجة القائم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل