العنوان الزكاة والجهاد دحض مفتريات حول العلاقة بين الزكاة والجهاد
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1987
مشاهدات 67
نشر في العدد 834
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-سبتمبر-1987
• الزكاة تدرب أفراد المجتمع المسلم على التعاون والترابط والثقة وهذا من متطلبات الجهاد
قد يظن البعض أن ليس هناك علاقة بين الزكاة والجهاد، ومن البديهي أن هذا قد يتناقض مع كون الإسلام نظام متكامل ومتناسق وكامل ولا يقبل التجزئة، فالمنهج الإسلامي يتكون من مجموعة من الأجزاء المترابطة المتناسقة التي يكمل بعضها بعضًا، والتي تعمل سويًا وفقًا لقواعد الشريعة الإسلامية؛ لتحقيق الحياة الطيبة للفرد في الدنيا والفوز برضاء الله في الآخرة.
لذلك يصعب تطبيق جزء وترك جزء آخر؛ وذلك حتى لا ينطبق علينا قول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85).
ومن ذلك نرى أن هناك علاقة تبادلية بين الفرائض بعضها البعض، ولا يجوز فصل جزء منه وإدخال جزء غريب عنه، فالمنهج الإسلامي لم يترك أي جانب من جوانب حياة الإنسان إلا وضع له نظامًا ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 38). وبذلك نجد أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين فريضة الزكاة والجهاد، ولكي نتعرف على الروابط بين فريضة الزكاة وفريضة الجهاد، وكذلك دور الزكاة في إعداد القوة الجهادية، فإن ذلك يتطلب منا أن نبين مفهوم ومقومات الجهاد كمنطق أساسي لبيان دور الزكاة في إيجاد هذه المقومات.
مفهوم ووسائل ومقومات الجهاد وحاجته إلى المال
مفهوم الجهاد:
هو التضحية بالمال وبكل ثمين لجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، هو التمكين لدين الله في الأرض، وهو بلا ريب ذروة سنام الإسلام، وهو الركن السادس بعد الأركان الخمسة للإسلام، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حث معاذ بن جبل عن الإسلام فقال: «وذروة سنامه الجهاد». وعندما سأل عن أفضل الناس؟ فقال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله».
سبل الجهاد في الإسلام
وسبل الجهاد كثيرة ومتعددة؛ حتى يتمكن كل مسلم بأن يحظى بشرف الجهاد منها:
1- الجهاد بالكلمة: وتبليغ دعوة الله:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 52).
2- الجهاد بالسيف:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (التوبة: 5).
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123).
3- الجهاد بالمال:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة: 20).
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41).
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ (التوبة: 111).
مقومات الجهاد في الإسلام:
تتمثل مقومات الجهاد في الآتي:
1- قوة عقيدة المجاهدين:
فالإنسان المسلم لا يستطيع الجهاد في سبيل الله إلا إذا كان قوي العقيدة، يحب دينه، ويرجو له النصرة، ولا يخشى في الله لومة لائم، مصداقًا لقول الله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54).
والمسلم يقاتل في سبيل الله كالأسد الجسور، فهو يرجو من الله إحدى الحسنيين أما النصر أو الشهادة، وما يعبأ بما يحدث له في سبيل ذلك ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104).
قوة الاتحاد والترابط بين المسلمين والمجاهدين:
فيجب أن يكون الصف المسلم متماسكًا مترابطًا، يحب كل مسلم الآخر، ويخفض له جناحه، ويؤثره على نفسه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
2- قوة الساعد:
ويقوم الجهاد على المجاهد قوي الساعد بعد قوة العقيدة وقوة الاتحاد، ويتطلب ذلك تربيةً وتدريبًا وجلدًا وصبرًا، ولقد اهتم الإسلام بذلك، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل» إشارةً إلى الاهتمام بتربية الشباب، ويقول في حديث آخر: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» رواه مسلم، وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60) ثم قال: «ألا أن القوة الرمي، ألا أن القوة الرمي، ألا أن القوة الرمي» وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر على أصحابه في حلقات الرمي، فيشجعهم ويقول لهم: «ارموا وأنا معكم كلكم».
قوة السلاح اللازم للجهاد:
فالجهاد يجب أن يقوم على إعداد قوى وأخذ كامل بالأسباب، وبهذا يستحق المسلمون نصر الله تعالى؛ لأنهم نفذوا أمره مصداقًا لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60)، ويتطلب الأخذ بالأسباب توفير السلاح القوي المتطور الذي يعتمد عليه المجاهد في أداء مهمته، فلا تغني قوة العقيدة والاتحاد والساعد عن قوة السلاح، ولا تغني قوة السلاح عن قوة العقيدة والاتحاد والساعد، وهذا يتطلب المال للتصنيع أو الشراء والتدريب عليه.
هذا وسوف ندرس في الصفحات التالية دور الزكاة في توفير مقومات الجهاد.
دور فريضة الزكاة في إعداد القوة العقائدية للمجاهدين:
إن الإنسان بطبيعته يحب المال؛ لأنه من أهم عوامل المتاع في الحياة الدنيا، فالإنسان يحب المال إما لذاته؛ أي لمجرد أن يكون في حوزته المال، أو يحب المال ليحصل عن طريقه على ما يشبع شهواته. وقد قال الله تبارك وتعالى مبينًا هذه الطبيعة الإنسانية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14).
ويقول الله تبارك وتعالى للناس: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20)؛ لذلك فإن المال عزيز على النفس البشرية، والمزكي يزداد إيمانه وتزكو نفسه حينما يخرج الزكاة، فإنه يجعل نفسه تعتاد على الامتثال والطاعة لأمر الله تعالى، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يوطن نفسه على الإيثار والبذل والعطاء ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).
وبهذا نجد أن الزكاة تدرب الإنسان على الجهاد ضد هواه وغرائزه، فعندما يضحي بالمال الذي يحبه من أجل الدعوة الإسلامية؛ ففي ذلك جهاد وكبح لهوى النفس.
والجهاد يتطلب مجاهدين تربوا على الإيمان القوي بالله.
دور فريضة الزكاة في إعداد قوة الاتحاد والترابط بين المجاهدين:
يتطلب الجهاد تماسك الصف الإسلامي، وقوة الترابط بين أعضاء المجتمع المسلم، بين المجاهدين بالنفس والمجاهدين بالمال. وبين الأمير أو القائد والجندي، وبين جميع أفراد المجتمع المسلم ككل، ولقد أشار القرآن إلى ذلك، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 36).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ويتطلب الجهاد كذلك اتحاد فصائل المجاهدين، وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ (آل عمران: 103)، وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، وقوله ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).
وهذه الأمور جميعًا نستشعرها في فريضة الزكاة، فهي تعمل على تقوية التعاون والتكافل والتضامن بين الغني والفقير، وبين الراعي والرعية، وبين المزكي والعامل على الزكاة، ولقد عبر القرآن عن ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).
والزكاة تظهر المجتمع المسلم من الحقد والبغضاء والكراهية، وأساس ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 75): وقوله أيضًا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).
وهكذا نجد أن الزكاة تدرب أفراد المجتمع على التعاون والترابط والثقة، وهذا من متطلبات الجهاد، فلا جهاد بدون وحدة الصف، ولا جهاد بدون تعاون ومحبة وأخوة في الله، ولا زكاة بلا ترابط ولا ثقة بين القائد والجندي.