العنوان الرفق من صفات الدعاة- الحلقة الثانية
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980
مشاهدات 84
نشر في العدد 489
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 15-يوليو-1980
- عندما تنضج الثمار
إن هذه المراحل التي يجتازها الداعية لكي يصل إلى مستوى الرفق بالإنسان لهي كالبذور عندما تغرس في التربة ثم تظهر علامات النمو عليها بانشقاقها وخروج خط أخضر مائل إلى اصفرار ما يلبث حتى يكون وريقات ثم ساق لينة ثم تنمو كشجرة ذات أغصان وثمار، ولندع سيد رحمه الله يحدثنا عن هذا النمو فيقول: «عندما تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير، نعفي أنفسنا من أعباء ومشقات كثيره! إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين لأننا سنكون يومئذ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء، إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون، ولن يعدم إنسان ناحية خيرة أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا مؤونة التضايق منهم ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم؛ لأننا سنعطف على مواضع الضعف والنقص ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة العطف! وبطبيعة الحال لن نجشم أنفسنا عناء الحقد عليهم أو عبء الحذر منهم، فإنما نحقد على الآخرين لأن بذرة الخير لم تنمُ في نفوسنا نموًا كافيًا ونتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا» «17».
- مداراة وليست مداهنة
تمت ترجمة «المداراة مع الناس» أورد الإمام البخاري حديث عائشة أنه أستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: “ائذنوا له فبئس ابن العشيرة”، أو بئس أخو العشيرة.
فلما دخل ألان له الكلام؛ فقلت له يا رسول الله، فقال أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه- أو- ودعه الناس اتقاء فحشه» «18».
فقال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك- «19».
- الرفق بالتبليغ
وكأني أرى الإمام ابن القيم أمامي تبدو علامات الحزن في قسمات وجهه، يخرج الزفرات من جوفه لشدة ما رأى من إعراض الناس عن الالتزام بهذا المنهج فيتعجب ويقول «من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه. وأعجب من هذا علمك أنك لا بد لك منه وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب» «20».
ولعل شيئًا من العجب يزول حين تعلم أن فلانًا من الناس لم يُعرض إلا بسبب أحد الدعاة لم يراعِ مسألة الرفق في تبليغه للدعوة، وتاريخ الدعوة ينبئنا بكثير من حوادث الإعراض بسبب اختفاء عنصر الرفق في تبليغ الدعوة؛ لذلك كله لم يكن غريبًا على ابن مسعود رضي الله عنه عندما قال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، وكان يذكر الناس في كل خميس - فرد عليه تلميذ النبوة بجواب مليء بفقه الدعوة.
«أما أنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا» «21».
يخاف السآمة على جيل الصحابة، فكيف بجيل القرن العشرين!!!
ولا ينفرد ابن مسعود بهذا الفقه دون الصحابة، بل إن ذلك سمة بارزة فيهم رضوان الله عليهم جميعا. فهذا عمر رضى الله عنه يقول على المنبر: «أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل كيف ذاك أصلحك الله؟ قال يجلس أحدكم قاصًّا فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه» «22».
وهذا ابن عباس رضى الله عنه يقول: حدث الناس كل جمعة فإن أكثرت فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس من هذا القرآن، ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم، وقال أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وإياك والسجع في الدعاء فإني عهدت رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وأصحابه لا يفعلونه «23».
ولم يبتعد ابن حجر عن فهم الصحابة كثيرًا عندما استخلص في حديث ابن مسعود «استحباب ترك المداومة في الجد في العمل الصالح خشية الملال، وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها على قسمين: إما كل يوم مع عدم التكلف، وإما يومًا بعد يوم؛ فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط، وأما يوم الجمعة ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط» «24»
وإن أخذت بأقوال الصحابة وفقههم فإنك في مأمن من أن تكون من النفر الستة الذين ذكرهم ابن عبد البر حين قال: كان يقال ستة إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم؛ الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسًا ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه «25».
- الرفق مع أهل الكتاب
يقول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: 186) «26».
يقول صاحب الظلال – وذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها.. فهم عليها مؤتمنون، وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال، فلا يفرطوا فيها بعد ذلك مهما تكن الأحوال، ثم يقول: «ثم لكي يشعر المعارضون لهافي النهاية أنه لا بد فيها من خير ولا بد فيها من سر يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون فعندئذ ينقلب المعارضون لها إليها... أفواجا... في نهاية المطاف» «27».
وهي كذلك فرصة يربي فيها الداعية نفسه على تحمل أذى أهل الكتاب ويتعلم كيف يحلم عليهم ليس خضوعًا ومذلة إنما نظرة علوية خالية من الكبر مليئة بعزة الإيمان، ويستشعر أنهم في وصل الجاهلية.
عن عائشة رضى الله عنها أن يهودًا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، قال: وعليكم، فقالت عائشة: عليكم السام ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال.. مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش قالت أوَ لم تسمع ما قالوا؟ قال: أوَ لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ» «28»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل