; السادات وفرية تعديل الدستور | مجلة المجتمع

العنوان السادات وفرية تعديل الدستور

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980

مشاهدات 97

نشر في العدد 483

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 03-يونيو-1980

-تعديل الدستور وإجراءات أخرى لتغطية فشله الذريع.

-الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع والنظام السياسي اشتراكي ديمقراطي.

-انتخاب الرئيس المؤمن رئيسًا مدى الحياة.

-الفتنة الطائفية مؤامرة يهودية أميركية ساداتية!!

-السادات مثّل دور مصر في رواية كامب ديفيد وهناك أدوار عربية لاحقة!

-السادات يعلم أن الإسلام دين ودولة ولكنه لا يريد المسلمين أن يتدخلوا في السياسة!

عندما أخذت الشواهد تتتابع على إخفاق السياسة التي انتهجها الرئيس السادات ابتداء بزيارة القدس المحتلة وانتهاء بفشل مفاوضات «الحكم الذاتي للفلسطينيين» واشتداد المعارضة الشعبية لحكمه بسبب ذلك وخاصة المعارضة الإسلامية الأكثر تماسكًا كما وصفتها صحيفة النهار، لجأ «الرئيس المؤمن!» إلى اتخاذ خطوات متتابعة على صعيد السياسة المحلية في محاولة منه لصرف الأنظار عن إخفاقه الشنيع في السياسة الخارجية والميادين المحلية الاقتصادية والاجتماعية. 

فقد نفخ في موقد الفتنة الطائفية ودعا الشعب إلى دراسة ما أسماه «مصر والعلاقات العربية» ورفع شعار بناء الدولة والحزب وطلب إلى مجلس الشعب أن يظل في حالة انعقاد دائم لمناقشة «قانون حماية العيب» وتعديل الدستور.

وفي يوم ٢٢ تم بناء على طلب من «الرئيس المؤمن» التصويت على تعديل الدستور الذي نص من ضمن ما جرى تعديله على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وكانت النتيجة كما هو متوقع   97/96%! فهل يعني ذلك أن «الرئيس المؤمن» عاد لإيمانه وكان جادًا في تحكيم الشريعة الإسلامية؟! 

-ولو رجعنا إلى المواد التي تم تعديلها في الدستور بموجب الاستفتاء الشعبي الأخير لتبين بوضوح أن عملية التعديل لم تكن منصبة على المادة التي جعلت من الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع بدلًا من كونها أحد مصادر التشريع بل كانت التعديلات مكرسة أولًا وأخيرًا لمصلحة «الرئيس المؤمن» الذي بلغ الغزل بأحد المشايخ المشهورين إلى الدعوة إليه بأنه «لا يسأل عما يفعل!». 

-ففي دستور عام ١٩٧١ الذي صدر بعد مضي عام واحد على تولي السادات الحكم مادة تنص على أن رئيس الجمهورية لا يمكنه الترشيح للرئاسة أكثر من مرتين متعاقبتين كل منهما ستة أعوام.

وعلى الرغم من أن السادات أعلن أكثر من مرة أن لن يرشح نفسه للرئاسة إلا أنه استطاع عن طريق حزبه ودعايته أن يقنع مجلس الشعب باقتراح تعديل هذه المادة بحيث تسمح له بالترشيح لمدد غير محددة بحيث يتاح له البقاء في منصب الرئاسة مدى الحياة! وكان له ما أراد.

وهكذا إذًا فالمقصود من تعديل الدستور أن يتاح للرئيس المؤمن أن يكون رئيسًا مدى الحياة. 

-أما لماذا رئيسًا مدى الحياة؟ فذلك سؤال قد تطول الإجابة عليه، لكن المراقب لا يصعب عليه أن يعرف الحقيقة من استقرار الأوضاع السياسية المصرية. 

-فالسادات بطل رواية الكامب ديفيد لا بُد أن يظل رئيسا إلى أن تكتمل فصول الرواية، إنه مثل لحد الآن الدور المصري فقط في الرواية وما زالت أدوار أخرى عربية يتطلب تنفيذها استمرار وجود البطل والبُرهان على ذلك تودد السادات الكاذب للأنظمة العربية وإعلانه عشية انتهاء أجل مفاوضات الحكم الذاتي للفلسطينيين يوم ١٩٨٠/٥/٢٦ أن ۹۹ من أوراق حل أزمة الشرق الأوسط لا تزال بيد أميركا وعلى آثرها ردد بعض المسؤولين العرب أن السادات قدم كل ما عنده فاتحين بذلك المجال لمبادرة جديدة أوروبية أو أميركية أو عربية تكمل رواية الكامب ديفيد.

- وهنالك تعديل آخر أُجري في الدستور نص على أن نظام الدولة السياسي والاقتصادي نظام اشتراكي ديمقراطي قائم على نظام تعدد الأحزاب إلى جانب النص على أن تكون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع فكيف تكون الشريعة المصدر الرئيسي لنظام اشتراكي ديمقراطي مخالف للإسلام جملة وتفصيلا؟! إنه خلط لا يجعل للشريعة قيمة ولا قدسية.

وإذا كان السادات جادًا في تطبيق الشريعة الإسلامية فهل اتخذ خطوة ملموسة في اختيار العناصر المؤمنة والأمينة على تطبيق الشريعة؟ ثم يا ترى الاستسلام لليهود والتمكين لهم في ديار المسلمين أمر تقره الشريعة؟ بالتأكيد لا. 

-فهو لا يزال يذكر فتوى الأزهر عام ١٩٥٦ بتحريم الصلح مع اليهود ولا بُد أنه تلقى نصائح لا تحصى بعدم ذلك من العلماء المخلصين في مصر وخارجها ومن قادة الحركة الإسلامية، ثم هو يزعم أنه يخصص وقتًا لقراءة القرآن الكريم فهل أعشى بصره عن آیات بني إسرائيل؟!

- وفي خطابه الذي استغرق أربع ساعات يوم ١٤ مايو ذكر أنه يعلم أن الإسلام دين ودولة! لكنه طلب إلى العلماء والجماعات الدينية ألا تتدخل في السياسة، إنه بصراحة لا يُريد للدين أن يتدخل في السياسة وأن يكون له رأي في السياسة فكيف يُوافق بين عشية وضحاها على جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع؟!! 

-ولو استعرضنا تاريخ مصر منذ أن تولى السادات الحكم لتبين لنا أن الرجل رفع شعار العلم والإيمان ليطبق سياسة الجهل والتجهيل وليمكن للفساد والانحلال بمعاونة سيدة مصر الأولى جيهان السادات، ثم إن السادات أمر أجهزة الداخلية والإعلام بالحملة على الشباب المتدين وخلق المسرحيات التي تظهر التائبين إلى الله قتلة وجهلة ودعاة إلى حياة القرون الخالية: لقد صادق السادات على إعدام صالح سریه وکارم الأناضولي وشكري مصطفى... 

-وبغض النظر عن خلافنا الفقهي مع هؤلاء في بعض المسائل إلا أن قضيتهم كانت إسلامية استغلها السادات لإحكام القبضة على حركة الانبعاث الإسلامي في طلاب الجامعات والدراسات العليا. 

-ولقد وجه النقد الظالم لحركة الإخوان المسلمين وشهر بمجلة الدعوة ورئيس تحريرها وتوعد باستخدام أساليب العنف إن هي لم تكف عن التدخل في السياسة ومعارضة المبادرة والكامب والتطبيع.

-وفي الجهة المقابلة مكن السادات للأقباط ودافع عنهم كأقلية دينية مظلومة وجعل للأنبا شنودة مكانة دولية وجاملهم على حساب الإيمان الذي يصف به نفسه وعلى حساب العقيدة الإسلامية وذلك منذ رحلة الخيانة وتأييدهم لها ولجميع خطوات الكامب ديفيد.

وإذا كان السادات قد هاجم الأقباط في خطابه المشار إليه فما ذلك إلا تغطية لهجومه على الجمعيات الإسلامية في نفس الخطاب، وأمره من قبل لوزير داخليته بمطاردة الجماعات الدينية وحلها ومنع جميع نشاطاتها. 

-والفتنة الطائفية التي كشفت مصادر مطلعة أنها مؤامرة يهودية قبطية ساداتية هدفت إلى تعزيز الوجود القبطي وتحقيق مكاسب لهم على حساب المسلمين والجماعات الدينية.

-كما ذكرت ذلك أحد منشورات الجماعة الإسلامية من جهة وتحويل الأنظار عن فشل السادات داخليًا وخارجيًا وإلهاء المعارضة الشعبية الإسلامية في قضايا أقل أهمية.

-وكان السادات قبل ذلك قد أمر بإعداد وإصدار قانون «حماية العيب» الذي يخالف الإسلام نصًا وروحًا وينتهك مبدأ الفصل بين السلطات المعمول به والحريات العامة وينطوي على عقوبات لمخالفات غير محددة.

- وإذا كان واقع السادات الشخصي وتاريخه السياسي بعيدًا عن الإسلام ورعاية المسلمين بل حمل معول الهدم في الحركة الإسلامية، فلا بُد إذن أن يكون له هدف من وراء تعديل الدستور لينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع والمعرفة هذا الهدف لا بُد من الرجوع إلى عام ۱۹۷۱ وهو العام الذي وضع فيه الدستور الذي تم التصويت على تعديل بعض مواده.

-ففي ذلك العام حاولت مجموعة من المسلمين المخلصين وضع أساس الدستور إسلامي وذلك بالنص على أن تكون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع. 

-ومع بروز ظاهرة الانبعاث الإسلامي نما الوعي الإسلامي وقوي مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية. 

-وقد تم لمجلس الشعب أن وضع قانونًا للردة وقانونًا للعقوبات في محاولة للحد من النشاط التبشيري القبطي واضطر الرئيس السادات للأمر بعدم تطبيق تلك القوانين استجابة لاحتجاج الأنبا شنودة!

-ولكن المخلصين من أمثال عادل عيد والشيخ صلاح أبو إسماعيل وغيرهم في مجلس الشعب ظلوا يطالبوا بتطبيق الشريعة بتأييد شعبي واسع. 

-ولذلك عندما أقر مجلس الشعب في نهاية شهر أبريل بعض التعديلات على الدستور التي من بينها جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وعرض الأمر على السادات وجدها الأخير فرصة سانحة لإقرار هذا التعديل الذي كما قلنا آنفًا إنه كان أولًا وآخرًا لحسابه ومصلحته لإيهام المسلمين بأن هذا هو ما يريده وما كان يتمناه «الرئيس المؤمن».

-وهذا التعديل شغل وقت مجلس الشعب لفترة طويلة أثناء المناقشة والأخذ والرد حتى تم له إقراره، كما هدف السادات إلى امتصاص النقمة الشعبية المتزايدة لنظام حكمه وإضفاء صفة «الإيمان» عليه شخصيًا وصفة «الإسلام» على حكمه، وإشغال المخلصين والطيبين بقضية إسلامية لا شك أنها مهمة ولكنها بفضل حكم السادات لن تطبق! 

وهذا التعديل الذي تم التصويت عليه بنسبة تقارب ٩٩%  سيكون ورقة في يد السادات يلعبها متى شاء ضد الجماعات الدينية وخاصة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية. 

-وقد يقول قائل بأن السادات هدد الأقباط وقيادتهم أيضًا، وهذا صحيح ولكن السادات مع الأقباط لم يفعل أكثر من التهديد الكلامي فقط وإذا أراد أن يقوم بحركة مسرحية فلا يستطيع أكثر من أن يعزل الأنبا شنودة ليعين مكانه أنبا آخر.

وحتى هذا العزل مشكوك فيه بسبب العلاقة الحميمة بين شنودة وكارتر الذي يتلقى السادات منه التعليمات.

وهكذا فإن السادات الذي باع نفسه وبلاده والقضية الفلسطينية ليهود دونما ثمن حتى ولو كان تافهًا!! لن يجد نفسه محرجًا ليلعب بوقاحة على جميع الحبال وليفتري فرية كبرى كفرية تعديل الدستور لتطويق المطالب الإسلامية والتغطية على إخفاقه الذريع في كل سياساته البهلوانية.

فهل يدرك ذلك المسلمون أجمعون؟! وبالذات إخواننا المخلصون من المسلمين في مصر؟!

الرابط المختصر :