العنوان الزوايا المختلفة للصورة بالقرآن
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2015
مشاهدات 55
نشر في العدد 2085
نشر في الصفحة 43
الأربعاء 01-يوليو-2015
كثيراً ما يقدم القرآن الكريم ( الحالة ) التي يتحدث عنها ، من زوايا رؤية عديدة ، فيقطع الطريق على المتشككين ، أو المتشبثين بالرؤية الأحادية ..
{ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } ( سورة الشورى : الآيتان 32-33 ) ..
قد يقول قائل من أولئك المتشككين : وماذا في ذلك ؟ فان سكون الريح إذا كان يؤثر
على السفن الشراعية ويوقف حركتها الأيام والأسابيع الطوال ، فانه لن يؤثر بحال على السفن البخارية ، ومن بعدها الكهربائية ، والذرّية..
وإذا بالقرآن الكريم يدير المنظور فيصفع هؤلاء بإجابته القاطعة : {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } ( سورة الشورى : الآية 34 ) ، حيث يسقط حجتهم ، ويبيّن لهم أن هنالك أكبر بكثير من سكون الريح ، ووقف السفن الشراعية .. هنالك ضرب السفن ، وتفكيكها ، وإغراقها بمن عليها وما فيها في دقائق ولحظات .. أية كانت هذه السفن ... بخارية أو كهربائية أو ذرية .. وما أكثر السفن والغواصات التي أغرقها الله في القرنين الأخيرين حيث لم يتبق مكان للسفن الشراعية التي تدفعها الريح !! وليست حادثة الغواصة الذرية السوفياتية ببعيدة عن الأذهان ..
وليست واقعة السفينة الأسطورة ( تايتانيك ) عام 1912 م ببعيدة عن الأذهان هي الأخرى .. لقد بنيت لكي تكون أكبر سفينة شهدها التاريخ البشري على الاطلاق ، وأقلعت من ساحل إيرلندة لكي تجتاز المحيط الأطلسي في طريقها إلى أمريكا .. ويقف صاحبها الملياردير على سياجها وهي تبدأ رحلتها تلك ، لا ليسمي باسم الله .. ولكن ليقول بان الضمانات التي وضعت فيها تتحدى أي شيء .. لا بل إنه مضى في تبجحه إلى القول بانه يتحدى الإرادة الإلهية إن كانت قديرة على إغراق سفينته العملاقة تلك !!
وفي داخل السفينة وهي تجتاز المحيط ، في صالاتها ، وباراتها ، ومواخيرها ، وغرفها .. مضى المسافرون يرقصون ويشربون ويغنّون .. و .. و .. مطمئنين أشد الاطمئنان إلى أن ناقلتهم تلك لن يصبها أذى .. وأنهم سيصلون آمنين إلى أهدافهم .. وإذا بها على حين غفلة تضرب جبلاً جليدياً لا يظهر منه سوى الخمس ، والأخماس الأخرى مخفية تحت الماء ، فيشطرها شطرين ، ويقودها بمعظم من فيها ، وهم آلاف مؤلفة ، إلى القاع : {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } ( سورة الشورى : الآية 34 )
وحقاً ، إن الله سبحانه وتعالى الغفور الودود الرحيم .. عفا عن الكثير من الحالات المشابهة فوصلت السفن إلى أهدافها بسلام دون أن يصيبها أذى ، رغم ما جرى فيها من موبقات ، ولكنه جلّت حكمته يريد أن يقدم وسيلة ايضاح بين الحين والحين ، يسدّ بها افواه أولئك المتشككين ، أو المتشبثين بالرؤية الحادية فيقود هذه السفينة أو الباخرة أو الغواصة أو تلك إلى مصيرها المفجع.
وهكذا الحال بالنسبة للآية الكريمة : {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ( سورة لقمان : الآية 34 ).
فقد يقول قائل إن جهاز السونار الحديث أخذ يكشف عن نوع الجنين وهو بعد في بطن أمه : ذكراً أم انثى .. فماذا تعني هذه الآية ؟
والطرفان : الله والإنسان يملكان القدرة على معرفة جنس الوليد .. لكن القرآن الكريم لا يقف بعلم الله هنا عند حدود جنس المولود ، ولكنه يمضي إلى خصائصه النفسية والسلوكية ، وإلى مصيره في نهاية الأمر وهو بعد في بطن أمه ، مما يستحيل على العلم البشري مهما ابتكر من الأجهزة ، التوصل إليه.
هذه واحدة .. ولكن الآية القرآنية تمضي إلى ما هو أبعد من ذلك فتقول : {.. وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ..} ( سورة لقمان : الآية 34 ) .. ها هنا ازاء ( ما ) النافية ، حيث يقتصر العلم على الله وحده جل في علاه بما سيصير إليه الإنسان في اليوم التالي .. وفي المكان الذي سيموت فيه !!
إننا بازاء وجهين للصورة الواحدة .. ففي أحد الوجهين علم يمكن أن يتحقق به الإنسان وهو كنه الجنين ، ويشترك به مع علم الله سبحانه وتعالى ، وفي الوجه الآخر علم يختص به الله سبحانه وتعالى وهو التكوين النفسي والسلوكي والمصير الذي سيؤول إليه هذا الكائن الجديد.
فلو مضينا لمتابعة هذا الخطاب الثنائي في كتاب الله فاننا سنعثر على المزيد من الشواهد ، فيما يتطلب بحثاً خاصاً لا يحتمله مقال موجز كهذه ..
إنها في بدء التحليل ونهايته جدلية التوافق بين الآني والمرحلي .. وبين الأبدي المطلق والتاريخي المحدود .. بين المنفك من أسر الزمن والمكان وبين ما يرتبط بسبب النزول .. وبين ما يتجاوز هذا كلّه لكي يتعامل مع الحالة في أطوارها جميعاً بغض النظر عن موقعها في الزمن والمكان .. أو في التاريخ والجغرافيا ..
إن القرآن الكريم يكسر الحدود .. يتجاوزها .. إلى الأفق المفتوح والسماء الكبيرة .. وتلك هي إحدى معجزات هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه !!