العنوان الروس والأمريكان والعالم الآخر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 510
نشر في الصفحة 12
الأربعاء 07-يناير-1981
● من الذي يحكم كلًا من أمريكا والاتحاد السوفياتي؟
▪ سياسة المصالح هي التي توجه التحرك الروسي والأمريكي في العالم وفي مصير حلفائهم أيضًا.
● المحرك السياسي للأمريكان والروس:
● -الكاتب الصحفي الغربي كتب مقالًا تحت عنوان «مع كارتر أو ريغان.. الإمبراطورية واحدة» حاول أن يوضح فيه الموقع الحقيقي للسياسة الأمريكية.. مبينًا أن المركز الرئاسي ليس هو المحرك للسياسة الداخلية والخارجية للحكومة.. وإنما هناك كيان يشبه كيان الإمبراطوريات.. تنبعث كل السياسات من خلاله. ولعل الكاتب يقصد أن يشير إلى ما كنا سجلناه في المجتمع من أن السياسة الأمريكية محكومة لمؤسسات عديدة «الإعلام - الاقتصاد - اللوبي اليهودي - بيوتات المال.. إلخ» بحيث يبدو الرئيس الأمريكي - وأي رئيس رجلًا منفذًا لسياسة هذا الهيكل.
● -وهذه الحقيقة تنطبق على سياسة الاتحاد السوفياتي.. حيث إننا لا نستطيع أن نزعم بأن بريجنيف وحده هو الذي يوجه السياسة الروسية.
من هنا تحصل وتنبع التناقضات لدى كتاب السياسة، حيث يحسبون أن فلانًا وفلانًا هم أقرب إلى العرب.. أو اليهود. ولنأخذ مثلًا على ذلك بالتناقضات التي وقع فيها المعلقون السياسيون حول انتخاب رونالد ريغان للرئاسة الأمريكية، وهي تناقضات تشير إلى جهل أولئك المحللين بواقع سياسة الدول الكبرى، حيث إن وجود المؤسسات المذكورة أعلاه.. ستجعل واشنطن لن تغير من سياستها إلا في بعض المواقف الطفيفة.
سياسة المصالح:
على مثل هذه الحال كانت الإمبراطوريات الكبرى في العالم، إنها لا تنطلق في سياساتها مع العالم الآخر إلا من خلال تنفيذ مصالحها، ومن السهل فهم ما يمكن وراء هذه الحقيقة، فمنذ بدايات التاريخ والإمبراطوريات القليلة هي التي تسيطر على شعوب العالم الضعيف، ولعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يعيشان اليوم مع العالم الآخر وفق هذا الأسلوب الذي كانت تعمل بمقتضاه الإمبراطوريات التاريخية الكبرى، حيث إنها كانت لا تعتبر نفسها ملزمة بأية اتفاقية دولية، ولا بأية اعتبارات إقليمية وهي تمارس القوة التي تتمتع بها في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة، مهما كانت اتجاهات الزعامة الحاكمة فيها.
إذًا فالدولتان الكبريان اليوم «أمريكا والروس» لن يبالوا يوم من الأيام بالدول الأقل حظًا منهما في القوة والإمكانات فيما لو تعرضت مصالحهما لأي خطر.. بل إن أيًا من الدولتين الكبريتين.. لا تعتبر نفسها مسؤولة عن إنقاذ الآخرين.
فوزارة الخارجية الأمريكية مثلًا، غير مكلفة بإنقاذ أوربا أو مساندة هذه الدولة أو
تلك للبحث عن تحالف مع دولة دون أخرى، وإنما الذي تهتم به أولًا هو البحث عن اتساع رقعة الإمبراطورية الأمريكية. ورقعة تنافسها مع الإمبراطوريات الأخرى. وإذا استقرأنا واقع السياسة الدولية، فإننا لن نجد سوى الإمبراطورية الروسية التي يمكن أن تملك مثل هذه الأهداف والقدرات.
العالم بين إمبراطوريتين:
ومن خلال المنطلقات السابقة يمكن أن تلاحظ ما أراده «بيا روسي» فيما يلي:
من المستحيل الآن أن نبحث عن أي حل ديبلوماسي أو اقتصادي خارج الحوار السوفياتي الأميركي، ففكرة الطريق الثالث مجرد خيال لا يمكن تحقيقه، ذلك أن الطريقة التي تمت بها تسوية النزاعات الإقليمية، والطريقة التي ستتم من خلالها غدًا تسوية النزاع العراقي الإيراني، تبرهن على هذه الحقيقة برهانًا أكيدًا.
ولنأخذ أيضًا الطريقة التي انتهت بها «موقتًا ولوقت قد يدوم» الحرب بين العرب والصهاينة، فمن غير الجدي التفكير بإمكانية أوروبا أو الصين على القيام بدور حاسم في تسوية هذه الحرب، لأن على كافة المسؤولين في الديبلوماسية الدولية أن يتحركوا داخل نطاق التحرك الأميركي السوفياتي، لا خارجه. هنا لا نستطيع إلا أن نتذكر الحرب الشهيرة تاريخيًا بين إسبرطة وأثينا. إنها تشكل خرافة رائعة لكتب التاريخ المدرسية، فتحت رعاية ملك بابل كانت تجري المعارك والمباحثات السلمية.
وها نحن في عالمنا اليوم بين إمبراطوريتين متنازعتين: موسكو وواشنطن. وفي الوقت الذي تستخدم فيه واشنطن أسلحة الدولار والنفط والذرة وشبكات التجسس والجيش لبسط نفوذها، تستخدم موسكو المجموعات الشعبية أو الوطنية التي تحاول أن تجذبها إليها سياسيًا، والغاية الواحدة لدى الفريقين تبرر الوسائل.
والكلمات تمضي، بينما تبقى الحقائق. ولنراهن منذ الآن على أنه سيكون هنالك تفاهم كبير بين ريغان وبريجنيف، كما كان ذلك بين بريجنيف وإسلاف ريغان،
ذلك لأن الخلاف بينهما مجرد عمل هزلي، يهدف إلى إبقاء التحرك الديبلوماسي مفتوحًا ضمن دائرة ضيقة. إن الاستقبال الحار الذي لقيه نيكسون في الكرملين يشير بصورة كبيرة إلى العلاقات الطيبة بين موسكو الشيوعية وواشنطن في ظل الحكم الجمهوري.
ولا نستطيع أن ننسى الدور الحاسم الذي لعبته الولايات المتحدة الأميركية لصالح الثورة الروسية عام ١٩١٧.
كيف فاز ريغان!
ومن خلال الرؤية السابقة يمكن لنا أن نرد على من أدعى من المراقبين أن انتصار السيد رونالد ريغان جاء نتيجة لتمرد الرأي العام الأمريكي ضد الإهانات التي تعرض لها.. وضد سياسة الاستسلام التي كان يلاحظها على مواقف الرئيس كارتر.. و يا لهذه الأقاويل من بلاهات..
ففي الولايات المتحدة -وهذا معروف لكل من خبر الشعب الأميركي- نجد المواطنين الأمريكان لا يملكون ثقافة تاريخية أو سياسية.. وإنما يعيشون تحت نفوذ وسائل الإعلام السحرية التي تقود الرأي العام الأمريكي كما يُقَاد الحمار إلى الحقل.
ومن هنا يجب أن يكون السؤال طالما أن الشعب الأمريكي لا يعرف شيئًا:
● من هو الذي ينظم الحملة الانتخابية في أمريكا؟
● وما مصادر الأموال التي تدفع لذلك؟
هذا سؤال نطرحه هنا، لأن كل التحركات الديبلوماسية والسياسية الكبرى تتمم دائمًا في ظل قانون الصمت!! وهكذا سقط كارتر.. وفاز ريغان!!
لكن.. إلى متى سيظل العالم محكومًا لقانون الصمت هذا؟ ومتى سوف ينعتق من النفوذ الأمريكي والمصلحة الروسية؟؟. هذا لن يكون إلا إذا فعلت درجة التصميم عند الشعوب ذروتها.. ومن ثم اقترنت تلك الرغبة وذلك التصميم بالمبدأ.. عندها يمكن أن يكون لنا حديث آخر.
كيف ينظرون إلينا؟:
ومما يدعو إلى الدهشة أن بعض المسؤولين العرب أو الفلسطينيين رأوا في انتخاب رونالد ريغان مساندة إضافية للصهيونية، في حين أن واشنطن لم تخلق إسرائيل إلا لتجعل منها دولة كاملة على غرار الإمبراطورية الأميركية، فلماذا لا تواصل واشنطن الدفاع عن أمن إسرائيل وتشجع نواياها التوسعية باستمرار، وطالما كان ذلك ضروريًا.
ما يهم اليوم بالنسبة لمستقبل فلسطين لا يتعلق بموقف وزارة الخارجية الأميركية من القدس أو نهر الأردن، بل يتعلق بما يحدث أو سيحدث في المواقع الإستراتيجية التي هي قناة السويس وشط العرب والخليج وأفغانستان وعدن وأثيوبيا والمحيط الهندي والشواطئ الشرقية للمتوسط، وتركيا، فهناك.. في المفازات الواسعة لهذه المناطق يتقرر مصير فلسطين والعالم العربي.
وما نشاهده اليوم هو أن الأطماع الأميركية السوفياتية أصبحت كبيرة في تلك المناطق من العالم. ومن هنا ضرورة التوصل إلى إيجاد نظام عالمي جديد قبل استيقاظ الهند والصين والمرشحتين بدورهما للدخول في طور الإمبراطورية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا سيكون وزن العواطف الشخصية للسيد ريغان أو السيد كيسنجر أمام مثل هذا الأفق الجديد؟
الجواب بالطبع: «لا شيء».
وهذا يعني أن الأفراد، سواء كانوا أقوياء أو ضعفاء، ذوي رؤية واضحة، أو بسطاء عاجزون عن إحداث أي تغيير في المواقف المصيرية، والتي تتم إذا أحوج الأمر على غير علم منهم.