; الرفق من صفات الدعاة: الحلقة الثالثة | مجلة المجتمع

العنوان الرفق من صفات الدعاة: الحلقة الثالثة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980

مشاهدات 71

نشر في العدد 490

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-يوليو-1980

الرفق مع الجُهّال

عن يحيى بن سعيد قال - سمعت أنس بن مالك قال: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه». (متفق عليه) «29» 

إنها قمة من قمم الرفق لا يبلغها إلا من اتصل بمشكاة النبوة اتصالًا لا يعرف الملل- وذلك نابع من استشعار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هذا التصرف الشاذ لا ينتج إلا من جاهل -ولنا أن نسأل أنفسنا- هل سيكون لنا نفس الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأعرابي إذا ما شاهدنا يومًا تصرفًا شاذًّا من أحد الناس؟ وهل سنرفق به ولا نعنفه وننصحه بهدوء أن يقلع في ذلك؟ أَم أننا سنسيء الظن فيه، ونحسبه قد تعمد ذلك ونثور كما ثار الصحابة رضوان الله عليهم في بداية الأمر!! 

وقبل التسرع بالإجابة على هذه التساؤلات دعونا نستمع لصاحب الفتح وهو يقول «أَمَرَهم بالكفِّ عنه للمصلحة الراجحة وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى استئلافه» «30»

وهي ليست الصورة الوحيدة من صور الرفق بالجاهل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم -فعن أنس رضي الله عنه قال- «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء». (متفق عليه) «31»

وبشيء من الصراحة نسأل أنفسنا إذا ما صادف جاهل أحدنا في حياته اليومية وتجاوزه بسيارته بصورة خطرة مما اضطر هذا الأخ أن يتلافى الحادث بصورة خطرة أيضًا.. هل سيسبه ويكيل عليه اللعنات أم أنه سيدعو له بالهداية ويسامحه وإن كان الحق عليه؟؟ 

ونثب من محكمة النفس إلى عالم السيرة مرة أخرى لنرى الرسول صلى الله عليه وسلم يصور لنا أعلى قمة من قمم الرفق بالجاهل فيقول: «يحكى أن نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (أخرجه البخاري) «32»

يسيئون له ويدعوا لهم ويلتمس لهم عذر الجهل، إنها ذروة التجرد لله لا يغضب إلا لله ولا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يجعل مكانًا في نفسه للانتقام من معذبي الجسد. حتى لا يكون غضبه لنفسه «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، وإنه مستوى رفيع يصله قليل من الدعاة فحسب أن الإمام أحمد كان أحدهم، ولا نزكي على الله أحدًا.

قال بلال الآجري: صحبت أبا عبد الله ونحن راجعون من الجامع فذكرت أبا حنيفة، فقال بيده هكذا ونفضها، فقلت: كان بول أبي حنيفة أكبر من ملء الأرض مثلك، فنظر إلى ثم قال -سلام عليكم- فلما كان من السحر بكرت إليه فقلت - يا أبا عبد الله إن الذي كان منِّي كان على غير تعمد فأنا أحب أن تجعلني في حلّ -فقال- ما زالت قدماي في مكانهما حتى جعلتك في حل» «33»

ولكن سر رد الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي وتبسمه مع الأعرابي الآخر وسر دعاء ذلك النبي لقومه بالمغفرة بعد أن أدموه و سر جواب الإمام أحمد للشاتم يكشفه الإمام الثوري وهو «استشعار الداعية أنه طبيب يعالج مرضى» فيتصف بصفات الطبيب وأن المدعوين مرضى فيصبر على صفاتهم كمرضى، إذ يقول «العالِم طبيب هذه الأمة» و تابعه بكشف هذا السر الإمام ابن القيم في تعريفه للنصيحة قال «هي إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى حلقه، فيتلطف في بذلها غاية التلطُّف ويحتمل أذى المنصوح ولأمته، ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق على المريض المُشبع مرضًا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح.»

الرفق مع المبتدئ:

وهذه هي الخلاصة التي أردنا أن يصلها الداعية من خلال مروره بأنواع الرفق التي ذكرناها.

فنقول إنها خلاصة؛ لأن الداعية في هذه المرحلة يبتدئ بدعوة الناس على منهج مدروس منظم على أسس تربوية مستقاة من الكتاب والسُنة، مُسوَّرة بحزام الرفق الذي أردنا أن نصل إليه في هذه المرحلة. 

فالمدعو إذا صادف داعية لا تتوفر فيه صفة الرفق فإن ذلك يكون له فتنة، ولعله يرد على أعقابه بعد إذ هداه الله، بسبب عنف لاقاه من ذلك الداعية «إنما تتولد الدعاوي من فساد الابتداء، فمن صحت بدايته صحت نهايته، ومن فسدت بدايته فربما هلك» «34»

والتيسير من الرفق وخاصة في الابتداء، فعندما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبو موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن كان أول ما أوصاهما به أن «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا». (أخرجه البخاري) «35»

والحكمة من هذا التوجيه ما ذكره صاحب الفتح «والمراد تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلًا حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط وكانت عاقبته غالبًا الازدياد بخلاف ضده - والله أعلم» «36»

وقبس آخر نقتبسه من مشكاة النبوة يبين أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليم الصحابة عمليًّا كيف يتم الرفق مع المبتدأ.

فعن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت، واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون؟؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما رأيتهم يُسكتوني، لكني سكت، قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربني ولا سبني ثم قال «إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». (أخرجه مسلم)

وفي رواية أخرى «قال- فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم» «37»

وتبين من خلال الحديث الشعور النفسي لدى المدعو عندما يواجه بتصحيح خطئه بالعنف، وإنه كاد يفتن فثبته الله بإدراك الرسول صلى الله عليه وسلم له بكلمة رفق. 

وبعد أن طاف معنا الداعية في هذه الرحلة على مناطق الرفق ووصل معنا إلى المنطقة الأخيرة نستأذنه بالدخول على الإمام أبو بكر محمد بن حسين الآجُري، الذي قال فيه الحافظ الذهبي في التذكرة «كان عالمًا عاملًا صاحب سُنه واتباع»

ونجلس بين يديه جلوس طلاب العلم إلى شيخهم لنستمع إليه وهو يخبرنا بأخلاق الداعية العالم مع من يربيهم فيقول «فأما أخلاقه مع مجالسيه فصبور على من كان ذهنه بطيئًا من الفهم حتى يفهم عنه، صبور على جفاء من جهل عليه حتى يرده بحلم، يؤدب جلساءه بأمَسِّ ما يكون من الأدب لا يدعهم يخوضون فيما لا يعنيهم، و يأمرهم بالإنصات مع الاستماع إلى ما ينطق به من العلم لا يعنف السائل بالتوبيخ القبيح فيخجله ولا يزجره فيضع من قدره، يقبل على من يعلم أنه محتاج إلى علم ويترك من يعلم أنه يريد الجدل والمراء وإذا سُئل عن علم لا يعلمه لم يستح أن يقول لا أعلم، وإن أفتى بمسألة فعلم أنه أخطأ لم يستنكف أن يرجع عنها» «38»

الرفق بالتكاليف

وبعد سماعنا موعظة الآجري، وانطلقنا ندعو الناس ونربيهم، لا يفوتنا ونحن نربيهم أن نسبة الطاعة في الابتداء ضئيلة؛ فلذلك هم ليسوا مستعدين لتنفيذ كل أمر وتبدأ تظهر ظاهرة «الاعتذار» وأسباب هذه الظاهرة كثيرة، إلا أن من أهمها تحميل المبتدئ من التكاليف مالا يطيق، فلذلك يُبتدأ بالاعتذار حياءً من الرفض المطلق، وهي ظاهرة خطيرة وصفة من صفات المنافقين قد تؤدي بالمدعو إلى أن يترك هذه الدعوة المباركة، فلا نكلفهم من العبادات والقراءات والأعمال مالا يتناسب مع مستوياتهم. 

يقول الطبري: المراد بالأمر بالتيسير فيما كان من النوافل مما كان شاقًّا لئلا يفضي بصاحبه إلى الملل فيتركه أصلًا أو يعجب بعمله فيحبط فيما رُخِّص فيه من الفرائض كصلاة الفرض قاعدًا للعاجز والفطر في الغرض لمن سافر، فيشق عليه» «39»

نتيجة الرفق

أ- حب الناس للدعوة وانجذابهم إليها. عن مالك بن الحويرث «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». (أخرجه البخاري) «40»

وليس النفر فقط بل الكل يتأثر بالرفق وينضمون لصفوف الدعاة.

يرسل سيد رحمه الله إلى أخته أمينة رسالة ضمنها خلاصة تجاربه في حقل الدعوة، وكأنه أراد بذلك أن يجعل من هذه الرسالة قواعد عملية، ثبت صحتها بعد الممارسة، فيذكر في ثنايا رسالته -حقيقة النفس الإنسانية وواجب الدعاة نحوها- فيقول «عندما تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، تجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة.

شيء من العطف على أخطائهم، وحماقاتهم، شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية «غير المتصعنة» باهتماماتهم وهمومهم ثم ينكشف لك النبع الخير في نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص، هذه الثمرة الحلوة، إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم وعلى أخطائهم وعلى حماقاتهم كذلك.. وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله أقرب مما يتوقع الكثيرون» «41»

ب- عون الله

عن خالد بن معدان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما يعين على العنف». (متفق عليه) «42»

وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على ما سواه» (متفق عليه) «43»

ج- دخول الخير

عن عائشة أنها قالت قال رسول صلى الله عليه وسلم «إذا أراد الله عز وجل بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (صحيح الترغيب) «44»

وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال- «من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (أخرجه الترمذي) «45»

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- «ما أعطى أهل بيت الرفق إلا نفعهم» (أخرجه الطبراني) «46»

د- دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم 

عن عائشة عن الرسول صلى الله عليه وسلم «اللهم من ولى من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فأرفق به» (أخرجه مسلم) «47»

هـ- انتصار الدعوة

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه». (أخرجه مسلم) «48»

الهامش

1- آل عمران 139

2- الظلال 1 / 501 الشروق

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المذكر ص 28, 29, 30

4- أخرجه أحمد «3 / 199» عن أنس وحسنه الألباني «ص.ج.ص 2242»

5- مسلم «1337»

6- البخاري «فتح الباري 5063» السلفية

7- البخاري «فتح الباري 39» السلفية

8- فتح الباري ج1 ص 94

9- مسلم «2594»

10- البخاري «فتح الباري 2363» السلفية

11- فتح الباري ج5 ص 42

12- الركية - البثر

13- مسلم «2245»

14- مسلم «1955»

15- شرح النووي 13/107

16- البخاري «فتح الباري 3219»

17- أفراح الروح ص12, 13

18- البخاري «فتح الباري 6131»

19- فتح الباري ج10 ص 538

20- الفوائد ص 47

21- البخاري «فتح الباري 70»

22, 23- الآداب الشرعية ج2 ص108

24- فتح الباري ج1 ص162

25 - الآداب الشرعية ج2 ص108

26- آل عمران ١٨٦

27- الظلال ج ١ ص ٥٣٩

28- البخاري «فتح الباري 6030»

29- البخاري «فتح الباري 321»

30- فتح الباري ج 1 ص ٢٢٤

31- متفق عليه

32-متفق عليه

33- مناقب الإمام أحمد ص ۲۲۲

34- الرقائق ص ٤١

35- البخاري «فتح الباري 6124»

● الروح ٢٥٧

36- فتح الباري ج 1 ص ١٦٣

37- أبو داود ۹۳۰، ۹۳۱

38- أخلاق العلماء ص ٥٢

39- فتح الباري ج ١٠ ص ٥٢٥

40- البخاري «فتح الباري 638»

41- أفراح الروح ص ۱۱، ۱۲

42- رواه الطبراني – قال الهيثمي - ورجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد «8 / 18»

43- مسلم «2593»

44- «أحمد ۷۱/۸ وصححه الألباني «ص.ج.ص 300»

45- الترمذي «2014» وحسنه الأرناؤوط «جامع الأصول 2639»

46- رواه الطبراني – قال الهيثمي - ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج السامي وهو ثقة «مجمع الزائد 8 / 19»

47- مسلم «1838»

48- مسلم «3594»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 499

135

الثلاثاء 30-سبتمبر-1980

الشعور بمعية الله من صفات الدعاة

نشر في العدد 1282

72

الثلاثاء 30-ديسمبر-1997

استراحة المجتمع: (العدد: 1282)

نشر في العدد 504

83

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

الجمال في كل شيء