العنوان الرماد البركاني.. إنذار رباني
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010
مشاهدات 73
نشر في العدد 1900
نشر في الصفحة 14
السبت 01-مايو-2010
البركان خلّف ما يشبه قطعًا زجاجية صغيرة واستنشاقها يمزق النسيج الرئوي
من أشهر البراكين في التاريخ بركان «فسوفيوس» عام 79م ودمر خلال ساعات مدينتي الحـضارة الرومانية القديمة
١٥٠٠ بركان موجودة على الأرض.. وما بين ٥٠ إلى ٧٠ بركانًا ينشط سنويًا
لقد ظن الإنسان أنه ملك الفضاء ولم يعمل حسابًا لقدرة الله سبحانه وتعالى وجنوده في السماوات والأرض
تسبب في إلغاء 100 ألف رحلة طيران داخل أوروبا بلغت خسائرها 1.7مليار دولار
خبير البراكين «بل ماجواير»: هناك براكين أشد فتكًا مثل بركان «كاتلا» الذي من المتوقع أن يثور خلال العام المقبل
يرسل الله سبحانه جنوده بين الحين والآخر ليوقظ الإنسان على الحقيقة الكبرى، وهي وجود الله وأحقيته بالخلق والأمر، وأنه ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 16)، وأنه (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ( سورة الأنبياء: 23) ، وأنه مهما بلغ الإنسان من علم فإن ﴿فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ( يوسف: 76)، وأن التكنولوجيا المتطورة تقعد عاجزة مكتوفة الجناحين حين يشاء الله أن تقعد !
لقد ظن الإنسان أنه ملك الفضاء وأنه يستطيع الطيران حرًا، ولم يعمل حسابًا للقدرة الإلهية وجنوده في السماوات والأرض. ولا يزال الإنسان يفعل ذلك ﴿...إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: 24).
بدأت الحياة تعود لمطارات عدد من الدول الأوروبية بعد أسبوع من التوقف العام، نتيجة الرماد المنبعث من بركان أيسلندا الثائر الذي خلف سحابة رماد بركاني تسببت في إلغاء أكثر من ١٠٠ ألف رحلة جوية داخل أوروبا خلال الأيام الماضية، وتسببت في انقطاع السبل بملايين الناس، وقد يستغرق الأمر أسابيع أخرى لإعادة الركاب إلى بلادهم.
ويقول علماء في أيسلندا: إن البركان الثائر في جنوب البلاد ما يزال يلفظ حممًا بركانية، والرماد البركاني شهد تراجعًا، إلا أن الأمر قابل للتطور، فقد تتصاعد سحب الغبار من أسفل طبقات الجليد في «أيافيا تلا يوكوتلا» التي تبعد نحو ۱۲۰ كيلومترًا جنوب شرقي العاصمة.
وتعتبر هذه هي ثاني ثورة بركانية في أيسلندا خلال أقل من شهر، ولا يزال البركان ينفث كميات هائلة من الرماد والبخار في طبقات الجو العليا، وقد اندلعت ثورة البركان تحت نهر جليدي كبير مما تسبب في سيول فجائية، واحتوت المياه المذابة على قطع من الجليد يبلغ حجم بعضها حجم الشاحنة!
لماذا شلت المطارات؟
تقول شركة «إيرباص» لصناعة الطائرات: إنه يجب عدم التحليق عبر غيمة غبار بركان، لأن ذرات الغبار يمكن أن تربك تدفق الضغط العالي لغازات الاحتراق وتتسبب بإغلاق المحركات، بحيث يتعطل تمامًا خلال منتصف الرحلة الجوية.
وقد ألحق الوضع الناجم عن السحابة البركانية خسائر تقدر بمئات ملايين الدولارات بشركات الطيران التي جمدت الكثير من رحلاتها، وقدرت الجمعية الدولية للنقل الجوي «أياتا» الخسائر الناجمة عن هذه الكارثة على حركة النقل الجوي بـ ۲۰۰ مليون دولار يوميًا، بالإضافة إلى مليارات الدولارات الأخرى جراء تأثر إقتصادات القارة الأوروبية بهذا الإغلاق.
وحتى كتابة المقال، أعلن أن الخسائر ۱٫۷ مليار دولار (۱)، وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة الخطوط الجوية البريطانية أن تكلفة تعطل حركة الملاحة الجوية بسبب بركان أيسلندا تقدر بين ۱٥ و ۲۰ مليون جنيه إسترليني «ما يزيد على ٣٠ مليون دولار» يوميًا .
