العنوان السباحة في مجتمع الثقافة والسياسة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 179
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 29-فبراير-2000
فصول من السيرة الاجتماعية للإمام حسن البنا (٣ من ٣)
عمل مدرسًا تسع عشرة سنة واستقال سنة ١٩٤٦م ونال الدرجة الخامسة بحكم قانون الموظفين المنسيين
شارك في أحداث ثورة ۱۹۱۹م وعبر عن رفضه للجنة ملنر ورثى الزعيم المجاهد محمد فريد بأبيات من الشعر
كان بارًّا بوالديه، ولا يخاطب أباه إلا بقوله سيدي الوالد الجليل ووالدته بقوله: سيدتي الوالدة
أعضاء أول أسرة إخوانية بالإسماعيلية: نجار وحلاق ومكوجي وسائق وجنايني وعجلاتي
كان متفانيا في أداء عمله كمدرس للغة العربية والخط والدين في المدارس الابتدائية
البر بالوالدين شرط لازم للبر بالوطن وهذا من الأصول العقدية لمعنى الوطنية الإسلامية كانت الثورة المصرية (١٣٣٧هـ - ۱۹۱۹م) هي أكبر الأحداث التي شهدتها البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، وشهدها حسن البنا في أثناء دراسته في المدارس الإعدادية بالمحمودية، وكذلك عندما التحق بمدرسة المعلمين بدمنهور، وكان آنذاك بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة من عمره.
ويروي في مذكراته بهذا الخصوص، أنه شارك في مظاهرات الثورة، وأنه كان يصغي إلى أحاديث الناس حول قضية الوطن وتطوراتها، وقد سجل في تلك المذكرات بعضًا مما كان يجيش في صدره إزاء تطورات أحداث الثورة، فأورد أبياتًا من قصائد نظمها، قال في واحدة منها تعليقًا على أحاديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها:
یا ملنر ارجع ثم سل
وفدًا بباريس أقام
وارجع لقومك قل لهم
لا تخدعوهم يا لئام
وهزَّه نبأ وفاة الزعيم الوطني المجاهد محمد فريد فنظم قصيدة طويلة مطلعها
أفرید نم بالأمن والإيمان
أفريد لا تجزع على الأوطان
ومن ثم، يمكن القول إن حسن البنا قبل انتقاله إلى القاهرة، كانت مؤثرات المحيط الاجتماعي وتطورات الحياة السياسية العامة في مصر تتسرب إلى وعيه، وتبدو منه هو استجابات قوية تدل على انفعاله بها، وحين قدر له أن ينتقل إلى القاهرة كانت بعض نتائج الثورة قد أخذت في الظهور متمثلة في الدستور (١٣٤٢هـ - ١٩٢٣م)، وإجراء أول انتخابات برلمانية في مصر سنة (١٣٤٣هـ - ١٩٢٤م)، وهي الانتخابات التي جاءت بحكومة الشعب بزعامة سعد زغلول.
وفي حجرات الدراسة بدار العلوم يذكر حسن البنا أنه كان يستمع ويشارك (1) في الأحاديث التي تدور حول الشؤون العامة في مصر، ومنها تلك الشؤون السياسية مثل الانقسام بين الوفديين والأحرار الدستوريين والخلاف القائم حول قضية الخلافة التي ألغيت في اسطنبول وتداعيات الانقلاب الكمالي سنة ١٩٢٤م، والجدل الدائر حول كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» والمعارك المحتدمة بين «أنصار القديم» و«أنصار الجديد» التي كانت تسيل بها أنهار الصحف والمجلات آنذاك.
مفاجأة التحلل الأخلاقي
فوجئ في القاهرة بالكثير من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن التي لا عهد له بها في الريف المصري، وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين أو القضاء عليه في نفوس الشعب (۲) طبقًا لما أدركه آنذاك وسجله في مذكراته.
وقد عبر عن مشاعره إزاء الحالة السابقة التي وجد عليها مجتمع القاهرة، فقال: «كنت متألمًا أشد الألم، فهأنذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها العزيز الغالي الذي ورثته وحمته وألفته وعاشت به واعتز بها أربعة عشر قرنًا كاملة، وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية، وكان ينفس عن نفسي بعض الشيء الإفضاء بهذا الشعور إلى كثير من الأصدقاء الخلصاء من زملائنا الطلاب بدار العلوم والأزهر والمعاهد الأخرى»(۳) وقد بلغ به الألم والحزن على حال الأمة إلى حد البكاء، يقول: «ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء»(4)
وبتحليل تلك الحال التي وصل إليها من الحزن الذي «أبكاه»، تأثرًا بما صار إليه حال الأمة، يتضح جانب أساسي من جوانب شخصيته المتفتحة وإلى أي حد كانت نفسيته مهيأة للتأثر بالمحيط الاجتماعي وقضاياه المختلفة «فالحزن كما يرى ابن تيمية لا يكون محمودًا إلا إذا كان على «مصيبة في الدين» وعلى مصائب المسلمين عمومًا، فصاحبه يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر إذا أفضى به إلى الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة» (5) وقد أدى بالبنا حزنه وتألمه، وهو يرى الأمة منقسمة «ومعسكر الإباحية والتحلل في قوة وفتوة»(6) إلى القيام بكثير من الأعمال والمبادرات والجهود المتواصلة من أجل الإصلاح الاجتماعي والنهوض الشامل بالأمة، حتى تستعيد قواها ومكانتها اللائقة بها في العالم.
في مجتمع العلماء
كانت صلته قد امتدت لدائرة أوسع شملت عددًا من العلماء والشخصيات الإسلامية البارزة الذين كان يلتقيهم في المكتبة السلفية لصاحبها «الرجل المؤمن المجاهد العامل القوي العالم الفاضل والصحفي الإسلامي القدير السيد محب الدين الخطيب»(۷)، على حد وصف البنا له، ثم يقول «فاعتزمت أمرًا إيجابيًّا وقلت في نفسي لماذا لا أحمل هؤلاء القادة المسلمين هذه التبعة وأدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا على صد هذا التيار، فإن استجابوا فذاك وإلا كان لنا شأن آخر»(۸)، وقد قام بتنفيذ ما اعتزمه بالفعل.
فاتجه إلى الشيخ يوسف الدجوي، وكان من هيئة كبار العلماء في ذلك الوقت واختاره «لصلاته بكثير من رجال المعسكر الإسلامي من علماء أو وجهاء وحبهم له»(۹). ورغم أن تلك المبادرة التي قام بها البنا قد أدت إلى تجمع الجهود التي أسفرت عن ظهور مجلة الفتح الإسلامية، التي صدر العدد الأول منها في ۲۹ ذي القعدة ١٣٤٤ هـ ١٠ يونيو ١٩٣٦م، ثم تأسيس جمعية الشبان المسلمين في العام التالي ١٣٤٥هـ - ١٩٣٧م، رغم هذا وذاك، فإن همته واستعداداته جعلته لا يقنع بما حدث، ويتطلع إلى المزيد من العمل والإنجاز.
موضوع الإنشاء
وقد عبر عن تلك الهمة في موضوع الإنشاء الذي كتبه في امتحان التخرج في دار العلوم. وقد جاء فيه «إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان، خاص، وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، وعام وهو أن أكون مرشدًا معلمًا إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة والثالثة بالتجول والسياحة، وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل وتقديرًا للإحسان، ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية الثبات والتضحية وهما ألزم للمصلح من ظله وسر نجاحه كله ومن الوسائل العلمية درسًا طويلًا، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ ويعطفون على أهله، وجسمًا تعود الخشونة على ضالته، وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعتها لله صفقة رابحة، راجيًا منه قبولها، سائله إتمامها وذلك عهد بيني وبين ربي أسجله على نفسي وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير»(١٠)
وقد حاولنا العثور على ملف خدمة الإمام البنا بوزارة التربية والتعليم «المعارف سابقًا» لنفتش فيه عن سيرته المهنية كمدرس ونقف على ما سجلته الأوراق الرسمية، وننظر هل أوفى بذلك العهد الذي أخذه بينه وبين الله، وسجله على نفسه، وأشهد عليه أستاذه أم لا ولكن جهودنا ذهبت سدی وتحطمت على صخرة البيروقراطية الحكومية التي أخفت الملف أو قد تكون أتلفته، ومن ثم لم يكن بد من الاعتماد على شهادات الشهود وغير ذلك من الوثائق غير الرسمية، وجميعها أكدت أنه كان متفانيًا في أداء عمله كمدرس، منضبطًا في الحضور والانصراف، لم يتخذ الدعوة إلى الله ذريعة للتقصير في واجبه الوظيفي، وكان ملتزمًا بتحضير الدروس متطوعًا بالعمل بدلًا من المدرسين الذين يتغيبون عن حصصهم، مؤثرًا مصلحة التلاميذ على مصلحته الخاصة، وليس العكس كما يحدث هذه الأيام، كتب في إحدى رسائله من الإسماعيلية إلى والده بالقاهرة شارحًا له اعتذاره عن الحضور لزيارته في العيد «الفطر أو الأضحى» حيث الرسالة غير مؤرخة، قال: «الامتحان عقب الإجازة مباشرة، والإجازة طويلة أي عشرة أيام، ومعنى ذلك أن التلاميذ سيحضرون وقد نسوا ما درس لهم، وخصوصًا التمرن على الامتحان، فلذلك رأيت أنا وبعض المدرسين تكليف التلاميذ بالحضور كل يوم وقتًا قصيرًا نمرنهم فيه على الامتحان لتحسين النتيجة، ولاسيما السنة الأولى التي أدرس بها»(۱۱)
بره بوالديه
وكلما قلبنا صفحات كتاب حياة الإمام البنا وجدناها ناطقة بأنه قد أوفى بما عاهد عليه الله في تلك الأيام الخالية، سواء في إرشاد مجتمعه، أو في إسعاد أسرته وقرابته.
في إحدى رسائله إلى أبيه يقول: «سيدي الوالد الجليل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فمرسل لحضرتكم مع هذا حوالة بمبلغ جنيهين قيمة المطلوب لأم مصطفى، وقد كنت أود أن أبعث بجنيه بدلة عبد الباسط لولا أنه لم يبق معي إلا مصروفات السفر»(۱۲)، وبلغ به بره بوالدیه وحرصه على إسعادهما، وتخفيف أعباء الحياة عنهما، أن طلب من والده السماح له بنقل أشقائه بنين وبنات من الإقامة مع والديه بالقاهرة إلى الإقامة معه، حيث يعمل بالإسماعيلية، فأذن له بذلك وقام هو بإلحاقهم بالمدارس، وتكفل بالإنفاق عليهم، ورعايتهم من مختلف النواحي بما في ذلك النواحي الصحية والتعليمية والثقافية، وقد رأى أن وجودهم معه أفضل له ولهم، وكتب بذلك إلى والده في رسالة خاصة فقال: «في إرسالهم مصلحة لي فإنهم سيوفرون كثيرًا من النفقات الذاهبة هباء منثورًا، وسينظمون أوقاتي ويريحونني من عناء كبير، ومصلحة لهم هي تدريبهم وتهذيبهم وتربيتهم تربية أراها راقية جيدة تحجزهم عن أبناء الشوارع وعطلة السبل»(۱۳)
ويبدو أن تفانيه في خدمة والديه وإخوته وإيثارهم على نفسه قد سبب بعض الألم لوالديه وبخاصة والدته التي أصابها الحزن عليه لكونه لا يدخر لنفسه شيئًا من راتبه ينفعه في مستقبل الأيام، وبلغه هذا الشعور وهو في الإسماعيلية فكتب إلى أبيه يقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد ورد خطابكم الكريم، وإن اليوم الذي أستطيع فيه إرضاءكم هو أسعد أيامي حقًّا «...» وليس لي من الحق في كل ما يقدره الله لي بعض ما لكم من ذلك، والذي أريده فقط أن تغتبطوا بذلك وتعلموه، وأن تخفف سيدتي الوالدة من ألمها لعدم التوفير، فإن هذه ضرورة لابد منها، ستنفرج عما قليل، والله إنني لأقضي ساعات طوالًا في ألم لتألم والدتي، وفي تفكير كيف أرضيها وكيف أسعدها، وكيف أجعلها هانئة مغتبطة فهل يوفقني الله إلى هذه الأمنية»(١٤)
وكتب إليه مرة أخرى ليطمئن على صحة شقيقته فاطمة فقال: «سررت كثيرًا لشفاء فاطمة ولقد أقلقني أمرها إقلاقًا شديدًا والحمد لله على الشفاء، والحمد لله إذا أخذ صاحب الإتاوة إتاوته»(١٥)
ذلك هو حسن البنا الذي لا يعرفه كثير من الناس، وتلك صورة -من صور كثيرة- توضح مدى بره بوالديه وأشقائه وتفانيه في إسعاد أسرته، والبر بالوالدين شرط لازم للبر بالوطن، ومن لا يكون بارًّا بوالديه يستحيل عليه أن يكون بارًّا بوطنه، على حد تعبير الأستاذ الدكتور سيد دسوقي حسن وقوله هذا يلخص بعمق معنى الوطنية الحقة، ويربطها بأصلها العقيدي الإسلامي بسهولة ويسر.
مفاتيح القوة الاجتماعية
اكتملت العوامل الاجتماعية التي أثرت في الإمام البنا وتفاعل معها بانتقاله من مجتمع القاهرة إلى مجتمع الإسماعيلية، بعد تعيينه مدرسًا للخط واللغة العربية والدين بإحدى مدارسها الابتدائية، وكانت الإسماعيلية في ذلك الوقت بلدًا تغلب عليه النزعة الأوروبية، ولم يكن حسن البنا يدري عنها شيئًا قبل سفره إليها (١٦)، وقد كانت للإسماعيلية أوضاعها الخاصة، حيث كان بها مقر الشركة العالمية لقناة السويس، ومعسكرات جيش الاحتلال البريطاني، وكان تركيبها الاجتماعي يتميز بارتفاع نسبة الأجانب الخواجات الذين احتلوا أعلى المناصب وشغلوا أهم الوظائف، وكان لكل ذلك أثره في تجسيد الانقسام والتناقض بين النمط الأوروبي للحياة وبين نمط الحياة التي درج عليها المصريون من حيث السلوكيات والأخلاقيات والعادات إلخ.
وكان لمثل هذا الوسط الاجتماعي تأثيره القوي في هذا الشاب الوافد إليه -حسن البنا- على النحو الذي أكده فيما أسماه «وحي الإسماعيلية»، فيقول: «كان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها ببأسه وسلطانه، يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضالتها وصغر شأنها، والشوارع كلها تحمل لوحات لم تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الجاثم على صدرها، حتى شارع المسجد كان مكتوبًا هكذاRue Du Mosquet»(۱۷)
العلماء وشيوخ الصوفية والأعيان
إذن فبانتقاله للإسماعيلية وجدها مجتمعًا يحتوي على كثير من عناصر التحدي التي واجه نماذج مختلفة منها من قبل في المحمودية وفي دمنهور ثم القاهرة.
وها هو ذا في الإسماعيلية يجد أن المسجد ساحة للخلاف بين رواده، ويجد أن موضوعات الخلاف لا تؤدي إلى أي عمل إيجابي، فضلًا عن أنها تسبب الفرقة والتدابر بين المسلمين فيستقر على التوجه للقهاوي ليباشر فيها دعوته، ويشاهد في المدينة الخواجات يتمتعون بالمناصب والسلطة، وينعمون بخيرات البلاد دون أهلها فيتضح في ذهنه نموذج التحدي الغربي عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًّا على النحو الذي «يبعث الأسى في نفس كل وطني غيور» ويهدد كيان المسلم الديني بزحف الإلحاد والإباحية، والدنيوي بغلبة الأجانب على خيرات البلاد، وإزاء تلك التحديات، إضافة إلى ما رسخ في ذهنه منها من قبل -مثل نشاط إرساليات التنصير- استقر لديه أن تكون دعوته للإصلاح شاملة قوامها العلم والتربية والجهاد بعيدة عن أن تكون محصورة في طريقة من الطرق التي انتمى هو نفسه إلى واحدة منها، وهي الطريقة الحصافية.
ومن هنا كان عليه أن يوثق روابطه الاجتماعية بأهل الإسماعيلية على اختلاف منازلهم ومواقفهم وسرعان ما وضع يده على أهم مداخل التأثير الاجتماعي بها فحددها في أربعة «العلماء أولًا وشيوخ الطرق ثانيًا والأعيان ثالثًا، والأندية رابعًا»، وسلك مع كل منهم مسلكًا يناسبه، فكان يحترم العلماء ويصادقهم وينزلهم منزلتهم، وكان يتأدب مع شيوخ الطرق بأدب الطريق أما الأعيان، فكان يسعى لتجميع كلمتهم وتوحيد صفهم وأما الأندية، فقد راح يلقى فيها المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية التي كانت سببًا في تهيئة نفوس كثير من روادها للدعوة والالتحاق بها جنودًا عاملين(۱۸)
أول أسرة إخوانية
ويذكر حسن البنا أن من بين الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كان يلقيها، جاء ستة من أهالي الإسماعيلية جميعهم من العمال الحرفيين وهم حافظ عبد الحميد «نجار»، وأحمد الحصري «حلاق»، وفؤاد إبراهيم «مكوجي» وعبد الرحمن حسب الله «سائق»، وإسماعيل عز «جنايني»، وزكي المغربي «عجلاتي»، ومنهم شكل النواة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين في ذي القعدة سنة ١٣٤٧هـ الموافق أبريل / مايو سنة ۱۹۲۸م.
وبنظرة شاملة، يتضح أن نشأة جماعة الإخوان المسلمين على النحو السابق، ومن زاوية ارتباطها بشخص حسن البنا من حيث سيرته الاجتماعية ومسيرته الفكرية، قد جاءت خطوة طبيعية في مسار تطور اهتماماته، والخبرات التي تراكمت لديه واستقاها من مصادر متعددة، ومن تفاعله المبكر مع قضايا محيطه الاجتماعي. وكانت رحلاته المتواصلة -فيما بعد- إلى مختلف أنحاء البلاد من القرى والمراكز والمدن قد أكسبته معرفة مباشرة وعملية بأوضاع وخصائص كافة الطبقات بحيث يمكن القول إن جماعته صارت تعبر في صميمها عن حركة اجتماعية شاملة، كان هو عقلها المركزي طوال قيادته لها، وكان خطابه الفكري بمثابة العصب من تنظيم الحركة ونموها وتماسكها.
وإذا كان الوضع الطبقي يعد بين المؤثرات الاجتماعية التي لها دور في صبغ التوجهات الفكرية للشخص بصيغة معينة، فقد ظل حسن البنا منتميًا إلى إحدى فئات الطبقة الوسطى من سكان المدن، وهي فئة المدرسين، حيث أمضى قرابة تسع عشرة سنة مدرسًا بالمدارس الابتدائية، وعندما استقال من وظيفته كمدرس في ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦م، كان قد نال الدرجة الخامسة بحكم قانون الموظفين المنسيين(۱۹) وبعد استقالته عمل لفترة في جريدة الإخوان المسلمين اليومية، ثم ما لبث حتى أصدر مجلة الشهاب الشهرية، لتكون أداة من أدوات الدعوة، ومصدرًا مستقلًا لرزقه بعيدًا عن أموال الجماعة، فصدر منها خمسة أعداد فقط، ثم تعطلت عن الصدور بسبب قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في صفر سنة ١٣٦٨هـ ديسمبر ١٩٤٨م.
تكوين الأسرة.. الزوجة والأولاد
تزوج الإمام حسن البنا في سنة ١٩٣٢م أثناء إقامته بمدينة الإسماعيلية عندما كان لا يزال يعمل مدرسًا بإحدى مدارسها الابتدائية أي قبل انتقاله بسنة واحدة إلى القاهرة للعمل بمدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وكانت زوجته -رحمها الله- من أسرة الصولي، وهي أسرة من متوسطي تجار الإسماعيلية، وأنجب منها ستة، خمسًا من البنات وولدًا واحدًا، وقد انتظموا جميعًا في سلك التعليم الحكومي الرسمي، ونال بعضهم شهادات عالية وعمل بعضهم في وظائف حكومية، وبعضهم في أعمال خاصة متنوعة، وهم:
الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا، وقد حصل على ليسانس الحقوق، وليسانس دار العلوم من جامعة القاهرة، ويعمل محاميًّا، وانتخب نائبًا بمجلس الشعب المصري سنة ۱۹۸۷م، وأمينًا عامًا لنقابة المحامين فيما بعد.
السيدة وفاء حسن البنا، وهي أكبرهم سنًّا وقد حصلت على دبلوم فني نسوي، وكثيرًا ما كان الإمام البنا يوقع مقالاته بجرائد الإخوان باسم «أبو وفاء»، وبخاصة في السنوات الأولى من صدور جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية.
السيدة رجاء حسن البنا، وقد حصلت على بكالوريوس الهندسة.
السيدة هالة حسن البنا، وقد حصلت على دكتوراه في طب الأطفال، وتعمل استاذًا بطب الأزهر - كلية البنات
السيدة استشهاد حسن البنا، وقد حصلت على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة الأزهر.
وقد سار الإمام البنا في تدبير شؤون أسرته ومعاشها مثلما سار والده من حيث الاقتصاد في الإنفاق والبعد عن كل مظاهر التبذير والترف وكان يفضل دومًا أن ينفق ماله في سبيل الدعوة، حتى تواترت روايات عديدة تؤكد أنه لم يكن له مال تجب فيه الزكاة (٢٠)
لقد كان عليه أن يرعى أسرته وأولاده الستة، وأن يقوم بأعباء وظيفته التي يكتسب منها قوته وقوت أولاده، وقبل هذا كله فإنه صرف جل وقته في الدعوة إلى الله والسياحة في المجتمع، والانشغال بهمومه ولم يكن البحث عن المال ولا عن السلطة من تلك الهموم التي انشغل بها طيلة حياته، واستطاع أن ينجو من الغوائل الثلاث المال والنساء والسلطة على حد تعبير روبير جاكسون، صاحب كتاب حسن البنا الرجل القرآني.
وبالتنقيب في سجلات الدولة المتعلقة بملفات خدمة الموظفين ومعاشاتهم عثرنا في سجل نموذج إعدام ملفات الموظفين بوزارة المعارف على العبارة التالية «حسن أحمد عبد الرحمن البنا لم تربط وزارة المالية له أو لورثته معاشًا أو مكافأة، وذلك بناء على قرار لجنة المعاشات الخاصة تحت مسلسل رقم ٧٨/٣٠/٦٥٠».
كان رأيه أن الجاه والمال هما دائمًا أساس الخصومة وأصل النزاع، ومادة الشر في هذا الوجود، وقد عافاه الله من إغواء المال، أما الجاه فقد كان له منه قدر كبير، لم يسع إليه، وإنما جاء نتيجة لجهاده المتواصل في سبيل الله، وكمرشد عام للإخوان المسلمين، حيث بلغ عدد الأعضاء العاملين بالجماعة والذين يأتمرون بأمره سمعًا وطاعة حوالي نصف مليون عضو قبيل حل الجماعة في سنة ١٩٤٨م. مع ملاحظة أن إجمالي عدد السكان في مصر في ذلك الوقت لم يتجاوز عشرين مليون نسمة.
ولم يكن سمعهم وطاعتهم نتيجة لما تفرضه علاقة التنظيم فحسب، وإنما كانت أيضًا ضمن اقتناع بالدعوة التي دعاهم إليها حسن البنا لإصلاح المجتمع وتحرير الوطن والنهوض بالأمة عن طريق العودة إلى الإسلام في صفائه الأول.
وفي الوقت الذي كان مشغولًا فيه بعظائم الأمور، لم يكن بعيدًا عن أبسطها مما يتصل بشؤون الحياة الاجتماعية لمعارفه وإخوانه وتلامذته وأصدقائه وثمة روايات متواترة تدل على أنه كان يعلي من شأن الجوانب الاجتماعية في بناء حركته وفي نشر الدعوة إلى الإسلام، وفي توثيق أواصر الأخوة والمحبة بين الناس أجمعين، حتى أنه لم يكن يجد غضاضة في القيام بمهمة الوساطة في زواج أحد تلامذته، ومن ذلك ما رواه الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله من أن الأستاذ حسن البنا قد تدخل في المسألة التي بدأت معقدة، فإن والد الفتاة التي اخترتها كان يطمع في زوج أغنى مني وعلم أن مرتبي ستة جنيهات، أعطي أبي نصفها تقريبًا لكن الأستاذ المرشد أقنع الرجل بأني أفضل من غيري والمستقبل بيد الله وسيكون خيرًا، وتزوجت، وسألني الأستاذ المرشد ماذا فعلت مع فلان يعني صهري فقلت له دخلت بابنته قال عاتبًا، لم تدعني، وتمثل بقول الشاعر وهو يبتسم:
وإذا تكون كريهة أدعى لها
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب(۲۱)
تلك كانت فصول قصيرة من السيرة الاجتماعية للإمام حسن البنا، سقناها كمحاولة للتعرف إلى بعض جوانب هذه السيرة، وعسى أن نكون قد وفقنا فيما قصدنا إليه ولعل أفضل ما نختم به هذه الفصول ما قاله الإمام حسن البنا عندما سئل أن يعرف نفسه للناس فأجاب بقوله: «أنا سائح يطلب الحقيقة وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار، والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف، أنا متجرد أدرك سر وجوده فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين هذا أنا فمن أنت(۲۲) سؤال على كل مسلم أن يجيب عنه قولًا وعملًا.
(*) اعتمدت هذه الدراسة التي أعدتها مجلة «المجتمع» بشكل أساسي على كتاب «الفكر السياسي للإمام حسن البنا» للدكتور إبراهيم البيومي غانم وعدد من المصادر والوثائق غير المنشورة
الهوامش
(1) يؤكد عبد العظيم رمضان على أن نشأة حسن البنا في أسرة دينية عريقة كانت سببًا في ألا يستلفت نظره من ألوان الحياة والكفاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري الدائر في القاهرة في العشرينيات سوى ما يتعلق بما أسماه التحلل الأخلاقي وما اعتبره موجة من موجات الإلحاد والإباحية انظر عبد العظيم رمضان الإخوان المسلمون والتنظيم السري (القاهرة: دت)، ص ٢٦، وما ذكرناه هنا ينقض ما زعمه رمضان في كتابه.
(۲) مذكرات الدعوة والداعية، ص ٥٣-٥٤ طبعة دار الشهاب
(۳) مذكرات الدعوة والداعية ص ٥٣ طبعة دار الشهاب
(4) انظر حسن البنا رسالة المؤتمر الخامس، ضمن رسائل الإمام الشهيد حسن البناء م س ذ، ص ۱۱۹
(5) انظر أبو العباس أحمد بن تيمية، كتاب السلوك ضمن مجموع الفتاوى جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد قاسم العصامي النجدي المملكة العربية السعودية (٣٩٨هـ ١٠ ص ١٧)
(6) حسن البنا مذكرات الدعوة والداعية، م س ذ. ص ٥٥
(۷) المصدر السابق، ص ٥٤
(۹.۸) نفسه ص ٥٥
(10) حسن، مذكرات الدعوة والداعية، م س ذ. ص ٥٦ ( طبعة بيروت ١٩٧٤م)
(۱۱) من رسالة خطية غير مؤرخة أرسلها من الإسماعيلية إلى والده بالقاهرة
(۱۲) من رسالة خطية أرسلها من الإسماعيلية في 7 مارس ۱۹۲۸م إلى والده بالقاهرة، وعبد الباسط المذكور هو شقيقه الأصغر
(۱۳) من رسالة خطية أرسلها في ١٠/٥/ ١٩٣٨م من الإسماعيلية إلى والده بالقاهرة
(١٤) من رسالة خطية أرسلها من الإسماعيلية في ١٠ جمادي الأولى ١٣٤٩هـ (١٩٣٠م) تقريبًا إلى والده بالقاهرة
(١٥) من رسالة خطية أرسلها من قنا - صعيد مصر - في ١٦ ربيع الآخر ١٣٦٠ هـ (١٩٤٣م) إلى والده بالقاهرة
(١٦) مذكرات الدعوة والداعية، ص ٦٣ حيث يذكر البنا أنه لم يكن يدري أين الإسماعيلية بالضبط، من حيث موقعها الجغرافي على خريطة مصر
(۱۷) المصدر السابق، ص ٧٥
(۱۸) انظر: مذكرات الدعوة، مرجع سابق، ص ٦٦ . ص ٦٩
(۱۹) انظر محمد عبد الجواد تقويم دار العلوم القاهرة ب ت، ص ١٧
(۲۰) انظر: عبد البديع صقر ١٣ عامًا مع الأستاذ البنا، مقال بمجلة الدعوة - القاهرة العدد ٩ - السنة ٢٦ – غرة ربيع الأول ١٣٩٧هـ - فبراير ١٩٧٧ م ص ٣٤ . ص ٣٧
(۲۱) انظر الشيخ محمد الغزالي قصة حياة مقتطفات منشورة في مجلة «إسلامية المعرفة» - ماليزيا – السنة الثانية العدد السابع رمضان ١٤١٧هـ - يناير (١٩٩٧م) ص ۱۸۰
(۲۲) انظر: مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا الإسكندرية (۱۹۸۸م) ص ۱۳
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل