; السرطان.. وزراعة الخلايا «الأبوية» | مجلة المجتمع

العنوان السرطان.. وزراعة الخلايا «الأبوية»

الكاتب عبدالله أبو بكر باعثمان

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 0

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 40

السبت 06-ديسمبر-2003

السرطان.. وزراعة الخلايا «الأبوية»

صفحة جديدة من الإكتشافات الطبية تضيء ظلام الأمراض المستعصية.

من كارثة هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية بدأت فكرة زراعة النخاع العظمي ونقلها من المتبرع إلى المريض كفكرة بدائية بسيطة وتبين إمكان حماية الكائن الحي من مضاعفة  الإشعاع القاتل بنقل الخلايا الأبوية من المتبرع إلى المريض.

يدفع المريض ضريبة العلاج وضريبة الزراعة وتتمثل في مضاعفات تحدث بسبب العلاج الكيماوي والإشعاعي على حد سواء

الدراسات الطبية: المضاعفات الناجمة عن التبرع بالنخاع العظمي نادرة الحدوث بسبب آثار التخدير العام، ففي كل (400) حالة تبرع يتعرض متبرع واحد للخطر.

حتى الآن... يعيش أكثر من عشرين ألفًا من الذين أجريت لهم زراعة النخاع العظمي في المراكز الطبية العالمية؛ حياة صحية جيدة، وأضحى الأمل المنشود حقيقة لعلاج الأمراض السرطانية في الحالات المتقدمة، أو في بعض الأحيان عند المراحل الأولى بعد اكتشاف المرض.

د. عبد الله أبو بكر باعثمان

abdullaba@hotmaill.com

لقد شهد ربع القرن الأخير تطورًا ملحوظًا وسلسلة من النجاحات في زراعة الخلايا الأساسية المعروفة بـ Stem Cell، وهي الخلايا الأبوية التي حباها الله سبحانه وتعالى بقدرة عجيبة في التكاثر والتنوع، من هذه الخلايا تنشأ خلايا الدم البيضاء «الخلايا الدفاعية»، وخلايا الدم الحمراء الأساسية لنقل الأكسجين؛ حتى تستمر الحياة والصفائح الدموية لوقف النزيف. وكذلك الخلايا اللمفاوية والأساسية لاستقرار المناعة الجسمية ضد الدخلاء الأجانب، وبالتجارب المعملية وجد أن خلية Stem Cell واحدة قادرة على التكاثر لألف خلية أو ما يسمى Progenitor، إحصائيًا ما بين( ٤٠٠٠٠ إلى ٥٠٠٠٠) حالة زراعية سنويًا تتم في المراكز الطبية العالمية بمعدل نمو يصل إلى(٢٠٪ ) سنويًا؛ والأسباب في ذلك متعددة ومتنوعة، فأحد هذه الأسباب المهمة: هو نجاح هذا النوع من الزراعة في الشفاء من بعض الأمراض السرطانية، وغيرها من الأمراض الوراثية المزمنة والمستعصية على العلاج بالأدوية الأخرى، وتوافر مصادر الخلايا الأساسية من المتبرع، فبعد أن كان النخاع العظمي هو المصدر الرئيس للزراعة، صار استخلاص هذا النوع من الخلايا سهلًا دون التدخل الجراحي، ودون استخدام التخدير العام وذلك عن طريق دم المتبرع، بعد أن يتم فصل الخلايا الأبوية عن باقي الخلايا الأخرى ثم نقلها للمريض بعد معالجة هذه الخلايا من الشوائب والخلايا الأخرى. ثم لا ننسى المصدر المهم الآخر الذي تم استخدامه في الخمسة عشرعامًا الأخيرة، وهو استخدام الخلية الأبوية Stem Cell واستخلاصها من الحبل السري بعد الولادة، إذا تم التطابق النسيجي بين المتبرع والمريض، حيث قام الدكتور Gluckman وزملاؤه، بأول زراعة من هذا النوع في عام (١٩٨٨م) لطفل في الخامسة من عمره، أصيب بمرض نقص الدم الوراثي أو ما يعرف بـ Fanconi Anemia، ولايزال المريض يتمتع بصحة جيده دون الحاجة لنقل دم، ثم بعد هذا النجاح زادت شهية الأطباء في هذا التخصص لهذا النوع من الزراعة عن طريق الحبل السري Cord Blood، وصار لهذه الخلايا بنك خاص لحفظها من أجل استخدامها عند الضرورة، وحتى عام (۱۹۹۸م ) تمت زراعة ما يقارب (600) حالة مرضية عن طريق الحبل السري Cord Blood Transplantation  وكذلك من الأسباب التي كانت وراء زيادة حالات الزراعة، التطور المحلوظ في العناية بالمريض قبل وأثناء وبعد الزراعة، مما أثر بشكل كبير في نجاح العملية. وبسبب هذا التعدد المصدري لم يعد يطلق المصطلح المعروف «زراعة النخاع العظمي»، أو ما يعرف طبيًا Bone Morrow Transplantation بل أصبح متداولًا إطلاق اسم زراعة الخلايا الساقية أو الأبوية أو ما يعرف بـ   

poietic Stem Cell Transplantation Hemato

انطلاق الفكرة

بعد ضرب مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين بالقنبلة الهيدروجينية خلال الحرب العالمية الثانية، وما أعقب ذلك من موت عشرات الألوف من البشر نتيجة التأثير الإشعاعي القاتل، عرف أن سبب الوفاة هو فشل النخاع العظمي - نتيجة لحساسيته للتأثير الإشعاعي - في إنتاج الخلايا الحيوية الآنفة الذكر، وبالتالي فإن الإنسان المصاب سوف يتعرض للالتهابات الجرثومية الحادة بسبب نقص خلايا الدم البيضاء، ويكون عرضة للنزيف الدموي الحاد القاتل في بعض الأحيان بسبب نقص الصفائح الدموية أو قد تكون الوفاة بسبب فقر الدم الحاد وما يصاحب ذلك من الهبوط القلبي الحاد. بعد هذا الاستنتاج تبين لكل من الدكتور جاكبسون Jacobson والدكتور لورينز Lorenz أنه يمكن إنقاذ وحماية الفئران من تأثير الإشعاع على خلايا النخاع والحد من مضاعفاته بحماية الطحال (المعروف أيضًا بإنتاجه للخلايا الأساسية)، أوعن طريق نقل نخاع نقي إلى الفأر المصاب. ومن هنا بدأت فكرة زراعة النخاع العظمي ونقلها من المتبرع إلى المريض كفكرة بدائية بسيطة ووجد أنه يمكن حماية الكائن الحي من مضاعفة الإشعاع القاتل بنقل الخلايا الأبوية من المتبرع إلى المريض، وصار الإشعاع قبل الزراعة أحد أهم أركان العلاج لإعداد المريض وتهيئته ليستقبل الخلايا الجديدة. تاريخيًا: أول محاولة ناجحة لزراعة النخاع العظمي تمت في عام (١٩٦٨م) لثلاثة أطفال مصابين بمرض نقص المناعة الوراثي، جمعت الخلايا الأبوية المتطابقة نسيجيًا من عائلة المرضى، ونقلت إلى المرضى ومنذ ذاك العام حتى عام (١٩٩٤م) فإن أكثر من (600) حالة زراعية تمت لمرضى نقص المناعة الوراثي وقبل عام (١٩٦٨م) كانت هناك محاولات ولكنها باءت بالفشل بسبب رفض هذه الخلايا القادمة الجديدة؛ بسبب القصور في فهم فسيولوجية نقل الأعضاء والخلايا الدموية من المتبرع إلى المريض.

من المرضى الذين هم بحاجة لزراعة النخاع العظمي؟

يعتقد كثير من الناس أن زراعة النخاع العظمي هي فقط لمرضى السرطان بأنواعة والحقيقة أن أكثر من(50٪) من الزراعة تكون للمصابين بمرض السرطان الدموي المزمن والحاد،

والباقي موزع لأمراض أخرى مثل: أمراض سرطان الغدد اللمفاوية وسرطان الصدر، وبعض حالات سرطان الدماغ، وكذلك أمراض أخرى مثل أمراض نقص الدم الوراثي مثل الأنيميا المنجنقية «ثالسيميا» أو ما يعرف Thalasse mia»» وأمراض نقص المناعة الوراثي والأمراض الوراثية الأخرى؛ بسبب نقص الإنزيمات، وصارت الزراعة لأكثر من (14) مرضًا سرطانيًا، وأكثر من (14) مرضًا غير سرطاني وراثيًا. الجدير بالذكر أن الزراعة لا توصف فقط للحالات المرضية المتأخرة، بل هي الحل الوحيد لبعض الأمراض الوراثية مثل نقص المناعة الحاد، ونقص المواد الإنزيمية المهمة في عمليات الأيض Metabo lism ومرض فضل النخاع العظمي بغض النظر عن أسباب الفشل وخصوصًا عند بداية التشخيص.

هل يتعرض المتبرع بالنخاع أو بالدم لأي مضاعفات؟

بينت الدراسات الطبية أن المضاعفات الناجمة عن التبرع بالنخاع العظمي نادرة الحدوث بسبب أثار التخدير العام، ففي كل(400) حالة تبرع يتعرض متبرع واحد للخطر، أو قد يكون نقص الدم الحاد من المضاعفات التي عادة لا تستلزم التبرع بالدم أما التبرع بالخلايا الأساسية Stem Cell عن طريق الدم بعد فصلها من الخلايا الأخرى، فالأعراض الجانبية من استخدام حقن المتبرع بالدواء المساعد لزيادة أعداد وتكاثر الخلايا الأساسية، هي أهم المضاعفات البسيطة مثل الصداع وآلام المفاصل والعظام والتقيؤ، والتي يمكن السيطرة عليها، ولا شك أن التبرع بهذه الخلايا عن طريق الدم الرئيس بعد فصلها ومعالجتها دون الحاجة للتخدير العام، هو أكثر أمانًا وأقل تكلفة ولا يستدعي تنويم المتبرع فى المستشفى فضلًا عن قدرة هذه الخلايا على التأقلم والتكيف وسرعة الانتشار، والتنوع داخل جسم المريض المستقبل حتى بات هذا المصدر للزراعة مهمًا وأكثر استخدامًا.

زراعة خلايا النخاع وزراعة الأعضاء

رغم التشابه الاسمي والفكري وكونهما يشتركان في فكرة نقل عضو أو خلية من متبرع سليم صحيًا إلى مريض بأمس الحاجة إلى إنقاذ حياته، بعد توفيق الله تظل هناك فروق طبية وجراحية هائلة بين كلتا الزراعتين، وللتبسيط فالفروقات كالاتي:

 - إن زراعة الأعضاء كزراعة الكلى أو زراعة الكبد عملية جراحية صرفة تنفذ بأيدي جراحين متخصصين في زراعة الأعضاء؛ أما زراعة خلايا النخاع العظمي فإنها تؤدى بإشراف طبي متخصص في أمراض الدم والأورام. وزراعة الأعضاء تلزم للمريض أن يستمر في العلاج المهم لمنع رفض العضو المتبرع به مدى الحياة؛ بينما تتراوح مدة علاج منع الرفض ما بعد زراعة النخاع العظمي ما بين الشهر إلى تسعة أشهر ما لم تحدث مضاعفات الرفض والفشل.

- يمكث المريض بعد زراعة العضو في الغالب مدة أقل من المريض بعد زراعة النخاع العظمي أيضًا ما لم تحدث مضاعفات الزراعة.

- ويستقبل المريض زراعة العضو عضوًا كاملًا متبرعًا به ويستقبل مريض زراعة النخاع العظمي خلايا صغيرة - تشبه عملية نقل زراعة النخاع العظمي نقل الدم- ولا ترى إلا عن طريق المجهر وهي خلايا ذات قدرة على الانقسام والتكاثر والتجديد وهناك فروقات علمية دقيقة لا يسمح النظام التبسط فيها.

مصادر الخلايا  «الأبوية» أو «الساقية »

النخاع العظمي: وهو أول مصدر استخدم في الزراعة الموجود داخل أنسجة العظام المصنع الرئيس لإنتاج الخلايا الحيوية: خلايا الدم البيضاء بأنواعها خلايا الدم الحمراء الصفائح الدموية. ويستخرج النخاع العظمي من المتبرع السليم صحيًا أو قد يستخلص من المريض نفسه بعد التمهيد لذلك «بسحق» الخلايا السرطانية المتطفلة داخل النخاع العظمي كيماويًا، ومن ثم بقاء الخلايا الأساسية والحيوية؛ بمساعدة الدواء المعالج GCSF ثم معالجتها ونقلها للمريض. الدم الرئيس: المصدر الأكثر استخدامًا في الزراعة للمرضى الكبار، وتستخلص الخلايا من أم المتبرع عبر جهاز حيوي يفصل هذه الخلايا عن باقي الخلايا الأخرى، بعد حقن المتبرع بدواء يساعد على زيادة إنتاجها. الحبل السري: من المصادر الحديثة المهمة للزراعة وتستخدم بكثرة في الزراعة للمرضى الصغار وتحفظ الخلايا بعد فصلها من الخلايا الأخرى في بنوك خاصة حتى الاستخدام.

الإعداد قبل الزراعة

قبل نقل الخلايا المتبرع بها إلى المريض من أي مصدر كانت؛ يهيأ المريض طبيًا ونفسيًا واجتماعيًا ليستقبل القادم الجديد؛ ويجيبه الطبيب المختص والمسؤول عن الزراعة في عدة جلسات طبية عن الأسئلة المهمة لماذا؟ كيف؟ متی؟ أین؟ لماذا حددت الزراعة كعلاج لهذا المرض؟ كيف تتم الزراعة والشرح المبسط في كنه الزراعة وطريقة النقل؟ متى يتم تحديد الزراعة وفي أي مرحلة من المرض؟ أين تقم الزراعة؟ وما المضاعفات المتوقعة التي يمكن أن يتعرض لها المريض.

حتى يستقبل المريض خلايا المتبرع لابد من تهيئة «السكن» اللازم «للساكن الجديد» بسحق الخلايا السرطانية القابعة في النخاع العظمي، وبطبيعة الحال فالخلايا الأخرى سوف تتعرض لآثار العلاج الكيماوي والإشعاعي المكثف والمركز على مدى عدة أيام يتعرض فيها المريض لمضاعفات العلاج التي عادة ما يمكن السيطرة عليها. ثم بعد ذلك تنقل الخلايا الأساسية. Stem Cells إلى الدم عن طريق الوريد المركزي في عملية تشبه إلى حد كبير عملية نقل الدم العادي، حينما تصل هذه الخلايا إلى الدم الرئيس تتجه بقدرة عجيبة إلى مراكزها في النخاع العظمي وتستقر هناك وتنتج في غضون أيام إلى أسابيع، تنتج خلايا الدم البيضاء والحمراء والصفائح الدموية اللازمة لحياة الإنسان. وعادة ما يمكث المريض في المستشفى أسابيع ما لم تحدث مضاعفات الزراعة .

مضاعفات الزراعة

لابد أن يدفع المريض ضريبة العلاج وضريبة الزراعة التي تتمثل في مضاعفات تحدث بسبب العلاج الكيماوي والإشعاعي على حد سواء ومنها على سبيل الحصر: مضاعفات بسيطة ويمكن السيطرة ومنها التقيقء والصداع والغثيان والشعور بحالة الضعف العام وآلام للعظام. والمضاعفات الأخرى الناجمة من تأثير العلاج، تحدث بسبب نقص الخلايا البيضاء «الدفاعية»، ومنها تعرض المريض لالتهابات جرثومية خطيرة، وبسبب نقص الصفائح الدموية قد يتعرض لنزيف دموي حاد، ولذلك يزود المريض بالصفائح الدموية وبالدم حال نقصان هذه الخلايا. ولاشك أن من أهم مضاعفات الزراعة التي مازالت محط تحدي الأطباء، تلك التي تعرف طبيًا بـ CVHD وهي باختصار رفض خلايا الضيف لخلايا وأنسجة المضيف بسبب كونها غريبة –نسيجيًا- عن خلايا الضيف، وبالتالي فإنها تهجم على أنسجة الجلد والخلايا الغشائية للجهاز الهضمي، وعضو الكبد بالتحديد، وتترك آثارًا يتعرض لها المريض من الطفح الجلدي والإسهال المزمن وداء اليرقان مجتمعة أو كل على حدة، وهذه الأعراض معروفة لدى الأطباء المختصين جيدًا، ويصفون الأدوية لوقف هذا المد الجارف الخطر، وهذا الباب مازال مفتوحًا للبحث والاكتشاف للحيلولة دون حدوثه أو التقليل من أثاره ومنها أيضًا فشل النخاع العظمي البكر بسبب رفض خلايا «المضيف» لخلايا الضيف ليعود المريض كما كان قبل الزراعة، لذلك يحدد للمريض الزراعة مرة أخرى من نفس المتبرع أو من متبرع أخر موافقًا لأنسجة المستقبل.

مستقبل الزراعة

يعكف الأطباء والعلماء والباحثون في مجال الزراعة للاستفادة من زراعة الخلايا الأساسية كفكرة في نقل جينات خاصة عبر هذه الخلايا بمساعدة فيروسات معدلة هندسيًا تحمل الجين المسؤول والمفقود أصلًا في جسم الإنسان، وقد حدثت محاولات حثيثة في هذا المجال ليكون بصيص الأمل لمحاولات أخرى تساهم عمليًا فى شفاء الإنسان، وكذلك يجري حديثًا تفكير لتوسيع استخدام «الزراعة البسيطة» دون استخدام العلاج الكيماوي والإشعاعي المكثف والمركز لبعض الأمراض غير السرطانية كما هو صائر الآن في بعض المراكز، وهي متداولة طبيًا باسم Mini Transplant حتى إن هذا النوع من الزراعة يتم في عيادات خاصة في بعض الأحيان دون الحاجة لتنويم المريض.

خاتمة: لا ريب أن الزراعة أيًّا كان المصدر قد أضافت - بفضل الله- صفحة جديدة في مجال الطب وأضاءت ظلام الأمراض المستعصية التي أنهكت جسد المريض الذي لا حول له ولا قوة له إلا بالله وحده، ومازال الباب مفتوحًا على مصراعيه لإضافة الجديد في عالم الزراعة، والمطابع لا تفتأ تطبع الجديد من الكتب والمقالات في هذا المجال. وصدق الرسول ﷺ الذي قال: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء». رواه (البخاري:)

الرابط المختصر :