ولا تقتصر الخسائر على شركات الطيران الأوروبية في الدول التي أغلقت مطاراتها ومجالها الجوي، فطيران الإمارات أعلنت أن توقف الطيران فوق أوروبا: كلفها خسارة بنحو ٥٠ مليون دولار على الأقل، تليها شركة طيران الاتحاد، التي أوقفت ما يزيد على ٨٠ رحلة حتى الآن، ثم شركة مثل مصر للطيران التي تخسر ما يقارب مليوني جنيه مصري «أكثر من ٣٦٠ ألف دولار» يوميًا .
وأشارت تقارير إلى تأثر كبير للحركة التجارية من خلال الصادرات والواردات، وأن التأثير السلبي يتفاقم كلما استمر انتشار وتوسع السحابة البركانية، ويتوقع اقتصاديون أن لانتشار السحابة البركانية تأثيرًا على الكثير من مظاهر الحياة، بدءًا من تأخير حركة البريد إلى عدم توافر العديد من السلع، وستكشف الأيام القادمة حجم الخسائر التي نجمت.
خطورة الرماد البركاني
الدكتور «جاي ميلير» الباحث في مجال الكيمياء الجيولوجية وعلوم الصخور النارية المتحولة من جامعة تكساس، يحذر من أن أكبر أخطار الرماد البركاني الناجم عن انفجار بركان أيسلندا، هي احتواؤه على قطع شبيهة بالزجاج يمكنها إغلاق محركات الطائرات.
ويصف هذا الرماد بـ «القاتل الحقيقي» لأن استنشاقه يمزق النسيج الرئوي، مشيرًا إلى دور البيئة المحيطة في زيادة خطورة نوعية الجسيمات التي يحويها الغبار المنبعث من هذا الرماد البركاني.
فاصطدام الصهير البركاني -البالغة درجة حرارته ۱۲۰۰ درجة مئوية- بالماء الذي تقترب درجة حرارته من التجمد ينتج رمادًا بركانيًا يحوي قطعًا شبيهة بالزجاج. ومعظم البراكين في أيسلندا تثور مرة واحدة كل خمس سنوات تقريبًا، وهو ما يحدث على شكل ثورات بسيطة نسبيًا، باستثناء ما حدث عامي ۱۷۸۳ و ١٩٤٣م حين غطى الرماد البركاني معظم أوروبا، وذلك على نحو مشابه لما يحدث الآن.
ويتوقع «د. ميلير» أن يستمر البركان الواقع أسفل نهر جليدي بجنوب أيسلندا في ثورانه مدة من الزمن، لأنه من الصعب التنبؤ بسلوك البراكين الموجودة في هذا الجزء من العالم، والتي غطى رمادها البركاني مسافة تتراوح بين ٦ و ١٢ كيلومترا في الجو (٢).
عدد البراكين
العدد الدقيق للبراكين في العالم غير معروف، ويتوقف أيضًا على تعريف البركان، فعلى سبيل المثال، هناك «الحقول البركانية» التي تضم مئات من مراكز الثوران الفردية وتكون محسوبة على فوهة بركان «واحد».
وربما يكون هناك الملايين من البراكين التي نشطت خلال عمر الأرض الكامل، وخلال العشرة آلاف عام الماضية، يقول العلماء: إن نحو ۱5۰۰ بركان نشطت على الأرض، في حين أن هناك عددًا أكبر من البراكين غير معروف تحت الماء.
وفي الوقت الحاضر هناك حوالي ٦٠٠ بركان انفجرت، في حين يوجد حوالي ٥٠- ٧٠ بركانًا ينشط في كل عام، وفي المتوسط هناك نحو ۲۰ بركانًا تتفجر (3).
ومن أشهر البراكين، ولعله أولها من حيث تسجيل انفجاراتها في التاريخ الحديث، وأكثرها دمارا بركان «فسوفيوس» بإيطاليا الذي انفجر عام ٧٩ بعد الميلاد ليدمر في خلال ساعات قليلة مدينتي الحضارة الرومانية القديمة «بومبيي» و «هركيولانيوم».
وقد غطى الرماد البركاني المدينتين لدرجة أنهما لم يكتشفا إلا عام ١٧٤٨م بعد اكتشاف جزء من الجدار الخارجي لإحدى المدينتين، ولم يهدأ هذا البركان بل انفجر عدة مرات كان آخرها عام ١٩٤٤م.
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ( القمر: 49)
تمد البراكين الأرض بما تلقي على سطحها من عناصر، كما أنها تخلصها من الضغوط المرتفعة القابعة داخل طبقات الأرض السفلى، ما يحافظ على الأرض من الانفجار والتشتت في الفضاء حسب رأي العلماء.
ويقول الدكتور زغلول النجار العالم الجيولوجي: إن «كل الظواهر الأرضية والكونية لها فوائد مباشرة وغير مباشرة»، فالبراكين رغم ما يصحبها من أخطار تجدد إثراء الغلاف الصخري للأرض بالثروات المعدنية، وينبثق من فوهاتها كميات هائلة من بخار الماء، والعديد من الغازات التي تجدد غلاف الأرض المائي، وتجدد تركيب غلافها الغازي.
فالزلازل والبراكين والحركات البانية للجبال -على الرغم من أخطارها والأخطار المصاحبة لها- تلعب أدوارًا أساسية في إعادة ضبط الظروف العامة للأرض، وإثراؤها بما تحتاجه من ثروات معدنية ومائية وغازات.
والجديد هو ما زعمه عالم بريطاني أن ما تقذفه البراكين من غازات ورماد يلطف الجو، أو بعبارة أدق يبرد الغلاف الجوي لكوكب الأرض «!».. والعالم «جواتسي» وزملاؤه في جامعة «ميلتون كينيس» عززوا اكتشافهم بتجربة مثيرة، تثبت بشكل تجريبي صحة قولهم، حيث قاموا بنثر مركب كبريتات الصوديوم في مستنقعات بشمال أستكلندا، وبعد عامين اكتشفوا أن انبعاثات غاز الميثان من هذه المستنقعات انخفضت بنسبة ٤٠%، وما زالت مستويات مركبات الكبريت عالية في المستنقعات، وهو ما قادهم إلى استنتاج أنه في مدة تتراوح من ٥ إلى ١٠ سنوات فإن انبعاثات الميثان من تلك المستنقعات سوف تنخفض وتعود إلى معدلاتها الطبيعية (4).
هل القادم أشد فتكا؟
بحسب صحيفة «الإندبندنت»، فإذا كان هذا البركان الذي ثار في ١٤ أبريل، عطل 100 ألف رحلة جوية وأضر بقطاع السفر الجوي وأعاق سفر مئات الآلاف من البشر، ولكن هناك براكين أخرى أشد فتكًا مثل بركان «كاتلا» المتوقع أن يكون أكثر فتكًا.
فعلى مدى الألفي عام الماضيين، كلما ثار بركان «أيافيا تلايوكوتلا»، تلاه بركان «كاتلا» في غضون ستة أشهر، حدث ذلك ما بين ۱۸۲۱ و ۱۸۲۳م.
وتنقل «الإندبندنت» عن خبير البراكين «بل ماجواير» الذي يشارك في اجتماعات لجنة الحكومة البريطانية للطوارئ قوله : «لن يكون مفاجئًا أن يثور «كاتلا» خلال العام المقبل، إلا أن مدى تأثيره على بريطانيا وغرب أوروبا يعتمد على وضع الرياح حينئذ».
فبركان «كاتلا» أكبر من بركان «أيافيا تلايوكوتلا» عشر مرات، وعليه غطاء ثلجي أكبر، وهو عبارة عن مزيج من الماء البارد والحمم التي تؤدي إلى انفجارات هائلة وقذف الرماد إلى ارتفاعات أعلى (5).◘
الهوامش
(1) Flights resume as ash fear recedes
http://news.bbc.co.uk/1/hi/ business/8634147.stm
(2) http://www.aljazeera.net/NR/ exeres/030ABE934026--6908- B2084538-C7627929.htm
(3) How many volcanoes are there in the world?
http://www.volcanodiscovery.com/ en/volcanoes/faq/how_many_ volcanoes.html
(4) http://www.islamonline. net/arabic/science/200604// article06.shtml
(٥) الإندبندنت البركان الأيسلندي القادم أكثر فتكًا
http://www.bbc.co.uk/arabic/ inthepress/2010100416/04/_ am_pressreview_tc2.shtml
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل