; السامري والعجل | مجلة المجتمع

العنوان السامري والعجل

الكاتب مصطفى الخولي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1975

مشاهدات 16

نشر في العدد 256

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 01-يوليو-1975

ابتعد السامري عن العجل خطوتين، نظر إليه وقد أتم صنعه وامتلأ صدره بالإعجاب، مُعْجَبٌ بالعجل ومُعجب بنفسه، معجب بيديه وما صنعت، وأخذه الزهو وهو ينظر حوله فوق رؤوس بني إسرائيل وهم وقوف ينظرون مبهورين مفتونين، وزاد العجب ببعضهم فتقدم يمسح العجل بكتفه ويتحسسه والسامري يرقبهم في غبطة وهو يتحدث إلى نفسه:

- يا لك من عجل! لعبة كبيرة وبنو إسرائيل حولك، كل واحد منهم يتمنى أن تكون له أو يكون لك.. ذهب وجسد.. هذا لقلوبهم.. ولكن بقي شيء أعددته لك ولهم..

وتقدم من العجل وألقى بشيء من يده إلى جوفه.. وتساءل البعض: ماذا يفعل السامري؟ وسمع القوم صوت خوار ضعيف باهت أخذ يعلو قليلا.. وارتدت الأيدي الممدودة في رهبة، وتحجرت العيون في ذعر وذهول.. ثم صدرت آهة إعجاب خافتة بعدها تهليل وصياح:

- أجدت يا سامري..

- بورك فيك يا رجل - رجل صناع - عجل رائع - كيف لك هذا يا سامري!

- هذا أجمل عجل وله خوار..

يطوف السامري بالناس يتلقى عبارات المديح ويطرب لها ثم يتابع الحديث مع نفسه:

- مهلًا يا بني إسرائيل.. ما زلت بكم في أول الطريق.. ستعبدون هذا العجل.. فأنا أعرفكم أكثر مما تعرفون أنفسكم.. وتضيعون دين موسى.. ويذهب شأن موسى.. ويغلب على أمره هارون.. وأرى نفسي ملكًا عليكم.. تسيرون وفق هواي وتأتمرون بأمري..

وقرب صخرة على الشاطئ كان هذا المشهد بين بعض الفتية..

- ترى ما يفعل القوم يا حاييم!

- هذا رابين قادم إلينا..

- ماذا بك يا رابين.. مُصْفَر الوجه.. حانق ومَغِيظ؟

- سحقًا لبني إسرائيل.. بئس القوم هم.. بئس القوم هم..

- ماذا؟! أتسب قومك يا فتى؟! جننت ورب موسى وهارون..

- وأين موسى؟!

- ذهب يقابل ربه..

- أين موسى لهؤلاء؟ سحقتهم أعوام الذل.. تركتهم بلا عقول.. لا يفقهون.. لا يفقهون.. ها هم يفتنون بالعجل.. يعبدون العجل.. بئس القوم هم..

- هون عليك يا رابين.. لم يصل الأمر بهم إلى هذا بعد..

- وأين هارون.. يتحرك بنا نتبع موسى..

- ولماذا ترك السامري يفعل بنا هذا؟!

- ها هو يتحدث إلى القوم.. ها هي كلماته تصل إلينا وما فَتِئَ يعيدها (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه: 90).

- انظر القوم كيف يتحدثون وقد عميت قلوبهم «لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى»

ورجع موسى وهو غضبان يلقي نظرات الغيظ والأسف على القوم (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) (طه: 86).

وتنكس الرؤوس وتتجه العيون إلى الأرض ويعتذرون أنهم شغلوا في البداية بحلي أهل مصر وذهبها ثم جاء دور السامري في التغرير بهم وصنع العجل.

وتقع عين موسى على أخيه هارون ويأخذ برأسه ولحيته يهزه بعنف: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ۝ أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (طه: 92-93).

ويستعطف هارون أخاه: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِاللِّحْيَةِ وَلَا بِرَأْسِيۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (طه: 94).

ويتجه موسى بعد ذلك إلى باعث الفتنة وصاحب الوثن والداعي إلى الضلال.. ها هو إلهك يا سامري فانظر ما يصنع به.. وجمع الحطب وألقى تحته وبين قوائمه وحوله وأشعلت النار وما هي إلا ثوانٍ وانهار العجل كأن قوائمه تلاشت ثم أخذ الجسم يضمر سريعًا إلى أن تلاشى بدوره بين ألسنة اللهب.. وانتظر موسى حتى خمدت النار وإذا بالعجل قد أصبح نتفًا لامعة تختلط بالرماد، وحملت هذه البقايا وقذفت في الماء هنا وهناك..

وكانت الشمس قد رحلت توشك أن تغيب فعاد القوم إلى مضاجعهم.. وامتد السكون مع الظلال الداكنة وفيها ظل لشخص يجلس على الشاطئ، يضع وجهه في كفيه.. يريد الظلام لعينيه فقلبه ظلام، وعندما آنس أن القوم رحلوا وأن الظلام أطبق حوله رفع كفيه ووقعت عيناه على الماء فإذا هو سطح لامع وبه ندب سوداء.. وتفحص الندب السوداء فإذا هي أشكال غريبة ثم حدث شيء عجيب.. ارتفعت الندب السوداء عن الماء قليلًا وتجسدت عجولًا كثيرة، كبيرة وصغيرة، سمينة وهزيلة، بعضها قوائمه كاملة والأخرى ناقصة.. وإذ بعيون العجول تبرز وتتجه كلها إليه تقدح بالشرر.. ودب الرعب في قلب السامري وأراد أن يرتكز على قدميه لينهض فإذا هو عاجز.. وحرك يده أمام عينيه كأنه يطرد هذه الخيالات أو يمحوها ولكنه وجدها ثابتة في أماكنها تنظر إليه محنقة.. وبدأ صوت الخوار يصدر عنها ضعيفًا يمزق السكون في رفق.. ثم أخذ يعلو ويعلو.. وتحركت العجول تزحف إليه والخوار يهدر ويهدر.. وصدر السامري يعلو ويهبط وهو يلهث والعجول تزحف وتحيط به.. ووضع السامري كفيه على أذنيه بشدة وصرخ صرخته الأولى مدوية لا ثم لا.. لا.. لا.. وأخذ يتلوى كأنما يلدغه الخوار.. وتذكر صوت موسى وجاءته الكلمات بحكم الإدانة: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ (طه: 97) وتلوى السامري والكلمات تعاد عليه وتعاد.. هو الجنون يا سامري.. وأقسى أنواع الجنون جزاء ما اقترفت يداك..

العجول مرة أخرى والخوار ويصرخ السامري لا.. لا.. لا.. يداه على أذنيه وينهض مهرولًا بعيدًا عن الشاطئ بين العجول.. ويتقدم عجل ويضربه برأسه فيطرحه أرضًا وينهض السامري ليتلقاه عجل آخر ويطرحه أرضًا من جديد وهكذا كل خطوة أو خطوتين..

وطلعت الشمس وتساءل بعض القوم: أين السامري؟! ماذا فعل الله به؟! وتناهت صرخاته اللاهثة إليهم.. لا.. لا.. لا. فصاحوا:

- ها هو السامري يقول: لا.. هيا بنا إليه-

وعثروا عليه على التراب.. الرعب في عينيه، ترتجف شفتاه.. ولعاب مغبر وشعر أشعث..

  • هذا مصيرك يا سامري!
  • حال هذا الرجل آية أخرى يا قوم..
  • كدنا نهلك مع السامري..
  • لعنة الله عليه.. صنع العجل ليفتننا بعد أن أنقذنا الله من فرعون.
  • هل نسينا العجل حقًا يا قوم!
  • أتمنى أن تطهر قلوبنا منه يا بني إسرائيل..

نهض السامري مترنحًا معتمدًا على ذراعيه وساقيه المتخاذلتين.. يريد أن يهرب من العجول التي بدأت زحفها الجديد عليه.. ورأى القوم الرعب في عينيه يكاد ينطق وهو يحركهما يمنة ويسرة وإلى أعلى وأسفل يتابع العجول في حركتها وهي تثب حوله ومن فوقه.. ثم طرأ تحول على شكل العجول فها هي أنياب تنبت لها.. أنياب حادة مخيفة.. وها هي تقترب منه بأنيابها، هذا العجل يندفع إلى صدره ينهشه والآخر إلى بطنه وكتفه وجنبه.. ويصرخ السامري لا.. لا.. لا.. ويدفع العجول بكلتا يديه.. وتضمر العجول وتتضاءل إلى أن تصبح في حجم الفئران تتسلق إزاره من ساقيه إلى صدره وذراعيه وعنقه ووجهه وتغرس أنيابها في لحمه وعظامه ويحاول أن ينفضها عنه في استماتة ويصرخ لا.. لا.. لا.. ولكنها تتشبث به.. ويضحك القوم..

  • انظروا كيف يتلوى..
  • ويحرك ذراعيه ويصرخ..
  • الجنون يفتك به..
  • هذا جزاء فعلته النكراء..

ويركض السامري مبتعدًا تتبعه ضحكات القوم الساخرة..

الرمال أمامك بلا نهاية.. وعذابك يا سامري لا حد له.. لن تدعك العجول أبدًا.. وليدة عجلك اللعين.. ها هو عقلك يختل.. عقلك الذي كنت تزهو به.. وتبصر به من الأسرار ما لا يبصره القوم.. ها هو ينقلب عليك بأمر من الله -سبحانه لا شريك له- ويريك العذاب.. هل تذكر بقية حديث موسى إليك: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ﴾ (طه: 97) ثم حديثه إلى بني إسرائيل بالحقيقة العلوية السرمدية: ﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (طه: 98).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

205

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

196

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد