العنوان الزكاة والجهاد 2
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 835
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
- في ظل صراعات التسليح أصبحت نفقات الجهاد والدفاع باهظة التكاليف.
يتطلب الجهاد بالمال وذلك من أجل:
۱ - تصنيع وشراء مستلزمات القتال وأسلحته.
٢ - الإنفاق على المجاهدين وأسرهم.
أي أن هناك علاقة قوية بين المال والجهاد، ولذلك جعل الله الإنفاق في سبيل الله بالمال جهادًا، وجاءت آيات الجهاد تقرن التضحية بالنفس بالتضحية بالمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (التوبة:111).
وقد اتفق جمهور العلماء على أن المقصود بهم في سبيل الله هم الغزاة؛ لأن سبيل الله هو الغزو، ويعطى لهم ولو كانوا أغنياء، وهناك من يرى قصر هذا السهم على الغازي الفقير المنقطع للجهاد، ولكن هناك من يوسع دائرة سهم في سبيل الله، ويرى أنه يمثل كل نفقة في سبيل نصرة الإسلام والتمكين لشريعة الله في أرضه.
وعلى كل الأحوال فنحن نرى أن الجهاد يحتاج إلى المال الكثير من نفقات لأجور المجاهدين، إلى الإنفاق على تدريب المجاهدين، إلى تصنيع وشراء مستلزمات القتال وأسلحته، والعالم اليوم في سباق تسلح دائم ومستمر، ويتم رصد الأموال الكثيرة في سبيل ذلك.
والزكاة تمثل معينًا لا ينضب، حيث إن حصيلتها لا پستهان بها، فالسهم الذي يخص «في سبيل الله» يمكن أن يسد جزءًا من حاجة المسلمين إلى الأموال للجهاد، بدلًا من الاستدانة من غير المسلمين بالربا، وما يمكن أن يحتاج إليه الجهاد من أموال بعد ذلك يمكن أن يؤخذ من أغنياء المسلمين، فللجهاد حق في المال غير الزكاة.
دور فريضة الزكاة في تقوية قوة الساعد:
يقوم الجهاد على القوة الجسدية للمجاهدين، على الشباب الذي تربى على حياة الجد والرجولة، على الشباب الذي يمتلئ حماسًا وحمية، ويستطيع أن يستخدم السلاح بقوة مثل قوة عقيدته، وقوة الاتحاد والتلاحم له.
ويحتاج بناء القوة الجسدية للمجاهدين إلى المال لبناء مدارس التعليم الحربي، وإلى مدرسين ومدربين، إلى وسائل التعليم الحربي المتقدمة، وهذا بدوره يحتاج إلى مال، ولا يجوز أن نعتمد في ذلك على التطوع، بل لا بد من معين دائم لا ينضب، ألا وهو «الزكاة».
لذلك نقول: إن زكاة المال ضرورية لبناء القوة الجسدية للمجاهدين، لتمويل نفقات التعليم والتربية والإعداد؛ حتى يصبح عاملًا مجاهدًا صابرًا.
ومما يؤسف له في هذه الأيام أن هناك من المدارس التي تعلم الشباب التراخي والميوعة والانحلال، مثل مدارس الرقص والغناء والتمثيل، وينفق عليها من مال المسلمين، وتعطى الدعم الحكومي، وانقرضت مدارس الجوالة والمعسكرات والتدريب العسكري، وظل محبوسًا في الجيش العلماني الذي يفصل بين التربية العقائدية والتربية العسكرية، فالأمة الإسلامية اليوم في حاجة إلى المال لإنشاء مدارس التربية العسكرية الإسلامية.
للجهاد حق في المال غير الزكاة:
فبداية يمكن تمويل الجهاد في سبيل الله من حصيلة أموال الزكاة.. مع عدم إغفال الجوانب الأخرى الهامة في تخصيص أموال الزكاة.
إلا أنه وفي ظل صراعات التسليح بين الدول.. والتقدم التكنولوجي الرهيب في ميدان صنع السلاح، والسباق النووي بين الدول غير الإسلامية.. كل ذلك يجعل نفقات الجهاد والدفاع من قبل المسلمين باهظة التكاليف، بحيث إن أموال الزكاة قد لا تكفي لتوفير هذه النفقات في سبیل إعلاء كلمة الله تعالى.
من هنا يبقى أمام الدول الإسلامية طريقان لا ثالث لهما:
الأول: الاستدانة من العالم الخارجي غير المسلم.
الثاني: الاعتماد على النفس.. ومساعدة اغنياء المسلمين لعامتهم.
أما بالنسبة للطريق الأول، وهو أخذ القروض من العالم الخارجي غير المسلم إما لشراء السلاح من دول أخرى غير مسلمة أيضًا، أو من خلال الاستيراد المباشر للسلاح.. والأمثلة على ذلك كثيرة بين الدول الإسلامية مثل مصر وليبيا، بالإضافة إلى أن بعض الدول مثل السعودية تستورد الأسلحة عن طريق مقابضة البترول بها... إلخ من الأمثلة، والتي تؤدي إلى وقوع المسلمين في فخ التبعية للعالم الخارجي.. مع إرهاق كاهل اقتصاد الدول الإسلامية لزيادة أعباء خدمة هذه الديون من أقساط وفوائد.
أما الطريق الثاني فهو اعتماد الدول الإسلامية على نفسها من خلال الأخذ من أغنيائهم لمساعدة فقرائهم.. وذلك ينطبق داخل الدولة الواحدة، أو على مستوى جميع الدول.. بأن تساعد الدول الإسلامية الغنية «وأمثلتها دول النفط» الدول الأخرى الفقيرة في التسليح والدفاع عن الإسلام والمسلمين.. ومن هنا كان للجهاد حق في المال غير الزكاة.
نماذج من حياة الصحابة عن المال والجهاد:
إن حياة الصحابة- رضوان الله عليهم- مليئة بالفداء والتضحية في سبيل الله بالمال والنفس، ومن أول مواقف أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- بعد توليه الخلافة هو موقفه من العرب المرتدين، فجمع المهاجرين والأنصار وقال: إن هؤلاء العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم، ورجعوا عن دينهم.. إلى آخر قوله، واستشار أبو بكر عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- في أمر هؤلاء المرتدين؛ فقال عمر بن الخطاب له، أرى أن تقبل من العرب الصلاة، وتدع لهم الزكاة... فالتفت إلى عثمان- رضي الله عنه- فقال مثل ذلك، وقال علي- رضي الله عنه- مثل ذلك، وتابعهم المهاجرون والأنصار... وبعد ذلك قال الخليفة أبو بكر- رضي الله عنه- قولته: والله! لو منعوني عقالًا مما كانوا يعطونه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لجاهدتهم حتى تلحق روحي بالله، إن الله لم يفرق بين الصلاة والزكاة، ثم جمعهما.. فكبر عمر وقال: والله قد علمت والله أن قتالهم الحق»..
ونخلص من هذا الموقف لأبي بكر- رضي الله عنه- مدى الترابط بين الفرائض، وأن الإسلام كل لا يتجزأ.
وقد أخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري- رضي الله عنه- قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة».
ومن أمثلة إنفاق الصحابة في سبيل الله، لما خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وخرج أبو بكر- رضي الله عنه- معه، احتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه.. وقد تقدم أن أبا بكر- رضي الله عنه- أعطى ماله كله أربعة الاف درهم في غزوة تبوك.
أيضًا جاء عثمان- رضي الله عنه- إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بألف دينار حين جهز جيش العسرة، ففرغها عثمان في حجر النبي- صلى الله عليه وسلم- فجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- يقبلها ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» قالها مرارًا.. وفي رواية أخرى أن عثمان- رضي الله عنه- بعث بعشرة آلاف دينار، فصبت بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتجهيز جيش العسرة.
وعن إنفاق عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أنه تصدق على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.
وهذه بعض من نماذج من حياة صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي تبين كيف كان جهاد الصحابة في سبيل الله، ومدى العلاقة بين المال والجهاد.
الخلاصة:
مما سبق يمكننا بيان مدى قوة العلاقة بين القوة العقائدية والقوة المادية، وبين الزكاة والجهاد، فالإسلام نظام شامل ومتكامل، ولا يقبل التجزئة، وتأتي أول العلاقة بين الزكاة والجهاد، من أن الزكاة عامل قوي يزكي عند الفرد عقيدة التضحية في سبيل الله... وهو ما يؤدي تباعا إلى تعود المسلمين على الإنفاق في سبيل الله.. فالله هو الرازق وخالق المال وصاحبه.
ثم إن الزكاة تعمل على الترابط وتماسك الصف الإسلامي، والترابط بين المجاهدين بالنفس والمجاهدين بالمال، وبين جميع أفراد المجتمع المسلم، وأن الجهاد يتطلب هذا الترابط والاتحاد.
أيضًا أهمية المال للجهاد من حيث التجهيز بالسلاح والعتاد، والإتفاق على المجاهدين، والزكاة خير معين على توافر هذه النفقات.. وليس شرطًا أن تسدد كل هذه النفقات.. بل تسد جزءًا هامًّا منها.. أما الجزء الآخر فلا بد من تعاون الدول الإسلامية على توفيره... إذ إن للجهاد حقًا في المال غير الزكاة... حتى لا نعتمد على ديون العالم الخارجي غير المسلم في مهمة الجهاد في سبيل الله.
وأخيرًا... كانت الأمثلة العظيمة من حياة ومواقف الصحابة لخير دليل على أهمية المال في دفع فريضة الجهاد إلى الإمام... وكيف أنه ركيزة أساسية لهذه الفريضة.
تعقيب:
إن إحياء فريضة الزكاة هي واجب الحكام المسلمين، وواجب كل مسلم.. ولا بد من أخذ الإسلام بشموليته وتكامله.. ولا نفرق بين فريضة وأخرى.. أيضًا لا بد من وضع هدف الجهاد نصب أعيننا، وأن تعتمد الدول الإسلامية على نفسها أولًا قبل غيرها.. حتى لا تسلب قواها الاقتصادية والسياسية بحيل الدول غير الإسلامية.
وفق الله المسلمين لإحياء فرائض الإسلام، وخاصة فريضتي الزكاة والجهاد... حتى يقوى المسلمون على إعلاء كلمة الحق تبارك وتعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل