العنوان الساحة الإسلامية ومفهوم المعارضة والموالاة
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 114
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
من المشكلات الطافية فوق سطح العمل الإسلامي، فضلًا عن الساحة العامة، مشكلة «المعارضة والموالاة» فلا هي تمارس بحق من قبل القياديين، ولا هي كذلك من قبل الأفراد.
فالقياديون يعتبرون كل من خالفهم -ولو بالرأي- هدامًا خارجًا على التنظيم صابئًا عن النهج المعتمد والطريق المستقيم، أما الأفراد فإنهم ينظرون إلى القيادة نظرة أقران وأمثال، لا تفضلهم في شيء أليسوا جميعًا رجالًا، وسواسية كأسنان المشط الواحد؟
وهكذا تبدأ المشكلة وتكبر وتتعاظم، مخلفة أقبح الآثار وأبلغ الأضرار على عموم الساحة الإسلامية وتنظيماتها المختلفة، وبدل أن تسخر الجهود في العمل والإنتاج، وتوحد الصفوف المواجهة التحديات والمؤامرات -وما أكثرها- تنشب الصراعات، وتصفى الحسابات بين أبناء الصف الواحد والمدرسة الواحدة، ويصبح هم كل فريق التخلص من الفريق الآخر، ليتم تكريس المثل الشائع «قم لأجلس مكانك».
وفي هذا السياق يكرم الموالون ويقربون وإن لم يكونوا على فهم وولاء لشرع الله، كما يصل إلى موقع التنفيذ من ليسوا أهلًا، بينما يحارب المعارضون والناصحون ويهمشون ويبعدون.
الخلفية التربوية
لا شك في أن لهذه المشكلة خلفية تربوية على صعيد القيادة والقاعدة، إذ إن مجرد التشبث بالموقع القيادي من طرف، والعمل على الإقصاء من المواقع القيادية من طرف آخر يهبط بالقضية من دائرة الخلاف المبدئي الذي يستهدف تحقيق المصلحة الإسلامية العليا إلى دائرة الخلاف الشخصي الذي تفوح منه روائح «الأنا» والمصالح الخاصة، فضلًا عن التزاحم والصراع على المواقع.
وقد تختفي وراء المشكلة أسباب تنظيمية كعدم تحديد دور كل فريق وحقوقه وواجباته، وقد لا تكون هنالك بنود تنظيمية تشير إلى مواصفات ومعايير مطلوب توافرها في الأفراد كما في القادة.. ثم إنها قد تكون موجودة لكنها على الورق، ومعطلة غير ملحوظة في واقع العمل والممارسة، حيث إن ظاهرة «اقرأ تفرح، جرب تحزن» باتت واسعة الانتشار.
ونتيجة لذلك، يصبح كل طرف مواليًا لنفسه معارضًا لغيره، من غير أن يحتكم الجميع وينزلون على رأي الشرع أولًا، ثم على قرار القيادة ثانيًا، إذ إنها في النتيجة مناط الاجتهاد والمفاضلة بين الراجح والمرجوح.
هل من معارضة في الإسلام؟
لم يرد في الإسلام -شرعًا وتاريخًا- تعبير «المعارضة»، إنما ورد وتكرر تعبير «التقويم»، فالإسلام يتميز في الحقيقة عن النظم الوضعية في أسلوب ممارسة الحكم وحق «المعارضة».. فليس في الإسلام معارضة بالإطلاق، أو موالاة بالإطلاق... وليس في الإسلام ما يجيز الأنماط السياسية السائدة والتي تكرس حالة الانفصام الدائم بين فريقين اثنين يتناوبان على الحكم والمعارضة، ولو من غير جدارة لتولي الحكم أو ذريعة للمعارضة، فما دام هذا الفريق خارج الحكم فهو «معارضة» وديدنه الوصول إلى الحكم بأي ثمن، حيث يتحول أهل الحكم إلى معارضة وهكذا دواليك!
في الإسلام ينعقد الولاء للشرع ابتداءً فيطاع القائد، ويوالى على أساس الشرع وليس على أنه قائد فحسب «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم»، «إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»، «من رأى في اعوجاجًا فليقومه بحد سيفه» من خطب الخلفاء.
هذه القواعد تشترط لموالاة القائد ولاءه للشرع، إذ ليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، والناس عند الله سواء، ومن أبطأ به ولاؤه للشرع لم يسرع به موقعه ولو كان أميرًا للمؤمنين.
»والمعارضة»، أي في المصطلح الإسلامي «التقويم»، تعتبر واجبة وفق الضوابط الشرعية -وليست فقط جائزة- وذلك في حال انتهاك القائد أو الحاكم لشرع الله، وخروجه الصريح على حكم من أحكام الشريعة أو مبدأ من مبادئ الدين «لا خير فينا إن لم نسمعها».
وفي إطار هذا المفهوم يدور الجميع قادة وأفرادًا، حكامًا ومحكومين في فلك الإسلام... فلا تكون الموالاة والمعارضة أسيرة المواقع والمواضع، بل حالة من حالات التقويم لبلوغ الأمثل والأفضل. وبذلك تنعدم المصالح الشخصية وتختفي أمراض الأنانية والشخصانية، ويصبح الجميع فريق عمل واحدًا غايته رضاء الله: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).
فما أحوج الساحة الإسلامية -بشرائحها وتنظيماتها المختلفة فضلًا عن الأمة الإسلامية بدولها المتعددة- إلى صياغة واقعها السياسي وفق هذه المعطيات المميزة التي أسست لولادة خير أمة أخرجت للناس..