العنوان السجون الأمريكية توظف ما يفوق جنرال موتورز وفورد وول مارك مجتمعة!
الكاتب جيمس زغبي
تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1618
نشر في الصفحة 37
الجمعة 17-سبتمبر-2004
"بوابات الظلم".. وثيقة أمريكية في كتاب.. تثير الصدمة من انتهاكات لا يعرف عنها الأمريكي سوى القليل
عدد نزلائها 2.2 مليون وتنفق عليهم الدولة 57 مليار دولار سنويًا
الولايات المتحدة تشكل 5% من سكان العالم لكن لديها 25% من سجناء العالم!
جيسي جاكسون: نشعر دائمًا بالإغراء للتفكير في الصين كدولة قمعية على الرغم من أن عدد السجناء عندنا يزيد بـ 500 ألف شخص على عدد السجناء لديها
أنظمة السجون تغذي ثقافة العنف والوحشية والتطرف وغالبًا ما تنتج عصابات تقوم على أيديولوجيات عنصرية ومتطرفة
أكثر من 200 ألف امرأة يقبعن خلف القضبان «ثلثا العدد من الأمهات» ومعظمهن يقعن ضحايا لسجانات عنيفات أو حراس السجن
مئات الآلاف من السجناء يتعرضون للاغتصاب كل عام.. والنازيون الجدد يديرون حلقات المخدرات والقمار والدعارة من داخل السجون
هذه المقالة لا تتحدث عن فضيحة سجن أبو غريب أو حتى معاملة المعتقلين في سجن غوانتانامو، فقد حظيت كلتا الحالتين بتغطيات صحفية واسعة، فضلًا عن التحقيقات والإجراءات القضائية، إنها تدور حول الأزمة في نظام السجون الأمريكي، وهي الأزمة الكبيرة التي لم تلق ما يكفي من الاهتمام لإحداث التغيير المطلوب.
وقد تصدى لمعالجة هذه الأزمة المراسل المخضرم في وكالة رويترز آلن إليستر في كتاب جديد بعنوان «بوابات الظلم» الذي يرسم صورة تثير الصدمة لوضع لا يعرف عنه معظم الأمريكيين سوى القليل.
فالإحصاءات التي يوردها أليستر مدهشة، ومنها أن هناك 2.2 مليون شخص يقبعون في السجون الأمريكية حاليًا، وهي النسبة الأعلى للمساجين مقارنة بعدد السكان في العالم الصناعي، وعلى سبيل المثال، هناك 7.2 سجين مقابل كل 100 ألف مواطن، تأتي روسيا في المركز الثاني بـ 628 سجينًا بينما تصل إلى 138 سجينًا في بريطانيا و90 سجينًا في فرنسا.
ومما يثير القلق أكثر من ذلك حقيقة أن هذه النسبة العالية من السجناء مقابل عدد السكان بشكل استثنائي، تطورت على مدى العقود الثلاثة الماضية، ففي عام 1972م مثلًا، كانت النسبة 160 سجينًا فقط مقابل كل 100 ألف مواطن، ولتسليط الضوء على حجم المشكلة، يشير إليستر إلى أن الولايات المتحدة تشكل 5% فقط من سكان العالم، لكن لديها 25% من سجناء العالم، وينقل إليستر عن جيسي جاكسون قوله: «نشعر دائمًا بالإغراء للتفكير في الصين كدولة قمعية، على الرغم من أن عدد السجناء عندنا يزيد بـ 500 ألف شخص عنه في الصين، وعلى الرغم من حقيقة أن عدد سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز ربع عدد سكان الصين، إننا نلقي في السجون بفقرائنا أو غير المتعلمين أو مرتكبي المخالفات أو المدمنين، بينما توفر لهم دول أخرى العلاج والمستشفيات والرعاية النفسية».
صناعة مربحة: ويحدث كل ذلك بتكلفة باهظة، إذ يشير إليستر إلى أن نظام السجون الأمريكي يستنفد من الميزانية أكثر من 57 مليار دولار في العام الواحد مقابل 42 مليار دولار لوزارة التعليم.
ويمكن أن تبدو المقارنة أكثر دراماتيكية على مستوى الولايات، إذ يلاحظ إليستر أن جامعات كاليفورنيا سرحت على مدى العقد المنصرم أكثر من عشرة آلاف موظف، وأن الولاية وظفت عشرة آلاف حارس إضافي لسجونها، ويبدو أن ولاية كاليفورنيا تنفق 6 آلاف دولار في العام على كل طالب جامعي بينما تنفق 34 ألف دولار في العام على كل سجين.
وتشهد «صناعة التقويم» كما أصبح يطلق عليها، توسعًا سريعًا في الولايات المتحدة، وبدأ هذا النظام يتجه - بشكل متزايد - نحو الخصخصة، حيث تحصل الشركات الكبرى على مناقصات مريحة لبناء وإدارة السجون.
ويشير إليستر إلى أن «صناعة التقويم» الأمريكية توظف الآن، عددًا يفوق موظفي شركات «جنرال موتورز» و «فورد» و «وول مارت»، ولكن ذلك ليس سوى جانب واحد من جوانب هذه المسألة، وما يثير القلق أكثر منه هو تلك التفاصيل التي تثير الصدمة على سوء المعاملة والإهمال اليومي لهؤلاء السجناء، وبدلًا من توفير بيئة تهدف إلى تصحيح، أو إعادة تأهيل السجناء، فإن أنظمة السجون تغذي ثقافة تقوم على العنف والوحشية والتطرف لديهم، وغالبًا ما تنتج عصابات عنيفة تقوم على أساس أيديولوجيات عنصرية ومتطرفة. فالسجناء الأضعف يتعرضون لسوء المعاملة العنيفة والاعتداءات الجنسية، ويبدو أن المخدرات متاحة داخل السجون كما هي في الخارج.
ويقول إليستر إن «مئات الآلاف من السجناء يتعرضون للاغتصاب كل عام، كما تدير عصابات عنصرية وأخرى من النازيين الجدد حلقات المخدرات والقمار والدعارة من داخل السجون، حيث يبيعون ويشترون زملاءهم الضعفاء من أجل الجنس في الوقت الذي تتغاضى فيه السلطات عما يحدث».
ونتيجة لذلك يتحول السجناء حين يخرجون من السجن إلى أناس أكثر عنفًا وأكثر إدمانًا، وأكثر سخطًا وأقل قدرة على الانخراط في المجتمع، مما كانوا قبل دخولهم السجن.
ويشير إليستر إلى أن المشكلة المتنامية المتمثلة بإساءة معاملة السجينات من النساء، فهناك أكثر من 200 ألف امرأة يقبعن خلف القضبان «ثلثا العدد من الأمهات»، ومعظمهن يقعن ضحايا لسجانات عنيفات أو حراس السجن.
فكيف تطورت مشكلة هذا الكم الهائل من الناس؟ يعتقد إليستر أن المسؤول عن هذه المحنة أولًا هو شعار كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي المتمثل «بانتهاج خط متشدد مع الجريمة»، والمرفوع منذ السبعينيات، فقد زاد نزلاء السجون خلال هذه الفترة بنسبة 400%.
وكان حوالي ثلثي الذين ألقي القبض عليهم من متعاطي المخدرات ومعظمهم من الأمريكيين الأفارقة والأمريكيين الجنوبيين، وفي هذه الأثناء، غضت أجهزة الأمن والشرطة البصر عن متعاطي المخدرات من البيض وفشلت في الحد من تدفق المخدرات إلى داخل البلاد.
وخلال تلك الفترة، أدت تخفيضات الميزانية الفيدرالية للمساعدات المطلوبة للخدمات الاجتماعية إلى تفاقم المشكلة، ويشير إليستر إلى أن تقليص شبكة الأمان الاجتماعي وإعانات الإسكان للفقراء والعلاج للمصابين بأمراض عقلية جعل السجون وجهة إجبارية لأولئك العاجزين عن إيجاد مكان لهم في الاقتصاد الأمريكي القائم على تشغيل المتعلمين وخبراء «التقنية العالية»، والذي لا يعرف سوى الرابحين، ولا يكتفي كتاب «بوابات الظلم» بشرح تفاصيل مشكلة نظام السجون الوحشي، بل يوفر مدى واسعًا من الاقتراحات لإصلاح هذه المؤسسة المكسورة.
وعلى الرغم من طغيان فضيحة أبو غريب على هذا الكتاب عند صدوره، وإن كانت ثمة صلة بين المشكلتين، تبين أن بعض منتهكي المخالفات في أبي غريب، كانوا حراسًا في السجون الأمريكية، ويبدو أن ثقافة سوء المعاملة التي تجذرت في البلاد أصبحت لها انعكاساتها المدمرة.
ويبدأ الحل باعتراف السلطات بحجم المشكلة، ويمكن أن يقدم كتاب إليستر، إسهامًا مهمًا في هذا الإطار.